مقالات الرأي

أحزاب “يسارنا” حاضنة للاستبداد أيضًا

 

قيل الكثير في معاني الربيع العربي، من مؤيديه كما من خصومه. وبرزت في الغضون، مواقف وأفكار غالبية أحزاب اليسار في البلاد العربية، كخصم شرس لانتفاضات واحتجاجات البسطاء من عامة الناس، عندما خرجوا مطالبين بحريتهم. ولقد كانت المقاربات لتجربة الثورة السورية هي الأكثر جلاءً عن مواقف كثيرة لقوى الحركة “اليسارية” العربية: منظمات وأحزاب وشخصيات. وقبل التجربة السورية، لم تبرز أزمة مواقف العديد من اليساريين العرب ظاهرة للعيان، فكان مسار التجربتين: التونسية والمصرية، بسرعة تنازل الرئيسين في البلدين، قد خفف من احتدام السجال النظري والسياسي حينها، زيادة على “الاقتصاد” في العنف في مواجهة الشارع، والذي سرعان ما توقف لحظة الانتقال لبناء سلطات جديدة في البلدين.

قبل سورية، ظهر القليل من انحيازات عدد من اليساريين (الشيوعيين والقوميين والوطنيين)، للسلطة، كما بدا ذلك في الموقف من انفجار الصراع في مواجهة نظام القذافي في ليبيا.

مع انطلاقة ثورة السوريين، وخلال مساراتها الصعبة والمعقدة؛ أفصحت قوى يسارية كثيرة، ومثقفون يساريون، عن وقوفهم ضد الثورة، دون أن يعلن هؤلاء أنهم مع النظام الدكتاتوري المتوحش، غير أن مواقفهم من الثورة -رغم كل الذرائع التي وظفوها لتبرير ما أقدموا عليه- هي منحازة عمليًا إلى معسكر الاستبداد. بل أطلقوا أسوأ الأوصاف على الربيع العربي برمته، بعد أن كانوا مباركين له، قبل أن يصل إلى سورية.

هذه المواقف “اليسارية” طرحت الكثير من الأسئلة حول الخلفيات التي دفعت إلى اتخاذ هذه المواقف، ولن أتوقف عند المبررات والذرائع “القومية والوطنية”، والمؤامرة الإمبريالية المزعومة، أو عن “إسلاموية” الثورة، وتحولها إلى إرهاب باسم الجهاد! فقد قيل الكثير عن تهافتها.

ثمة أمرٌ آخر تحيل إليه هذه المواقف، باعتقادي، يتعلق ببنية هذه القوى، وعلاقاتها الداخلية، ومبادئها التنظيمية. والمقولة الأثيرة على قلوب دعاة تمثيل الطبقة العاملة والفقراء، تقول: إن بنية الحزب تمثل جنين سلطة الدولة الجديدة القادمة. وعليها تأسست مبادئ (الحزب الحديدي أو الفولاذي، نظام الطاعة، وخضوع الأقلية للأكثرية، وخضوع الأدنى للأعلى. السرّية، واعتماد مبدأ المركزية الديمقراطية ناظمًا للعلاقات، وضامنًا لوحدة الحزب وتطوره، تطهير الحزب بشكل دائم من التيارات الأيديولوجية الخارجة على أيديولوجية الحزب). إلى ما هنالك من صياغات اجتهادية تفصيلية، لكنها تصب بمجملها في خدمة الفكرة: “الحزب الحديدي الصلب”. ولم يفتقد الأدب “اليساري” توصيفات عسكريتارية للحزب، كالقول: إن الحزب هو هيئة أركان الطبقة العاملة، أو أن الحزب هو “طليعة الفقراء والمظلومين”، وهكذا كان حال الأحزاب والتنظيمات “القومية اليسارية” التي تجنبت الإفصاح عن أيديولوجية ماركسية، بشكل صريح ومباشر.

الملاحظ، في كل تلك المبادئ والأنظمة، غياب مبدأ تعددية التيارات داخل الحزب، وتحريم نشر وترويج أي فكرة، تتعارض مع فكر الحزب كما تقرره الهيئات المركزية. والحجة هنا، في هذا التحريم، أن العدو سيستفيد من “رخاوة” البنية الأيديولوجية للحزب، وستكون حديدية الحزب وصلابته هشة، وعاجزة عن القيام بواجبات النضال الطبقي والوطني والثوري. وهو ما يطابق قوانين الطوارئ والأحكام العرفية في أنظمة الاستبداد، حيث تتلخص كل تلك الأنساق، باتهام أصحاب الرأي المغاير بـ “زرع الوهن في الأمة”، وإضعافها في مواجهة “أعداء الوطن”.

هذه البنى والقواعد التنظيمية الحزبية جعلت معظم أحزاب اليسار، الشيوعية والقومية، تفتقد أي إمكانية للتجديد والتطور، وتحولت الأحزاب والمنظمات إلى مزارع للأمناء العامين، وفي أحسن الأحوال، للمكاتب السياسية لهذه القوى. والمفارقة الهزلية أن يكون التوريث قد دشنه أول حزب شيوعي في البلاد العربية، حين طبَّق توريث الزوجة ثم الابن. وكما استعصت السلطات الدكتاتورية على كل إمكانية للإصلاح والتطور، عجزت الحراكات الداخلية في الأحزاب عن التغيير الداخلي، وفق قواعد “المركزية الديمقراطية” التي تطبقها القيادات على هواها، وبالمواسم، في زمن المؤتمرات الحزبية، في الخطابات والمداخلات، لتعود بعد انتهاء المؤتمرات لتطبيق المركزية الصارمة، أي الاستبداد شبه الكامل، حيث مبدأ خضوع الأقلية للأكثرية، في تطبيقه العملي يصبح معكوسًا “بخضوع الأكثرية للأقلية”، المكاتب السياسية والأمناء العامين. وهو ما جعل الانشقاقات الحزبية حتمية، والخلافات لا حل لها إلا بشكل انفجاري محتدم ومكشوف، تندلع معه الاتهامات بالخيانة والتواطؤ.

وعليه؛ فقد فعلت هذه المبادئ التي انبنت عليها أحزاب اليسار، بفروعه المختلفة، فعلَها، في الوصول إلى نتيجتين، شكلتا أحد أبرز الأسباب في الحضور السافر للسياسات والمواقف “اليسارية” المحابية للاستبداد، بخاصة في زمن الثورة السورية. والمقصود بالنتيجتين أن تم “تطهير” بنية الأحزاب والمنظمات من عناصر التغيير والتجديد والتطور، هذا أولًا، ثم تفرد قلة قليلة من الأفراد، يطلقون على حالتهم مسمى حزب أو منظمة، باتخاذ المواقف المؤيدة للاستبداد تحت مختلف الذرائع، واعتبار ذلك هو الموقف اليساري الثوري العلمي العقلاني… إلخ.

خلاصة القول أن انحطاط قوى يسارية كثيرة، بوقوفها إلى جانب الاستبداد، وفي سورية خاصة، يأتي متوافقًا مع بناها التنظيمية، ومبادئها في علاقاتها الداخلية، وتعبيرًا عن خوفها من التغيير، فهي كانت قد تكيفت، طيلة أكثر من نصف قرن، مع الأوضاع القائمة في ظل السلطة المستبدة، واكتفت بتحقيق مصالحها الوضيعة الضيقة، في ظل وضع خبرته وتعودت عليه، فيما الجديد الذي تطرحه الثورات موضوعيًا، هو غامض بالنسبة إليها، تخشاه كما تخشاه سلطة الاستبداد، وتسعى للقضاء عليه. والحقيقة التي تؤكدها حالة الانسجام، بين السلطة المستبدة وبين أكثر قوى وأحزاب اليسار، هي أن “الربيع العربي” المرذول من اليساريين، لا يصطدم مع السلطة/ السلطات المستبدة فقط، فهو أكثر من ذلك يصطدم مع كل مكونات الواقع الفكري، والسياسي الحزبي القائم، ويحفز على تجاوزه، وهو ما أحست به القوى المسماة باليسارية، بوعيها أو بأعماقها غير الواعية. وما وقوف هذه القوى ضد الثورات سوى تعبير عن مصالحها الفئوية الضيقة، التي استبدلت بها مصالح الشعب في الحرية والديمقراطية والتغيير.

مقالات ذات صلة

إغلاق