قضايا المجتمع

قادمون جدد.. كيف خدع الجنرال شعبه

 

تمنحنا مؤشرات الخريطة التفاعلية لـ (منظمة الشفافية الدولية)، فرصةَ تقدير الثمن الباهظ، الذي يدفعه المواطنون العاديون، نتيجة المشكلات التي يتسبب بها غياب الشفافية والنزاهة عن أنظمة الحكم في بلادهم. ففي الوقت الذي ما يزال فيه رجال السلطة، والحلقة القريبة منهم، يستغلون المال العام، وينشطون تحت عباءة فوضى الحرب، للاغتناء والتمتع بحياة مترفة، لا تخضع للمساءلة وسلطة القانون؛ تذهب شريحة كبيرة من الناس إلى النوم في كل ليلة، وهي محرومة من احتياجاتها المعيشية، وأبسط حقوقها الأساسية.

تنطبق هذه المفارقة على الوضع السائد في سورية؛ فالأسد الذي اختزل الدولة بنظام عائلي فئوي مسيطر شكّل، منذ أن ورث السلطة في عام 2000، حكوماتٍ ارتجالية جائعة، ابتلعت رغيف خبز المواطن، واغتنت على حساب المصلحة العامة، باستثمارها العمل الوظيفي، لجني ما يمكن تحصيله من عطايا وإتاوات مالية، وصفقات ذات عمولات مجزية، والتلاعب بأوجه الإنفاق العام، على نحو كرّس اللامساواة الأفقية، وعطّل التنمية، وحوّل قطاعات المجتمع برمتها إلى قطاعات محبطة يائسة، تلهث وراء استقرارها الغذائي.

الطريقة التي يتعاطى نظام الأسد بها مع شعبه تشبِه لوحةً شهيرة، رسمها الفنان السوري علي فرزات: جنرال يغرف بملعقة كبيرة، من وعاء ضخم، حزمةَ نياشين، ويسكبها عوضًا عن الطعام، في صحن مواطن فقير. إن الإيحاء الأولي لمشهد القائد المدجج بالأوسمة ينم عن سلطوية عسكرية، تطل من علو، استولت على حقوق الناس، ودجنت المجتمع بشعارات سياسية واقتصادية، أدت خلال العقود الأخيرة إلى ظهور نموذج سوري فقير، استنسخته الحكومات على نطاق واسع، بعد أن قلصت أحلامه، وقللت فرص حصوله على مستويات جيدة من الغذاء، والرفاه، والتعليم، والرعاية الصحية، وفرص العمل، والضمان والحماية الاجتماعية.

من المدهش أن تروج حكومات البعث للرخاء الاقتصادي، والنمو الذي يجلب الثروة للجميع، بينما يخطفُ الأسد مع حاشيته موارد الدولة، وينشطُ وفقًا لنهج أحادي إقصائي، أضر بعدالة توزيع الثروة، وخفّض عائدات الفرد من الناتج القومي الإجمالي؛ لتهبط مستويات الحياة في مناطق عديدة تميزت بمواردها القليلة.

في مقتبل انتفاضة الشارع السوري، قبل أن تستقيل، في آذار/ مارس 2011، حكومةُ محمد ناجي عطري، أذاعت تقريرًا يُجمل الإنجازات التي حققتها منذ تشكيلها عام 2003. أوردت فيه ما يشير إلى أن نسبة النمو في سورية وصلت، في نهاية عهدها، إلى أكثر من 5 بالمئة. معتمدة في تحديدها على معدلات النمو السكاني، والناتج المحلي، والصادرات، والتضخم، والبطالة. لكن المفارقة أن ثلاث جهات أخرى، تمثل النظام أيضًا، أعلنت بعد وقت قصير أرقامًا أخرى، تنم عن تناقض حاد، بدأها فاروق الشرع (النائب الأول للأسد) بالرقم 3.5 بالمئة، ثم رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال، بالرقم 3.7 بالمئة، فمدير المكتب المركزي للإحصاء، بالرقم  4.9بالمئة.

لم يأت التفاوت الرقمي الآنف، عن طريق المصادفة؛ فقد أدى غياب الشفافية في نظام الأسد إلى وجود خلل معلوماتي لا مثيل له، وإلى ارتفاع مستوى الاضطراب السلوكي بين أعضاء طاقم، يتنافس كل واحد فيه على الطريقة التي توصله إلى عقل القائد، قبل غيره.

لقد اعتاد النظام تسويغ الوضع القائم، عبر معايير ومؤشرات متضاربة، لكنها مدهشة في الوقت ذاته. ومع أن الهدف من ورائها التخفيف ما أمكن من تأثير سياسة الاستعلاء والاستيلاء والاستحواذ، على الطبقات الضعيفة في المجتمع، فإنها خدمت بامتياز الفوضى التي استشرت في الجهاز الحكومي، وساعدت الأيدي الطويلة في جني فوائد وأرباح غير مشروعة، أضافت إلى سجلاتها المالية منافع متأتية من أنشطة وصفقات وعقود، يشك بنزاهتها.

يمكن لنسب النمو التي بلغت بين عامي 2009-2006 وفق مصدر حكومي 6 بالمئة، وتراجعها في عام 2010 إلى 3.2 بالمئة، ثم هبوطها بشكل سلبي (- 2 بالمئة) في عام 2011 قبل بداية الحرب (يؤكد الرقم الأخير صندوق النقد الدولي)، أن تكشف صورة نمطية لنظام يترنح بين فساد السياسة الداخلية وفساد الجهاز الحكومي، لكنه يصر على أن يروج لخطط واستثمارات، تدعم نظم الحياة الاقتصادية والاجتماعية. مع أن الحرب التي يشنها ضد شعبه تضيف تكاليف جديدة، من شأنها أن تجفف آخر شرايين الاقتصاد، وأن تزيد بؤس بلد، تستقطب طبقته الفقيرة قادمين جددًا في كل يوم.

تؤكد جميع المؤشرات أن ضحايا سياسات الأسد قد حُرِموا -على نحو ممنهج- حتى من القليل الذي بين يديهم، وأن الذين طُلب إليهم أن يضحوا، من أجل أن يحتفظ الديكتاتور الشاب بسلطته، قد أصبحوا اليوم عراة؛ بينما بقيت أموال رجال الرئيس، والشبكة التي كانت تبتز الدولة، وتضغط عليها، وتساومها في الظل حتى على نفوذها، تتدفق إلى حسابات بنكية خارجية، تقول مصادر مصرفية إن حصيلتها في الوقت الراهن، قد بلغت أضعاف ما يملكه البنك المركزي السوري من أموال.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق