تحقيقات وتقارير سياسية

سورية… هوية مضطربة في دول غير كاملة

 

على خلاف ما تحكيه الرواية التاريخية الطاغية، عن الحرب العالمية الأولى، من أنها تكاد تكون حربًا أوروبية، وتحصرها بين محور “ألماني” والحلفاء، وتركز في تأثيراتها على تلك الدول، فإن المنطقة الأكثر تأثرًا بتلك الحرب كانت المنطقة المحكومة من قبل الدولة العثمانية، وخصوصًا المنطقة العربية الآسيوية وتركيا. وقضت تلك الحرب على المحاولة الأولى للمنطقة في بناء نموذج (الدولة-الأمة)، أو الدولة الحديثة حينئذ. كانت سورية جزءًا من ذلك المشروع على اعتبار أنها الجزء الأهم من المناطق العربية، ضمن الإمبراطورية العثمانية لاعتبارات جيوسياسية مرتبطة بملاصقتها للمجال الديموغرافي التركي وللحدود المصرية العثمانية الخاضعة للنفوذ البريطاني الطامع حينذاك في تفكيك الإمبراطورية المريضة.

إن مشروع بناء الدولة ينطلق بالدرجة الأولى من تحديد ملامح تلك الدولة، ومن ثم بناء أو تعزيز هوية خاصة بها في المجتمع الذي تنطلق منه، وضمن إطار قوي وحام لتلك الدولة، ومن خلال تفاعلات الدولة والمجتمع، تتغير بنية السلطة فيها والأنماط السلوكية الاجتماعية في المجتمع، بما يتناسب مع “يوتوبيا” الهوية المرجوة للوصول إلى نموذج الدولة التي يسعى إليها ذلك المجتمع. في سورية جرت عدة مشاريع لبناء الدولة التي لم يكتمل أي منها، وهو ما أنتج تراكمَ هويات مضطرب، في مقابل دولة غير كاملة معرضة للانهيار في كل لحظة.

إن الجريمة الكبرى التي ارتكبها العثمانيون كانت خسارة الحرب؛ حيث غطت على كثير من المشاريع التي سعت من خلالها السلطة العثمانية في آخر أيامها، لبنائها من أجل الانتقال من مرحلة الإمبراطورية “الأمة” إلى مرحلة (الدولة–الأمة)، وتكمن في الرغبة العثمانية مشكلة تتجلى بأن الدولة العثمانية لم يكن لديها إمبراطورية، كما بريطانيا، وإنما كانت هي الإمبراطورية، وبذلك كانت يجب أن تبني (الدولة-الأمة) ليس في نطاق المجال الديموغرافي التركي، وإنما في نطاق السلطة العثمانية، أي المناطق التي تخضع مباشرة لسلطتها، وفعليًا في تركيا ومناطق من أوروبا الشرقية وسورية والعراق، ومنطقة الجزيرة العربية إلى حد ما. كان على الدولة العثمانية أن تتجه نحو الدولة القومية الأوروبية الحديثة، وأن تحافظ في الوقت نفسه على شرعية رعايتها للإسلام.

إن الصعود القومي، إبان الثورة ضد العثمانيين وفي المرحلة اللاحقة بعدها، عرّف ديناميات التفاعل في الفترة الأخيرة من الدولة العثمانية، بـ “نضال قومي عربي ضد تصاعد شوفيني قومي تركي، بدأ بتتريك المناطق الخاضعة له”، وتبدى ذلك الصراع في قمته في إعدام نخب قومية عربية في سورية ما بين عام 1915 وعام 1917، ولم يذكر التاريخ الرسمي أو حتى التاريخ غير الرسمي المتأثر بالنهوض القومي العربي محاولات التحول في السلطنة العثمانية، من خلال تطوير مناهج التعليم ودعم العملية التعليمية والمشاريع الإنمائية التي تركزت بشكل كبير في سورية، منذ مشروع إعمار الجزيرة الثاني في عهد عبد الحميد الثاني، مرورًا ببناء السكك الحديدية وغيرها من المشاريع، ولم يبتعد العثمانيون في مشروعهم عن معالم الحداثة، في القرن التاسع عشر، من بناء الجيوش الجرارة والتجنيد الإجباري، والإحصاء السكاني، وشبكات التواصل والتعليم، والطقوس الجماعية والتعبئة الشعبية، وتوطيد الرغبة في التضحية من أجل الملك أو الله أو روح الأمة. لترسيخ ذلك؛ اهتم العثمانيون بالتعليم، وبنوا في كل قرية مدرسة ابتدائية، وإعدادية في كل بلدة، وثانوية في كل عاصمة ولاية، وكان هناك مدارس مدنية وأخرى عسكرية، وغلب الطابع العلماني في التعليم، وراحت حتى المدارس العسكرية تستقبل السكان من غير المسلمين، إلى جانب ذلك اهتمت بالإحياء التاريخي والآثار والأوابد، ولم يقتصر ذلك على المرتبطة بالعثمانيين، وإنما حضارات تاريخية قديمة مثل تدمر. سعت الإمبراطورية حينئذ لإنتاج تاريخ يتناسب مع العمل على إنتاج هوية جديدة لـ (الدولة-الأمة)، ولأن الفترة كانت فترة حرب ومواجهة ولطبيعة عسكرية للدولة العثمانية؛ فإن تلك الهوية حققت نجاحات واختراقات، في المدرسة العسكرية أكثر من المدنية، وهذه القصة المتناقلة عن انشقاق الضباط العرب عن الجيش العثماني، والتحاقهم بالثورة بشكل كبير، لم تكن سوى رغبات قومية تتناسب ونهوض هذه الأيديولوجية في تلك الفترة؛ حيث إن ضباطًا كبارًا، لديهم تاريخ كبير في النضال السوري ضد المستعمر الفرنسي، ظلوا ضباطًا عثمانيين إلى آخر لحظة، مثل يوسف العظمة وإبراهيم هنانو ورمضان شلاش.

قطعت تلك المحاولة “الثورة العربية الكبرى”، في أثناء الحرب العالمية الأولى، والتي أقرت دستورًا قوميًا عربيًا علمانيًا للدولة العربية المفترضة ومن ثم للمملكة العربية السورية، ولكن الاحتلال الفرنسي قطع تلك المحاولة، وبدأت مرحلة جديدة بداية ببناء هويات مناطقية نتجت عن تجزئة سورية إلى دول عدة حلب ودمشق واللاذقية وجبل العرب، ورغم قصر تلك المرحلة فإنها لاقت مقاومة لإنهائها، وتعدّ المنافسة الاجتماعية حاليًا بين دمشق وحلب إحدى مخلفات تلك المرحلة، وبعد ثورة 1925 السورية؛ بدأت مرحلة جديدة في بناء هوية وطنية ليبرالية، تبدت جليًا في دستور 1928، واستمرت حتى فترة الاستقلال لتحولها مرة أخرى إلى هوية قومية ليبرالية من جرّاء النكبة الفلسطينية، ولم تدم المحاولة طويلًا بعد قطعها بانقلاب عسكري تناغم مع التطلعات الأمريكية للمنطقة.

عانت سورية حالة اضطراب في النظام السياسي يمنع بناء الدولة وتشكل هويتها، وفي تلك المرحلة كانت الطبقة الوسطى، ونتيجة انتشار التعليم في المراحل النهائية من الإمبراطورية العثمانية وفي فترة الاحتلال الفرنسي؛ بدأت الدخول بقوة في ممارسة الشأن العام، ولم يكن الصراع في سورية حينذاك فقط بين العسكر والمدنيين على السلطة، وإنما كان صراعًا ثقافيًا لتحديد الهوية بين الطبقة الوسطى والفئات الريفية والمدينية الدنيا والوسطى، وبين طبقة الملاك التي احتكرت السياسة والأرض، وتوازت تلك الصراعات بتصاعد وتيرة الحرب الباردة، وكانت النخبة القومية العربية ومن ثم الجنرالات متجهة نحو إقامة دول قومية ليبرالية، ولكن بسبب تخلي الرعاة الليبراليين في أوروبا والولايات المتحدة عن تلك النخب لصالح “إسرائيل”، وفقدان الأمل بالتسلح عبرهم لمواجهة “إسرائيل”، كما حصل مثلًا مع جمال عبد الناصر في مصر، وأديب الشيشكلي في سورية، ولحراك قوي للطبقات الوسطى في الخمسينيات تغيرت البوصلة نحو دولة قومية اشتراكية، ولعل تاريخ تشكل حزب البعث وتخليه عن الليبرالية لصالح الاشتراكية رسّخ إرادة أكرم الحوراني، وأبعد رغبة ميشيل عفلق وصلاح البيطار أبناء التجار، وكذلك تخلت الليبرالية عن الحكم للاشتراكية، بتسليم شكري القوتلي السلطة لجمال عبد الناصر، وقطع تلك المرحلة حركة الانفصال التي رغبت في إعادة النظام القومي الليبرالي، ولكن ضمن نطاق وطني مهتز، وعاد البعث هذه المرة، ولكن برغبة شاملة في تغيير ثقافي هائل نحو الاشتراكية الشمولية، تتناسب مع الاتحاد السوفييتي ورغبة العسكر في التفرد بالحكم. جاء حافظ الأسد ليقطع تلك المرحلة مرة أخرى، ويبني هوية اشتراكية قومية خجولة ولكن قومية عربية باستقلالية سورية في الحكم، سورية خاصة به طبعًا؛ فحالف إيران في مواجهة العراق وطرد المقاومة الفلسطينية، وفي الداخل أحدث شرخًا بين الطائفة العلوية وباقي الشعب، وشرخًا آخر بين الأكراد السوريين وغيرهم من السوريين، واستثمر في حالات التنافر، ولم يرسخ لهوية منسجمة مع المجتمع، بالرغم من قدرته على ذلك عبر فترة حكمه الطويلة وشدة قبضته.

لم يكمل المجتمع السوري يومًا بناء هويته، فسرعان ما يتم قطع عملية البناء لصالح جماعات أو أفراد، ومع اضطراب الهوية؛ لا يمكن استكمال بناء الدولة، لضبابية العلاقة بين الدولة ومؤسساتها والمجتمع المنبثقة عنه، ولذلك عند انكشاف الغطاء وزوال السلطة؛ تحوّل اضطراب الهوية وخردة الهويات المتراكمة إلى صراع اجتماعي وحربٍ دافعها ثقافي بالدرجة الأولى، ولا يمكن بناء دولة حديثة دون إنتاج هوية وطنية خاصة بالدولة السورية، لذلك تفشل كل المشاريع الداعية إلى مؤتمرات وتجمعات وطنية، لأنها لا تملك دافعًا طبيعيًا ناجمًا عن شعور بهويةٍ جامعة، لدى كثير من الداعين والمدعوين إلى مؤتمرات كهذي.

……………………………

المراجع

  • القاوقجي، فوزي. مذكرات فوزي القاوقجي. حررته خيرية قاسمية. بيروت. دار القدس. 1975
  • عثمان، نجوى، محمد فؤاد عنتابي. حلب في مئة عام. حلب. معهد التراث العلمي العربي. 1993
  • مجموعة مؤلفين. مئة عام على الحرب العالمية الأولى، مقاربات عربية. بيروت. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2016.
  • باروت، جمال. التكوين التاريخي الحديث للجزيرة السورية. بيروت. المركز العربي للأبحاث والدراسات. 2013.
  • بطاطو حنا، فلاحو سورية، أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأنا وسياساتهم. ترجمة عبد الله فاضل، رائد النقشبندي. بيروت. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2014.
  • ديب، كمال. تاريخ سورية المعاصر من الانتداب الفرنسي إلى صيف 2011. بيروت. دار النهار. الطبعة الثانية. 2012.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق