مقالات الرأي

إيقاظ العاطفة السورية

 

أذكر، في الأيام الأولى للثورة السورية، أنني نصحت كوكبة من ثوار اللاذقية، بالتركيز والالتفاف حول شخصية وطنية ديمقراطية، والابتعاد عن رجال الدين، كممثلين للحراك الشعبي، وعند توجيه السؤال لي: حول من تريدنا أن نلتف؟ ذكرتُ لهم اسم أحد المعارضين الوطنيين العلمانيين الذين يعيشون في أوروبا؛ فكان جواب رجل الدين الذي التفّت حوله الجماهير، وصار ممثلًا لها في التنسيقيات والمجالس السياسية لاحقًا: “أتريدني أن أعطي ولايتي لسكّير علماني عربيد!”.

تذكرتُ هذه الذكرى الثورية المدعومة بالشواهد والشهود الأحياء، بعد سبع سنوات من الثورة السورية، عندما قرأ أحد الثوريين الأكاديميين مبادرتي على (فيسبوك)، لترشيح هذا المعارض ليكون ممثلًا لتطلعات السوريين ومفاوضًا باسمهم. وكان جوابه: “نحن نوافق عليه شريطة أن يظهر على الملأ، ويُعلن توبته وندمه عن كتبه التي كتبها قبل الثورة!”.

المقارنة بين جواب رجل الدين الإسلامي في بداية الثورة، وجواب طبيب الأعصاب الإسلامي اليوم، تعطينا دلالة، لا لبس فيها ولا غبش ولا تأويل، عن “بلادة الفهم”، عند شريحة كبيرة من السوريين والثوريين. “بلادة الفهم” هذه كانت العامل الداخلي المساهم في استعصاء المسألة السورية، أي العامل الذي نتحمله نحن -السوريين- أولًا، وندفع ثمنه ثانيًا، قبل الحديث عن الدور الخارجي ثالثًا، والذي كان المدخل الرئيس للعبث بسورية والسوريين. لقد كانت “بلادة فهمنا” المدخل الأساس للعبث بثورتنا وكرامتنا.

عندما تقول بثينة شعبان، في البدايات الناصعة: “إنها ثورة طائفية تستهدف الأقليات”، ثم يكون ردي اختطاف نساء علويات في البدايات، ثم أسمّي إحدى المعارك مع النظام، باسم قاتل طائفي (إبراهيم اليوسف)؛ فأنا “بليد فَهم”، بله أنني سأشك بما ساقته بثينة شعبان من اتهامات.. عندما أُسمّي الجيش الذي يحيط بالعاصمة “جيش الإسلام”، فأنا “بليد فهم”، بله أنني جزء من خطاب الأسد للإعلام الغربي: “البديل هو الأسوأ”.. عندما أكون جنديًا في صفوف دولةٍ تُقاتل لمصالحها، فأنا لا أختلف عن الجندي الأفغاني الذي يُقاتل في صفوف الأسد من أجل المال، سوى بأنني أزيد عليه بـ “بلادة الفهم” وجهل التاريخ وتدمير المستقبل.

هذه “البلادة في الفهم” ليست حكرًا على المعارضين أو الإسلاميين، فمن يستنصر قوى الشر في الأرض ليحمي نفسه من شعبه، هو “بليد فهم” كذلك، و”بليد الفهم” في غفلةٍ عن فهم التاريخ، وتقلبات الأيام والدول ومصاير الأمم، فمهما طال الزمن؛ فلن تدوم طائرات روسيا ولا علوج المهدي المنتظر في سورية، ولن يحمي السوري غير السوري، عربيًا كان أو كرديًا أو علويًا.

“البلادة في الفهم” أمرها هيّن، وسيأتي اليوم الذي تُعلّمنا فيه محنتُنا أنّ نجاتنا مع بعضنا، ومن يسمح لكتلة من مجتمعه بالغرق؛ فهو لاحق بها، كل ما في الأمر أنّ “البلادة في الفهم” ستجعل ميعاد النصر وانبثاق الفجر أبعد.

ما يخيفنا -السوريين- اليوم هو البلادة في الشعور، هذه البلادة -إن استمرّت- ستقتل أحلامنا وتشتت أوطاننا، وعندما يفقد السوري شعوره بسوري مثله، ولا يرى أي رابطة تربطه به، فهذه هي البلادة، وهنا كارثة الكوارث الاجتماعية.

أن يرى السوري في “علويته” دافعًا لقتل السني، فهذه كارثة وطنية وأخلاقية. وأن يرى السوري في “سُنيته” دافعًا لقتل العلوي لأنه (نصيري)، لا لأنه مجرم حربٍ أو طيار متلبس بالجرم أو مقاتل، فهذه كارثة أخلاقية ودينية. وأن يرى السوري في “كرديته” دافعًا لقتل العربي وتهجيره من أرضه، فهذه كارثة مستحدثة ومستقبحة. وأن يرى السوري في سوريته وثورته دافعًا لشن حرب على الكردي، فتلك كارثة مهينة للسوريين.

نعم، إننا قوم جمعنا بين البلادتَين: بلادة الفهم وبلادة الشعور، وما ضحكات المفاوضين السوريين مع محتلي وطنهم وممزقي أشلاء شعبهم إلا جمعٌ بين البلادتين.

يجب أن نستيقظ اليوم ونُغذّي شعورنا الوطني، وننحت هويتنا السورية المفترضة. لم يكن الكردي يشعر بإنسانيته تحت ظل هذا النظام، وبلغت به المكاره أن يكره كل شيء عربي، فهل نُكمل ونُنجز ما عجز عنه النظام؟

في أكراد سورية خصائص ليست في غيرهم من الأكراد، وهم أبناء أرضٍ، كغيرهم من الشعوب التي وفدت إلى سورية وأصبحت سوريةَ الهوى والثقافة، فلا تثبتوا بأفعالكم ما قاله الروس عنّا: إنّهم “شعوب سورية”، وليسوا شعبًا سوريًا واحدًا! هل رأيتم أحدًا رفع سلاحًا بوجه أخيه، ولم يصبح من النادمين؟

لقد استطاع الأسد وأنصاره أن يحرقوا سورية المبنى، فلا تعينوهم بإحراق سورية المعنى، ذلك المعنى الذي يعرفه السوريون، ولا يعرفه الأسد ولا آل الأسد.

مقالات ذات صلة

إغلاق