تحقيقات وتقارير سياسية

إدلب على حافتي السكين: مسار أستانا يندلع كمعركة غضب على آخر معقل ثوري في سورية

 

فرّ عشرات الآلاف من هجوم النظام السوري الأخير على المقاطعة الأخيرة المتمردة، في شمالي البلاد في إدلب؛ ما أثار مخاوف من حدوث مأساة إنسانية أخرى. وبحسب الأمم المتحدة فإنّ أكثر من 70 ألف شخص فروا من منازلهم، وانتقلوا إلى عمق المدينة، خلال الأسابيع الأخيرة، من جرّاء تصعيد العنف في المنطقة. وتستضيف المنطقة نحو 1.1 مليون شخص نازح ممن هربوا من المعارك الدائرة في أماكن أخرى في سورية، أو من أولئك الذين نُقلوا إلى المنطقة، ضمن العمليات التي باتت تعرف باسم “صفقات الباصات الخضر”. إنّ أمل تفادي تكرار مأساة حلب يتعلق بمسار العلاقات الروسية-التركية، إذ يُعدّ البلدان لاعبين أساسيين في أستانا.

طالب العديد من المدنيين باللجوء إلى الحدود التركية، بعد أن شنّت القوات الموالية للديكتاتور السوري بشار الأسد، هجومًا على بلدة (أريحا)، عُدّ الأول منذ أكثر من ثلاث سنوات. المنطقة محكومة من قبل الفصائل المتمردة بمن فيهم تحالف القوى الراديكالية، مثل (هيئة تحرير الشام/ النصرة)، ذراع تنظيم القاعدة في سورية، التي دحرت القوات النظامية من المحافظة، عام 2015.

ويبدو أنّ ّالهجوم الأخير للنظام يهدف إلى إعادة السيطرة على قاعدة (أبو ظهور) الجوية، وإقامة موطئ قدم جديد لها في المقاطعة الاستراتيجية، كجزء من الجهود الرامية إلى توسيع حملتها البرية ضدّ من وصفتهم بقطاع الطرق والجماعات الإرهابية. وتشير التقارير الأخيرة القادمة من الميدان، إلى أنّ قوات النظام تقع على بعد خمسة أميال من القاعدة الجوية، وتتقدم بسرعة في ظل وابل مدمر من القصف الجوي والمدفعي.

ومع ذلك، لم تكن المعركة سهلة، حيث كلّف استنزاف المتمردين قواتِ النظام أعدادًا كبيرة من الضحايا، وسجّلت قوات المتمردين المدعومة لوجستيًا واستخباراتيًا من قبل تركيا، تقدمًا في عدة محاور. وتشير التقارير إلى أنّ المتمردين قتلوا عددًا من قادة “النمور” البارزين، في حين زعمت قوات النظام أنّها أسرت عددًا من كبار قادة (هيئة تحرير الشام/ النصرة). كما شنّ المتمردون هجومًا مضادًا، يوم الخميس 25 كانون الثاني/ يناير، في محاولة لوقف تقدم النظام. ومع ذلك، مع تزايد الغارات الجوية على مدى الأسابيع الأخيرة؛ زادت الخسائر في صفوف المدنيين. لا يزال غير واضح كم من الوقت يلزم ليتمكن المتمردون من دحر قوات النظام. لكن المؤكد هو فشل مسار أستانا في تحقيق “مناطق خفض التصعيد”، في جميع أنحاء البلاد.

أدّت المعارك إلى زيادة التوتر بين فرقاء أستانا: روسيا وإيران وتركيا. حثّت الحكومة التركية الحكومتين الروسية والإيرانية على التدخل، ومنع النظام السوري من مواصلة هجومه، وذلك اختبارًا لقوة التحالف بين القوى الإقليمية الثلاث الرئيسة. واتّهم وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، النظامَ السوري باستخدام جماعات، مثل (هيئة تحرير الشام/ النصرة)، ذريعة لقصف المناطق المدنية، في سعيه لإزالة المعارضة المعتدلة من إدلب. كما اتّهم أيضًا الحكومتين الروسية والإيرانية، بالفشل في القيام بدور “الضامن” لمسار أستانا، وعقب ذلك استدعاء سفراء إيران وروسيا إلى وزارة الخارجية، احتجاجًا على “انتهاكات تصعيد العنف” في إدلب.

على الرغم من عدم انزلاق روسيا المباشر بشأن النداءات التركية، فإنّها حذّرَت تركيا لدعمها للقوات المتمردة المعتدلة، في إشارة منها إلى الهجوم الذي جرى بطائرة من دون طيار على القاعدة الجوية الروسية (حميميم)، في اللاذقية، في يوم رأس السنة. وأشارت الخارجية الروسية إلى أنّها اتّصلت بوكالات الاستخبارات التركية، وناشدت الأتراك أن يمتثلوا لمسؤوليات تركيا في عمليات المراقبة، المتفق عليها في أستانا.

لا تزال إدلب واحدةً من المعارك الرئيسة في الحرب السورية. قربها من تركيا أعطى المدينة والريف المحيط بها مكانةً استراتيجيةً مميزة لدى أنقرة. وفي حين تُعنى تركيا بمحاولات إحباط انتشار التهديد الجهادي عبر حدودها، فإنّ العمل العسكري في المحافظة يهدف أيضًا إلى منع موجة جديدة من اللاجئين السوريين الذين يحاولون العبور إلى تركيا. وتستضيف المنطقة أعدادًا كبيرة من السوريين الفارين من معركة حلب، وآلاف آخرين نُقلوا إلى المنطقة بعد صفقات التبادل. والنتيجة أنّ تركيا حريصة على منع تكرار مأساة حلب مجددًا وما تلاها، من زيادة اللاجئين إلى الأراضي التركية.

تعبّر الصحف التركية عن هذا القلق، حيث أفادت صحيفة (قرار) اليومية أنّ أكثر من 400 ألف مدني محاصرون في جنوب إدلب، كما أعربت صحيفة (يني شفق) عن قلقها إزاء مليوني مدني وأكثر، لن يكون لديهم خيار آخر سوى الفرار إلى تركيا. وفي السياق ذاته، أبدى مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، قلقه إزاء احتمال وقوع إصابات بين المدنيين وتدفقات جديدة من اللاجئين إلى البلدان المجاورة.

إنّ الوضع الراهن في إدلب يعطي دليلًا آخر على أن نظام الأسد -على الرغم من وجوده في الساحة الدولية ساعيًا إلى الوصول إلى حل سياسي من خلال أستانا وغيرها من المسارات- لا يكترث لشيء سوى القضاء على آخر معقل للمتمردين، وتهجير البيئة الحاضنة من المدنيين. وعلى الرغم من كون إدلب جزءًا أساسًا من مخرجات أستانا، فإنّها لا تزال رازخة تحت وابل الضربات جوية ضدّ المدنيين والبنية التحتية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس والمخابز. إذا كنا نرغب تجنيب إدلب مصير حلب؛ فعلى المجتمع الدولي أن يعمل الآن لمنع تدمير مدينة من أقدم وأعرق المدن في سورية.

 

العنوان الأصلي Idlib on the Knife Edge: Astana Process Falters as Battles Rage for Syria’s Last Revolutionary Bastion
الكاتب        ألكسندر أستون-وارد Alexander Aston–Ward
المصدر مركز حرمون لدراسات المعاصرة، برنامج الباحثين الزائرين الدوليين
المترجم وحدة الترجمة والتعريب

 

مقالات ذات صلة

إغلاق