هموم ثقافية

الرّهطيون

 

ليس الرّهط ما قال عنه القرآن “وكان في المدينة تسعة رهْطٍ”، أو “ولولا رهطك لرجمناك”؛ إذ توحي الدلالة هنا باستبعاد المرأة، على العكس من ذلك، تفطّن فتحي المسكيني إلى هذه المخاتلة اللغوية بالقول “الرّهط جلد، قدر ما بين الركبة والسرّة، تلبسه الحائض، وكانوا في الجاهلية يطوفون عراة والنساء في أرهاط. والرهط أيضًا جلد يُقَدُّ سيورًا عرض السير أربع أصابع أو شبر تلبسه الجارية الصغيرة قبل أن تدرك. وأنّ الترهيط عِظَم اللقم وشدّة الأكل والدهورة. والراهطاء من حِجَرة اليربوع، وهي أوّل حفيرة يحتفرها (…) والرّهطي هو النمط البشريّ الذي يظهر على ركح الأحداث، وليس له من ورقة توت يخفي بها سوأته الحديثة، كي يقبل منه هذا التجديف الروحي على الذوق العام، سوى أنّه مؤقّت، وأن طرده سوف يكلّفنا من الجهد والإزعاج العمومي أكثر من مؤونة السكوت الانتقالي عنه”.

من يكون هذا الرّهطي الذي نقرأ عنه في مقال المسكيني الموسوم بعنوان (الرّهطيون)؟ ومن يكون هذا الرّهطيّ الذي تمّت مَسْرَحتُه في مسرحية الرّهوط للمخرج التونسيّ (عماد الميّ)؟ وما المشترك بين هذا الرّهطي الذي تحدّث عنه الفيلسوف والرّهطي الذي تحدّث عنه المسرحيّ، علمًا أنّ اسم فتحي المسكيني مكتوب على معلّقة العرض المسرحي، بوصفها أحد مداخله وعتباته؟ الرّهطيون هم أولئك الذين ظهروا فجأة بعد سلسلة الثورات، وهم أولئك الذي لا يخجلهم ممارسة الدناءة والبشاعة من إعلاميين وسياسيين ومثقفين وغيرهم، لذلك هم أكثر وضاعة من ذلك الجلد الذي تلبسه الحائض، وها هم الآن ينتقلون من ركح دمار السياسة إلى ركح مسرحيّ.

ولد النصّ المسرحي لعرض الرهوط، من رحم سرديات ونصوص وشذرات فلسفية وقانونية وشعرية، فإذا به يحيل على كتابة (ميتا/ نصّية) يمكننا تنزيلها عند حدود الخطاب الواصف، مثلما ذهب إلى ذلك النّاقد محمّد الغزّي، بما هو خطاب شارح، إذا أردنا معالجته مسرحيًّا، أو البحث عنه في خضم الأجهزة المفهومية للممارسة المسرحية؛ فسيمكننا تنزيله ضمن ما اصطلح عليه الباحث والمفكر الأميركي (أبيلAbel ) في الستينيات من القرن الماضي بـ (الميتا/ مسرح)، ومن ثمّ تبنى هذا المصطلح كل من النقد المسرحي الفرنسي مع (مانفراد شميلنغ) وبدرجة أقلّ (باتريس بافيس) ومن ثمّ  النقد العربي مع حسن اليوسفي في كتابه (المسرح والمرايا). تنتمي هذه الكتابة إلى نوع من تناسج النصوص وتفاعل بعضها مع بعض، لتؤلف في نهاية المطاف عرضًا ميتًا/ مسرحيّا، كنوع لا يرمي لمسرحة المسرح ذاته فقط، وإنّما ينظر إلى الحياة -أيضًا- بوصفها ممسرحة سلفًا، أما إذا أردنا التدليل على ذلك؛ فسيمكننا الاستدلال بما فعلته شخوص العرض، بما هي تمثّل أولئك “الرّهوط”، كعلامة توحي إلى أولئك المثقفين والإعلاميين والشعراء وغيرهم، من الذين صعدوا إلى ركح الحياة السياسية بعد الثورات وقبلها، ليتفانوا في صناعة الخراب. لقد تسلّلت تلك الشخوص بين طوابير جمهور العرض، وكما يمكن اعتبار فضاء اللعب إحالة على الفضاء السياسي والاجتماعي العام، يمكن اعتبار قفز الممثلين إلى الركح، إحالة على قفز أولئك الرهطيون إلى حياتنا، فتحوّل العرض برمّته إلى فضاء سياسي خالص.

الرّهطيون هنا، يمسرحون حياتنا السياسية وتاريخها على حدّ سواء، إنهم تلك الشريحة التي ولدت بعد الثورات، لتكنس الفعل الثوري وتعوّضه بفعل سياسي، وتكنس حلم الجماهير نحو تحقيق العدالة والحرية بالزجّ بها في خانة الأصوليات المعاصرة، فتحوّل مستقبلها إلى نوع من الارتداد والحنين إلى الحاكم الهووي الذي فرّ مخلوعًا، أو هو حتى الآن ينكّل بشعبه. والرّهطيون هم الذين أعادوا تنشيط “جهاز الملّة” الرجعي، ذلك الذي يعادي بناء الدولة المدنية الحديثة، ويرفض الهجرة إلى المستقبل بإعلان مولد الوحش الظلامي! والرّهطيون هم “الماضي الميتافيزيقي” الذي يمتلك طاقة بركانية هائجة على التوهّج في الحاضر السياسي! والرهطيون هم أولئك الذين شرّعوا إلى تلك الحكومات المتعاقبة على أجساد الثورات، وهم -أيضًا- من شرّعوا لكلّ الطغاة، بمعنى تسابقهم إلى الولاء والطاعة، رغم ادعائهم الثورية.

الرّهطيون يمثّلون أولئك الذين بلا ضمير: عجينهم المدنّس، عويلهم الدائم، نباحهم السافر، لؤمهم المرضي، حقدهم الحار، طينتهم المتصدعة، وجوههم الشاحبة، دمائهم الباردة، أقلامهم المأجورة، بعضهم لا تصيبه الثورية إلا ليقصم ظهر هذا مقابل ما يدفعه الآخر، و”ابحث لك وللوطن عن سبيل”، هكذا تعلو صرختهم حين ينتقلون في أدائهم من حالة إلى أخرى، ومن وضع سلطوي إلى وضع عبودي! بعضهم تصيبه الدهشة، فيكون ضبعًا ويهب حبره لرجال الأعمال وأجهزة الموت، ولا تتعجّل طرح السؤال حول سيكولوجيتهم الهشة، فهناك من لا يقدر أن يحيا دون أن يكون له جلّادًا فيتلذذ عميقًا بعبوديته؛ هكذا نكتشف من خلال خطابهم على الركح. بعضهم يئس من العالم، ومن إمكانية حدوث ثورات تعيد للإنسان صفاؤه، فقرّر الذهاب بالخراب إلى أقصاه، ولا تبحث عن الحقيقة فهم الآن مسوخًا وشخوصًا لا شخصيات.

لا يمكن إطلاقًا معرفة أدوارهم في هذا العمل المسرحي، ولا يمكن إطلاقًا معرفة أبعادهم الاجتماعية والسياسية والنفسية، لأنّهم حالة رامزة تُرى ولا تُحَدَّدُ، تَقولُ ولا تُقالُ، تروي سيرة تاريخ سياسي، تنقلب في كلّ مرّة لتجسّد أدوارًا مختلفة ومتباينة: كلّ منها تدلي بموقف غير الموقف التي أدلت به في لحظة أخرى.

من جهة أخرى، ومن حيث الأداء التمثيلي، وعن كيف تمّت مسرحة النص، مثلما ولدت شذرات باللغة العربية الفصحى وأخرى باللهجة العامية، ثمّة -كذلك- تشغيل للجسد المسرحي، من زاوية انسجامه مع لغة (الميم) “الجسد”، ليكوّن حدثًا هزليًّا يتمّ من خلاله تتفيه الحكّام والطغاة، ولقد رأينا في أكثر من مرّة كيف تمّ توظيف هذه الآلية في عرض الرّهوط. إضافة إلى ذلك، تمّ كنس النصّ المسرحيّ، في أكثر من مرّة، كنوع من المقاربة (الآرتويّة)، فكانت ثمّة الهمهمات والأصوات والصراخ، وبعض من تعازيم وتوريات يقولها جسدٌ آمنَ باعتباره القربان الأخير للركح.

لا ينتمي هذا العرض إلى حديقة الفعل الكلاسيكي للممارسة المسرحية، بقدر ما تجد إقامته ضمن التعبيرات الأدائية والأشكال “الفرجوية” المعاصرة، بمعنى إيمانه العميق بتلك الخلخلة المفهومية التي لحقت الفنّ المسرحي، فما عاد فنًّا خالصًا أو نقيًّا، بقدر ما هو الآن فنّ يهدم ذاته باستمرار، ويتعالق مع فنون أخرى، ويدلي بانتمائه في كل مرة إلى أنه ابن المدينة، فيتغيّر بتغيرها، ويتغير بتغير الشروط السوسيو/ ثقافية والسياسية والاجتماعية، وعليه يمكن القول إنه عرض مسرحي معاصر، توفّرت فيه جلّ تقنيات مسرح ما بعد الدراما.

مقالات ذات صلة

إغلاق