أدب وفنون

(البحث عن الأمل داخل فقاعة صابون)

 

من منّا لم يحلم في طفولته بأن يطير في فقاعة صابون؟! من منّا لم يشترِ بمصروفه تلك اللعبة البلاستيكية التي تصنع هذه الفقاعات السحرية التي ما إن نراها حتى تلمع عيوننا وتتمطى الدهشة فينا؟!

خالد يوسف فنانٌ ومصور فوتوغراف سوري، حمل روح هذه الدهشة وجعلها ثيمةً أساسيةً لأعماله، وبينما الصورة انعكاسٌ لواقعٍ ما، صارت فقاعة الصابون هي ذاك الانعكاس، والصورة أداة لحفظه أو إطارًا جميلًا له.

عن ذلك يقول خالد: كنت أبحث عن طريقة مختلفة لرؤية العالم. وجدت كل ما كنت أبحث عنه في فقاعات الصابون: طفولة العمر وطفولة الروح، الهشاشة والرقة، الخفة والألوان. بدأت أسافر مع الفقاعات، لأحاول أن أجعل الناس تسافر -أيضًا- من خلالها وهي معلقة في الهواء أو بين أيدي الأطفال، مثبتة على غصنٍ أو على نافذة، عمرها ثوانٍ، ثوانٍ طويلة إذا عرفنا أن نتأملها. هذه الفقاعات مثل أحلامنا التي نحاول أن نلحقها، أفكارنا الهاربة التي نريد تذكرها، اللحظات الجميلة التي يجب علينا أن نعيشها كاملة لأنها السعادة، فالسعادة لحظات عرفنا كيف نرى جمالها.

من خلال سفري، أحاول دائمًا التقاط صور للأطفال وهم يمرحون مع الفقاعات، في إفريقيا، في أوروبا وفي آسيا… مهما اختلف لون البشرة أو المستوى المعيشي، فإن سعادة واندهاش الأطفال هي نفسها، كلنا سواسية عند الولادة وفي الطفولة، كلنا سواسية في الإنسانية. هذا ما أومن به، وهذا ما أعيشه مع فقاعاتي.

– ما هدفك من كل ذلك، وماذا تريد أن تقول؟!

هدفي هو الجمال. هو الفن، فالفن بالنسبة إليّ فسحة للتنفس، للتأمل وللحلم. لقد قضيت نصف عمري في دمشق ونصفه الآخر في فرنسا، تخللت ذلك أسفار في بقاع الأرض، بفضول الباحث عن الجمال ولهفة المتشوق إلى اكتشاف العالم بألوانه وأضواءه المختلفة. وخلال كل ذلك أحببت فن التصوير؛ إنه مجال مفتوح لإيقاف الوقت وتثبيت اللحظة، فرصة لمشاركة رؤية مختلفة مع الآخرين، رؤية شاهدتها العين في لحظة زمنية لن تتكرر. بدأت منذ عدة سنوات بتصوير المدن من خلال انعكاساتها على مياه الطرقات، بعد ساعات المطر. هذا الانعكاس زائل لا محالة بحرارة الشمس، كل شيء زائل، وتبقى اللحظة وتبقى الذكرى.

أريد أن أقول لكل إنسان: “قف وانظر حولك، تذكر أن هذه اللحظة قد تكون هي السعادة نفسها، تذكر أن كل شيء فانٍ، وأننا كلنا بشر، تذكر هذا الطفل النائم في صدرك وأعطه الحرية”.

إذا استعرضنا كل ما يلتقطه خالد من لوحات؛ وجدنا أن ثمة شيئًا يمسنا -السوريين- لم يتحدث عنه، وهو ما يحدث في البلد، أو هذا ما نعتقده للوهلة الأولى ربما، فبينما كثيرٌ من الفنانين السوريين يواكبون، خطوةً بخطوة، وفكرةً بفكرة، الأحداثَ الكثيرة والحكايات التي تفيض من كل حي في سورية، نجد خالد يمشي في طريقٍ آخر، ربما على حواف الحدث وربما في لبه، لكن بطريقةٍ أخرى.

وعن ذلك يقول: “هل البحث عن الأمل بعيد ممّا يحدث في سورية؟! منذ بداية الأحداث اخترت طريق الأمل والإيمان بالإنسانية كإيديولوجية جديدة ودين جامع ومتكامل. الفن يجمعنا مثل حب الوطن، والطفولة ببراءتها تمحي مشاعر اليأس والحقد. هذا ما أسعى إليه، شيء ما يذكرنا بهشاشة العالم وضرورة الالتفاف حول مشاعر نبيلة، يذكرنا بإنسانيتنا. هكذا صوري تنتقل من بلد الى آخر حاملة شفافية اللحظة، وربما تصل إلى سورية حاملة السلام والأمل بألوان قوس قزح، سنكون جميعًا هناك لنخلد لحظات عودة السلام بقلم، بريشة أو بآلة تصوير.

في عالمنا الحالي، وما فيه من يأسٍ وعدم إيمان بالتغيرات الإنسانية والاجتماعية الجذرية، ومع الرجوع إلى أيديولوجيات إقليمية أو دينية قد تكون قاتلة، يمكن للفن بذاته أن يقف كأيديولوجية جديدة لتحارب كل أنواع الجهل. طبعًا عمل واحد أو عدة أعمال لا تكفي، لكن انتشار رؤية فنية متعددة ومختلفة، قد يتحقق من خلال التعاون الفني في عدة مجالات، بين فنانين من أصول وبيئات مختلفة، نصل بعدها إلى حوار منفتح يعود بنا إلى إنسانيتنا وإلى إمكانية التعايش. أحب دائمًا أن أقول إن كل عمل فني، وكل خطوة جيدة بالحياة اليومية، هو غبار إنساني، لن يغير مجتمعاتنا فجأة، لكنه يستطيع الدخول إلى كل مدن العالم ويستقر في نافذة أو ثقب ما، وشيئًا فشيئًا سيعطي فرصة لكي نبني عالمًا أفضل”.

عن اكتظاظ الإنترنت ومواقع التواصل بصفحات المصورين، من هواة ومحترفين ومتسلقين، وعن الخط الفاصل بين أي صورة فوتوغرافية وبين الفن، يقول خالد:

“الكثير من الناس يستطيعون أخذ صور، لكن هذا لا يجعل الجميع مصورين. فالتصوير، كمهنة أو هواية، يختلف عن التصوير الفني. الفكرة ليست في أخذ صورةٍ وحسب، مهما كان جمال الصورة، إنما الفكرة تكمن في “لماذا” هذه الصورة بالذات، “إلى ماذا” ترمز، وما هو الهدف الذي نريد أن نصل إليه وأي فكرة نريد إيصالها للآخرين، كيف نجعل لما نصوره بصمةً في قلب المشاهد، وكيف نجعله يلامس المشاعر ويحركها. بالنسبة إليّ أدرك ذلك حين أراه في عيون الجمهور الذي يزور معارضي، وفي عيون المارة والأطفال الذين يتجمعون حولي، حين أصنع الفقاعات ويبتسمون بفرح.

لكل فنانٍ طريقته، وطريقه في البحث عن الأمل والجمال، وفي إحداث تغييرٍ ما، في صنع سمو ما، ولو كان عبر عدسةٍ وفقاعة صابون.

 

[av_gallery ids=’109084,109085,109086,109087,109088,109089,109090′ style=’thumbnails’ preview_size=’portfolio’ crop_big_preview_thumbnail=’avia-gallery-big-crop-thumb’ thumb_size=’portfolio’ columns=’5′ imagelink=’lightbox’ lazyload=’avia_lazyload’ custom_class=”]

مقالات ذات صلة

إغلاق