ترجمات

صحيفة اللوموند: السلام في سورية: مبادرتان للمحادثات تتكاملان لكن من المحتمل تنافسهما

افتتحت في فيينا تحت رعاية الأمم المتحدة محادثات سورية، بين النظام والمعارضة. وسوف تعقد بمبادرة روسيا محادثات أخرى بسوتشي في نهاية كانون الثاني/ يناير.

يتفق الدبلوماسيون والخبراء جميعًا على استحالة حل عسكري للصراع الذي يدمِّر سورية منذ عام 2011. لكن المخرج السياسي والتفاوضي من هذه الحرب، التي أدت إلى 350000 قتيل وإلى 11 مليون من اللاجئين والنازحين، أي نصف عدد سكان سورية، يبقى غير مؤكد على الدوام.

كان الصراع ضد (تنظيم الدولة الإسلامية)، وهو أولوية التحالف الغربي، قد أحال إلى المقام الثاني الصراعات الأخرى في الصراع، التي توشك أن تصير، أكثر فأكثر، عسيرة على السيطرة بعد هزيمة الجهاديين. وكان الهجوم الذي شنه الجيش التركي ضد المقاطعة الكردية السورية عفرين أول علامة لذلك.

افتتح مقطع من مسلسل دبلوماسي طويل يومي 25 و26 كانون الثاني/ يناير، من أجل إطلاق المحادثات السورية، بين النظام والمعارضة، تحت إشراف الأمم المتحدة بفيينا، بدلًا من جنيف كالمعتاد وذلك لسبب تقني. ومن المقرر أن يُعقد، في نهاية الشهر 29 و30 كانون الثاني/ يناير، في سوتشي على ضفاف البحر الأسود، اجتماعُ “مؤتمر السلام” الذي تنظمه روسيا، والتي كانت من قبل، منذ سنة، عرابة عملية آستانا مع تركيا وإيران. هاتان المبادرتان هما في آن واحد متكاملتان، لكن من المحتمل أيضًا أن تتنافسان. تفكيك..

* ما هي عملية جنيف؟

لا أحد يتوهم حول نتائج يومين من المحادثات التي افتتحت في فيينا، هذا الخميس 25 كانون الثاني/ يناير. “إنها فترة حرجة جدًا جدًا”، كما اعترف المبعوث الأممي إلى سورية: ستيفان دي ميستورا، الذي يشرف على النقاشات. “لا يوجد اليوم أي منظور سياسي أمامنا، باستثناء -وهذا هو الأمل الأخير- الاجتماع الذي سيتم في فيينا تحت إشراف الأمم المتحدة”، كما أكد وزير الخارجية الفرنسي، جان ـ إيف لودريان، وهو يتحدث عن “آخر أمل من أجل السلام”. وكانت الاجتماعات الثمانية السابقة من المفاوضات، وآخرها في شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي، قد انتهت إلى الفشل. إلا أن عملية جنيف تبقى الوحيدة المعترف بها شرعية بصورة كاملة، بما في ذلك من قبل النظام، وإن كان يقوم بكل شيء من أجل تخريبها.

فقد بدأت منذ عام 2012، وبقيت زمنًا طويلًا عند نقطة الصفر. اثنان من كبار الدبلوماسيين الأمميين: السكرتير العام السابق لمنظمة الأمم المتحدة كوفي عنان، والدبلوماسي الجزائري الأخضر إبراهيمي، عُيِّنا، على التوالي، بوصفهما مبعوثين خاصين من أجل سورية، كانا قد استقالا واحدًا بعد الآخر. كانت مهمتهما العمل على “وقف العنف وخرق حقوق الإنسان، والتشجيع على الوصول إلى حلٍّ سياسي للأزمة السورية”، تلاهما الدبلوماسي الإيطالي – السويدي ستيفان دي ميستورا عام 2014، واستبقي في ممارسة وظيفته من قبل السكرتير العام الجديد للأمم المتحدة، أنطونيو غيتيريس.

انطلقت العملية بصورة فعلية في كانون الأول/ ديسمبر 2015 بعد أن اعتمد أعضاء مجلس الأمن بالإجماع القرار 2254 الأول حول سورية. كانت روسيا، بوصفها سيدة اللعبة منذ تدخلها العسكري الذي أنقذ النظام في خريف 2015، تشعر بالقلق آنئذ من خطر التورط في حرب بلا نهاية. وكان جون كيري، وزير الخارجية الأميركية وصنوه الروسي سيرغي لافروف، قد اتفقا على خطة شديدة الدقة اعتمدت في آن واحد العمل من أجل توطيد وقف النار ووصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة، ومحادثات بين النظام والمعارضة من أجل إقامة “حكومة ذات صدقية، وشاملة، وغير طائفية”، وإعداد دستور جديد، ثم إجراء انتخابات “بأكبر قدر من الشفافية تحت إشراف الأمم المتحدة”.

لكن المسألة المركزية تبقى مسألة تنظيم السلطة ومستقبل بشار الأسد. لا يزال القرار 2254 الآن يؤلف المرجع لكل حلٍّ سياسي للصراع السوري. لكنه لا يحدد ما الذي سيكون عليه مصير بشار الأسد، أحد أسباب الجمود الرئيسة.

* لماذا تتزحلق جنيف؟

النجاح الوحيد لستيفان دي ميستورا هو نجاحه في الحفاظ على بقاء هذه العملية على قيد الحياة، ولو كانت في غيبوبة؛ إذ إنها تبقى الإطار الوحيد من أجل حلٍّ سياسي ترغب القوى الكبرى فيه، على الأقل قولًا.

محادثات جنيف هي -حسب كلمة المبعوث الأممي- “مفاوضات عن كثب”. إذ يتلقى هو ومعاونوه الوفدين واحدًا بعد الآخر، أو يقومون بالانتقال بين الاثنين، لأن النظام لم يقبل البتة أن يتناقش وجهًا لوجه مع المعارضة التي بقيت من ناحيتها جاهزة لذلك.

“سيكون لقاء فيينا اختبارًا جديدًا. فقد فشلت موسكو في إرغام النظام على الانخراط في المفاوضات”، كما أشار ناصر حريري، رئيس الهيئة العليا السورية للمفاوضات، التي تضم الآن كل عناصر المعارضة السورية تقريبًا، بما في ذلك الأكثر اعتدالًا إزاء الأسد والأحزاب الكردية.

وحده يبقى خارجًا “حزب الاتحاد الديمقراطي”، المهيمن في (روج آفا)، كردستان السورية، والمرتبط عضويًا مع (حزب العمال الكردستاني)، الحزب الكردي المتمرد في تركيا، فالمعارضة السورية تتهمه بعلاقاته الغامضة على الأقل مع النظام.

تبقى نقطة الخلاف الأساس في النقاش هي مصير بشار الأسد. ففي نظر النظام -كما هو الأمر في نظر حماته الروس والإيرانيين- يجب أن يبقى في السلطة، وإن كانت موسكو توحي بأن من الممكن أن يتم استبداله؛ ما إن يتم ضمان استمرار النظام والدولة. أما في نظر المعارضة وداعميها الغربيين، ولا سيما باريس ولندن وواشنطن، فإن رحيل الديكتاتور إذا لم يكن شرطًا مسبقًا على افتتاح المفاوضات، “فإن جزار دمشق” لا يستطيع أن يجسد مستقبل شعبه. تلك هي الإشكالية التي برزت خلال الجولة الأولى من المحادثات التي جرت في آذار/ مارس 2016. مضت سنتان على ذلك، ولم يتحرك شيء في الحقيقة.

 

* ما هي وسائل الضغط التي تتمتع بها المجموعة الدولية من أجل إطلاق المحادثات؟

عندما لا يكون أي نصر ممكنًا لهذا المعسكر أو ذاك؛ يعمل عامل إنهاك المتقاتلين في أي صراع، لصالح حل تفاوضي. لكن الشروط ليست متوفرة في سورية. فلا تزال المعارضة ترفض قبول خسارتها الحرب بصورة كلية، وإن تقلصت حصونها إلى أقل من القليل: في منطقة إدلب في الشمال الغربي، ومن حول جرابلس في الشمال، ودرعا في الجنوب والمناطق المحاصرة في الغوطة الشرقية بالقرب من دمشق.

في حين أن النظام بات على قناعة من أنه كسبها، وإن كان ذلك في جزء كبير منه وهمًا. لم يكن ثمة شيء ممكنًا من دون المساعدة على الأرض التي أداها عشرات آلاف المقاتلين الأجانب الذين أشرفت عليهم إيران، والحرس الثوري مباشرة أو المتطوعون الشيعة الذين جاؤوا من أفغانستان برعاية طهران، ومن لبنان عبر (حزب الله) ومن العراق.

لم يكن ثمة شيء ممكنًا أيضًا؛ لولا مساعدة الطيران الروسي الذي استهدف الثوار بكثرة بقدر ما استهدف جهاديي (داعش). حقًا إن النظام يسيطر على سورية الموصوفة بالمفيدة في الوسط، والتي تكاد لا تتجاوز 50 بالمئة من الأراضي. نصف السكان فقط يعيشون على الأراضي التي تسيطر عليها دمشق، في حين نزح الباقي منهم أو صاروا لاجئين. أما المناطق البترولية في الشرق، فهي بأيدي القوى الكردية المتحالفة مع التحالف الغربي ضد (داعش).

ستكون المسألة الجوهرية الأخرى مسألة إعادة البناء، التي قدرت كلفتها على أقل تقدير بين 300 و500 مليار دولار (بين 240 و400 مليار يورو). سوى أن عرابي النظام، روسيا وإيران، لا يملكون وسائل ضمان الاستثمار الضرورية. فالدخل القومي الروسي يبقى قريبًا من الدخل القومي لإيطاليا. في حين يريد الغربيون، بدءًا من الأميركيين الذين كانت استراتيجيتهم قد بقيت بعد انتخاب دونالد ترامب عسيرة على القراءة، والفرنسيون، استخدام هذه الحجة على نطاق واسع؛ من أجل أن يحاولوا فرض عملية انتقال حقيقية.

يعي الروس كذلك هشاشة الانتصار الظاهري للنظام، ويضغطون من أجل أن يقبل الدخول في منطق مفاوضات السلام. “فقد اجتمعت الشروط من أجل حل سياسي للصراع تحت إشراف الأمم المتحدة”، كما قال فلاديمير بوتين إلى بشار الأسد خلال الزيارة المفاجئة، يوم 11 كانون الأول/ ديسمبر لقاعدة حميميم، قلب التواجد العسكري الروسي في سورية. جملة ترنُّ كما لو أنها إنذار.

* ماذا يريد الروس مع مؤتمر سوتشي؟

“مؤتمر السلام السوري” بمبادرة حليفي نظام دمشق موسكو وطهران، وداعمة الثوار، أنقرة، يزعمون أنهم يجمعون في سوتشي يومي 29 و30 كانون الثاني/ يناير، “كل الفاعلين الرئيسيين الإقليميين والدوليين”، بما في ذلك الأكراد، رغم اعتراضات تركيا.

إنه تتويج تصاعد قوة تأثير موسكو الدبلوماسي على سورية التي بدأت منذ عام. عثرت روسيا على موقعها كقوة كبرى قادرة على أن تواجه الولايات المتحدة الأميركية. لكن ذلك يعني أن تتمكن من أن تحول إلى انتصار سياسي نجاحَ تدخلها العسكري الذي قامت به في خريف عام 2015 مع أكثر من 5000 جندي، وكانت ذروته استعادة الجزء الشرقي من حلب، قلعة التمرد، في كانون الأول/ ديسمبر عام 2016.

بعد عدة أيام من ذلك، أعلن الكرملين عن وقف إطلاق النار في 30 كانون الأول/ ديسمبر، تحت رعايته ورعاية إيران من جانب النظام، وتركيا، داعمة التمرد. وفي غمرة ذلك، عن تنظيم مفاوضات غير مسبوقة يوم 23 كانون الثاني/ يناير 2017 في آستانا، عاصمة كازاخستان، بين دمشق والجماعات المسلحة، تحت إشراف موسكو وطهران وأنقرة.

لم يكن هناك أي بلد عربي بين المنظمين، ولا أي بلد غربي كذلك. صارت عملية آستانا رمز انعطاف العالم، إلا أن أهدافها كانت ولا تزال قبل كل شيء تقنية. كان المقصود السماح بوقف إطلاق النار محليًا، وإيصال المساعدة الإنسانية وإنشاء “مناطق خفض التوتر” التي صارت اليوم أربعة مناطق: في الجنوب من حول درعا، وفي حماة في الوسط، وفي الشمال الغربي من حول إدلب، وفي الغوطة الشرقية.

تبين كثافة المعارك وقصف النظام في هاتين المنطقتين الأخيرتين، والوضع الإنساني المأسوي في الغوطة الشرقية، حدود هذه المسيرة، لكنها فرضت موسكو مع ذلك بوصفها الفاعل الدبلوماسي الجوهري في الملف السوري.

يريد الكرملين الآن أيضًا أن يثبت سلطته من خلال مؤتمر سياسي. وباعتبارها ترمي إلى جمع كل الأطراف السياسية والطوائف الإثنية والدينية السورية، تهدف عملية سوتشي (التي أُجّلت مرتين)، قبل كل شيء، إلى الاستعراض. حقًا إن موسكو تتقلب في أقوالها، لكنها تذكر أن العملية متممة لعملية منظمة الأمم المتحدة، وتهدف إلى “تحفيزها”.

لم تحسم المعارضة بعدُ موقفها أستشارك أم لا، مشترطة حضورها على نتائج المفاوضات، خلال يومين في العاصمة النمساوية. يشعر الغربيون بالحذر نفسه، وهم يذكرون بـ “مركزية عملية جنيف”.

 

العنوان الأصلي Negociations sur la Syrie un dernier espoir pour la paix
الكاتب مارك سيمو Marc Semo
المصدر صحيفة اللوموند، Le Monde
الرابط http://www.lemonde.fr/syrie/article/2018/01/25/negociations-sur-la-syrie-un-dernier-espoir-pour-la-paix_5247014_1618247.html
المترجم بدر الدين عرودكي

 

مقالات ذات صلة

إغلاق