مقالات الرأي

سوتشي يطرق أبوابنا بقوة

 

رفضٌ واسعٌ للقاء سوتشي، وحملات منتشرة في أمكنة كثيرة لحشد متعدد لرفضه، والشعارات الأكبر لذلك:

1 – رفض المصالحة مع النظام وتثبيت وجوده، والصفح عن جرائمه.

2 – الموقف من روسيا المحتلة لبلادنا، وما تقوم به من عمليات قصف وقتل.

3 – غموض الأهداف، والخوف من تحوّله إلى مسار جديد بديل لجنيف.

ومع ذلك، ترى الحكومة التركية غير ذلك، وبناء على مشاركتها القوية، كطرف رئيس، تُمارس دورًا مُلحًا لإقناع هيئات المعارضة والمجتمع المدني والقوى السياسية، بالمشاركة مرددة مقولة: الحضور أفضل من الغياب، والحضور لا يعني القبول، بل يمكن تسجيل موقف متعدد الوجوه، من التحفظ والاعتراض، إلى الانسحاب، وأن المهم الحضور.

تُكرر تركيا مجموعة من النقاط التي ترى أنها الارتكاز في لقاء سوتشي، وأهمها:

– أن جنيف وصل إلى طريق مسدود، ولا يؤمل أن يفتح بابه للحل السياسي، طالما بقيت تلك العوامل التي أدّت إلى هذا الوضع باقية، وتخصّ بالتركيز غياب الموقف والدور الأميركي الذي لا يبدو أنه سيتبدل في المنظور القريب، وعبره تهميش الدور الأوروبي.

– أن أصدقاءكم لم يقدموا شيئًا ملموسًا لكم، وخارج الشعارات والعبارات الملتبسة، فقد أثبتت سنوات الثورة السورية أنهم غير جادين في نصرتكم وتقديم الدعم اللازم لكم، أو أنهم عاجزون فعلًا عن حلّ الأزمة السورية، وفرض الحل السياسي، أو إنجاز أي خطوة مهمة على طريقه.

– حققت لقاءات أستانا، رغم كل النقد الذي وجّه لها، مجموعة من الخطوات المهمة في خفض التصعيد، ووقف إطلاق النار، وتوفير بعض الأجواء الآمنة وعقد مصالحات محلية، ومنع ضرب إدلب وتدميرها بالكامل، ووضع ملف المعتقلين على جدول العمل.. إلخ، بينما عجزت لقاءات جنيف عن فعل شيء.

على الصعيد التركي، هناك مجموعة من العوامل التي تحرّك الموقف التركي وتدفعه للمشاركة الفعالة في لقاء سوتشي، وممارسة محاولات إقناع قوى المعارضة والثورة بالحضور، وأهمها:

1 – حماية الأمن التركي من أخطار جوارية يمكن أن تمتدّ إليه، ونقصد بها تلك الناجمة عن وجود كردي كثيف على امتداد الحدود الشمالية، عبر حزب وقوات pyd التابعة لحزب pkk المصنف لدى تركيا على أنه تنظيم إرهابي، يُمارس فعلًا إرهابيًا وانفصاليًا، وتاريخية العلاقة بينهما، واحتمالية نقل العدوى إلى داخل تركيا بأشكال مختلفة، وهو المدعوم أميركيًا.

نضيف إلى ذلك قرار الولايات المتحدة تشكيل قوة عسكرية من 30 ألف مقاتل، مُشكّلة من “قوات سورية الديمقراطية”؛ لوضعها كحرس حدود في المنطقة الشمالية والشرقية، التابعة عمليًا لـ pyd، ووجود أعداد كبيرة في قياداته من حزب pkk من تركيا والعراق وإيران، ومن دول مختلفة.

2 – تخشى تركيا من تكرار التجربة العراقية بصناعة دستور في جنيف يكرّس الفيدرالية، ويخلق بيئة تصارعية يمكن أن تساعد على الانفصال، أو إقامة كيان كردي مستقل في سورية قد ينقل عدواه لداخلها، لذلك ترى أن صياغة دستور، أو تحديد نظام الدولة السورية القادم، يمكن التحكم به في سوتشي خلاف جنيف، كأن يجري التوافق، مثلًا، على أن يكون رئاسيًا وليس برلمانيًا، وبلامركزية إدارية، يمكن الحفاظ عبرها على وحدة الدولة والتشريع والقوانين السيادية.

3 – تشعر تركيا بأنها أصيبت بخيبة أمل من حلفائها التقليديين، وهي شريكتهم الرئيسة في حلف (ناتو)، بخاصة في العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية، والدول الأوروبية الرئيسة، حيث إن أميركا أجهضت على مدار السنوات مختلف الأطروحات التركية حول المسألة السورية، كإيجاد منطقة آمنة، أو منطقة حظر جوي، أو السماح بالتدخل البري، أو تقديم دعم نوعي للمعارضة والجيش الحر، حين كان يسيطر على نحو 70 بالمئة من الأرض السورية، وتوتر هذه العلاقة أكثر بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة لتنظيم “فتح الله غولن”، ورفض أميركا تسليمه، واستمرار التوتر بعد مجيء الرئيس ترامب، ووضوح الخلاف في عدد من القضايا الاستراتيجية، وفي مقدمها الوضع السوري وتعقيداته.

4 – ترى تركيا أنها لا تملك وجودًا فعليًا، أو تأثيرًا كبيرًا في تركيبة جنيف والقوى المؤثرة في مساراته، حتى في مؤتمر الرياض وتطوراته، وأن وجودها في سوتشي، وقبله في أستانا كطرف رئيس ضمن الترويكا الثلاثية، حيوي يجب الحفاظ عليه، وتحقيق الأهداف التركية الاستراتيجية والراهنة، خصوصًا أن تلك العوامل التي أشرنا إليها في العلاقة مع الغرب دفعت القيادة التركية إلى القيام بانعطافة كبيرة بالتوجه إلى روسيا وعقد تحالفات متطورة معها، تتناغم في عدد من القضايا والتفاهمات الخاصة بسورية، والبلقان أيضًا.

5 – تحتضن تركيا أكبر نسبة من اللاجئين، تتجاوز ثلاثة ملايين منتشرين، في عموم المدن التركية، وقد قدّمت الكثير لهؤلاء، وفي أراضيها أبرز ممثل للمعارضة: “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة”، والعديد من الأحزاب والقوى السياسية وهيئات المجتمع المدني، بما يمنحها دورًا متميزًا مع هذا الوجود، ومحاولة دفعه ليكون إلى جانبها في مساعيها وتحالفاتها.

6 – تُكرر القيادة التركية أنها ملتزمة، أكثر من جميع الجهات الأخرى المحسوبة على أنها أصدقاء الشعب السوري، بأهداف الثورة السورية وتحقيقها، وخاصة برحيل بشار الأسد وكبار رموز نظامه، وبتبني أطروحات المعارضة في تجريمه، وتحويله إلى محكمة الجنايات الدولية كمجرم حرب، والدفاع عن المعارضة ومطالبها، وترى أن سوتشي قد تُحقق بعض النتائج الإيجابية، ويمكن أن تفتح طريق جنيف المغلق حتى الآن.

لكن بالمقابل، أغلبية الشعب السوري وهيئات تمثيله، وخصوصًا الائتلاف، يُعارضون لقاء سوتشي للأسباب المذكورة، ويرون أنه يحمل في صلبه محاولة إنهاء الثورة، وتحويلها إلى مجرد خلاف مع نظام يُراد الإبقاء عليه، وأنها تنسف عمليًا المرحلة الانتقالية، بإصرارها على بحث أمرين متلازمين: الدستور والانتخابات، بما يعني نهاية المرحلة الانتقالية التي لا يعود هناك أي مبرر لها، والدخول في عملية انتخابية معروفة النتائج مسبقًا.

لا شكّ أن المعارضة في وضع صعب في مختلف الجبهات؛ فهي التي فقدت قرارها الوطني، ولم تنجح في بناء علاقات بينية متوازنة، تستند إلى المصالح المشتركة وتقاطعها، وإلى احترام مواقف وخلفيات ومشروع كل طرف، بما لا يمسّ الاستقلالية، ولا يحوّل مؤسسات الثورة إلى مجرد تابع، أو ملحق بهذه الدولة أو تلك.

لذلك، ستكون الأيام القادمة شديدة، وامتحانًا صعبًا للائتلاف بوجه الخصوص، مع المحاذير التي يمكن أن تنجم عن قرار الرفض أو الموافقة على حضور سوتشي، أو فتح الباب لمن يريد من أعضائه المشاركة، وتأثير ذلك على وحدته الداخلية، ووحدة القرار فيه.

مقالات ذات صلة

إغلاق