أدب وفنون

يوميات مؤتمر سوتشي

 

اليوم الأول

نهضتُ في الصباح الباكر، دخلت الحمام، أصلحت من شأني، تناولت إفطاري سريعًا، رتبت لوازمي في حقيبتي، تفقدت وثائق سفري، وخرجت متوجهًا إلى قيادة الفرع لحضور الاجتماع الطارئ.

في التاسعة تمامًا، بدأ الاجتماع، بحضور الرفيق أمين الفرع والرفيق المحافظ والرفاق رؤساء الأجهزة الأمنية، بالوقوف دقيقة صمتٍ على أرواح شهداء الجيش العربي السوري. بعد ذلك تلا الرفيق أمين الفرع التفقد، للتأكد من حضور جميع أعضاء الوفد المشارك في المؤتمر. ثم ألقى كلمة توجيهية تضمنت ما يجب علينا أن نلتزم به في أثناء جلسات المؤتمر، مؤكدًا على الثوابت القومية، والمواقف التي ينتهجها قطرنا الصامد، في وجه المؤامرة الكونية ومحاربة الإرهاب، وانتصارنا الساحق على قوى الشر، بمساندة الأصدقاء الروس والأشقاء الإيرانيين والمقاومة اللبنانية بقيادة السيد حسن نصر الله. وفي الختام تمنّى لنا سفرًا موفقًا وعودة ميمونة.

خرجتُ من الاجتماع يملؤني الاعتزاز والفخر، وعدت إلى البيت. ودّعت زوجتي وأولادي، وتوجهت مع أعضاء الوفد إلى المطار. وهناك وجدنا بانتظارنا عددًا من الطائرات الروسية، أقلتنا من دمشق إلى موسكو. وفي إحدى مطارات موسكو، وجدنا بانتظارنا عددًا آخر من الحافلات التي أقلت الوفود السورية بدورها إلى منتجع سوتشي مكان انعقاد المؤتمر؛ حيث تمت استضافتنا بفنادق من الدرجة الثانية. فعلّق أحد أعضاء وفدنا الظرفاء: “أول الرقص حنجلة”.

اليوم الثاني

بناء على توصيات رئيس وفدنا، نهضنا مبكرين كي نتمكن من الحصول على أماكن لائقة، في قاعة المؤتمر. وأخذ كل منا يراجع المداخلة التي سيلقيها في المؤتمر، عملًا بتوجيهات الرفيق أمين الفرع.

كان موعد افتتاح المؤتمر الساعة الحادية عشرة. غير أننا حاولنا نحن -أعضاء وفد المحافظة- أن نكون أول الوفود التي تدخل قاعة المؤتمر، إذ وصلنا في الساعة العاشرة إلا ربع. وكم كانت دهشتنا كبيرة حينما وجدنا الباب الرئيسي لقاعة المؤتمر مغلقًا، وقد عُلقت عليه يافطة كتبت باللغة العربية وبالخط الفارسي الشقيق “لم يبق محلات”. فأسقط في يدنا. وكي لا نخرج من المولد بلا حمص، فقد تعشقنا نوافذ قاعة المؤتمر كي لا يفوتنا شيء مما يجري في الداخل. حيث استطعنا أن نرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتصدر منصة الرئاسة، وإلى جانبه سيرغي لافروف وزير الخارجية. بدأ المؤتمر بالوقوف دقيقة صمت على أرواح الجنود الروس الذين قتلوا في معارك الشرف في سورية، كما قال وزير الخارجية.. تلا ذلك النشيد الوطني لدولة روسيا الاتحادية. بعد ذلك وقف سيرغي لافروف فتلا البيان الختامي للمؤتمر.

أخذتنا الدهشة، وبدأنا نتبادل النظرات، ونحن نتعشق النوافذ، علّنا نصل إلى تفسير لما يحدث. قال أحد الرفاق الذين لهم دراية بالأعمال الأدبية والدرامية: يبدو أنهم يعقدون المؤتمر على طريقة الخطف خلفًا. انتظروا.

سألناه: ماذا يعني الخطف خلفًا؟ قال: يعني أن يبدأ الفيلم أو المسلسل أو الرواية، من موت البطل. ثم تبدأ الأحداث بالتسلسل.

على قلة درايتنا بالأعمال الفنية والأدبية، صدّقنا، وأخذنا ننتظر المداخلات. وأخذت أتحسس جيبي، فقد كنت بصدد إلقاء مداخلتي عبر النافذة التي كنت أتلبس شبكها. غير أننا فوجئنا بالباب الرئيس يُفتح، ويبدأ المؤتمرون بالخروج. وحين سألنا أحد الخارجين: ماذا جرى؟ قال: “عفط زهير وفلينا على خير”.

اليوم الثالث

تجولنا بقية اليوم في منتجع سوتشي حتى موعد طائرة العودة. وما إن وصلتُ إلى البيت حتى بدأ المواطنون يتوافدون للسؤال عن نتائج المؤتمر. وبعد أن سردت لهم الوقائع، كما جرت، علّق أحدهم قائلًا: ” تيتي تيتي. مثل ما رحتي. مثل ما جيتي”.

مقالات ذات صلة

إغلاق