مقالات الرأي

التناقضات الدولية وغياب الاستراتيجية السورية

 

انتقلت التناقضات الدولية والإقليمية إلى أطراف الصراع في سورية: النظام يمثّل أطرافًا، والمعارضة تمثل أخرى. ولم يعد النظام يمثل مصالح كتلته السكانية، ولا المعارضة تمثل الثورة أو الأطراف المعادية للنظام. هناك مسافة زمنية بين الثورة 2011 و2018، وفيها تمّ القتل والاعتقال والتهجير والتدمير لملايين المعارضين، وتصفية الوطنية الثورية. وقد ظهرت من جراء ما تقدم وقائع جديدة؛ فهناك النظام المحكوم إيرانيًا وروسيًا من ناحية، ومن ناحية أخرى الفصائل التابعة للدول الإقليمية أو العالمية. الجهادية بنسختيها: السنية والشيعية المتقاتلتين، ساهمت في التحكم الخارجي بسورية، وبإفلاس النظام وحليفه الإيراني؛ تقدّمت روسيا، والأمر عينه، حينما أفلست الفصائل بسبب (داعش) و(النصرة)، فتقدَّمت أميركا بحلفها الدولي وبقوات (ب ي د). وها نحن الآن أمام واقع يقول إنّ الوكلاء أنفسَهم لم يعد دورهم عظيمًا، فروسيا وإيران في الميدان، وكذلك أميركا وتركيا ودول أخرى، وبالتالي؛ أصبح الوضع السوري محكومًا باحتلالات مباشرة.

مثالنا عمّا أشرنا إليه، هو تحرك (ب ي د) إلى الرقة بأوامر أميركية، والنظام إلى دير الزور بأوامر روسية وإيرانية، والأمر عينه كان في تحرك النظام نحو إدلب، وقبلها انسحاب الفصائل منها ومن ريف حماة، وهناك الفصائل المنضوية في الحملة التركية نحو عفرين. هذا الإنهاك للسوريين يعني أن مستقبل سورية أصبح خارج أيدي أبنائها بشكل كامل. أي وفقًا للحاضر سيصاغ المستقبل، وحال سورية الآن أنها أصبحت دولة تتجه نحو شرعنة الاحتلالات الخارجية، وهو ما يُلاحَظ من خلال الاتفاقات الموقعة مع روسيا، ومن خلال بناء قواعد عسكرية أميركية قوية في شمال وشرق سورية، والتي ستُشرعن في المستقبل بالضرورة. إيران ذاتُها تتواجد عسكريًا واقتصاديًا، وفق صفقات مع نظام الحكم الحالي، وإضافة إلى ذلك فالدول الضامنة لتطبيق مناطق خفض التوتر الفاشلة، تتحكم بالشأن السوري، وتفرض اتفاقاتها على النظام وأطراف المعارضة.

في هذا الوضع، ظهرت ثلاثة تطورات كبرى، تتمثل في هجوم النظام نحو إدلب، ووضع هيئة تحرير الشام على طاولة الاجتثاث، وهو ما قاله بوتين منذ أكثر من شهر؛ والعملية العسكرية على عفرين لطرد (ب ي د) منها، وإعلان أميركا مجموعة قرارات قد تكون سياسة جديدة في سورية، وتتمثل في جيش للحدود بعدد 30 ألف جندي؛ ومحاصرة إيران وإخراجها من سورية، ومتابعة العمليات العسكرية ضد بقايا (داعش)، ورحيل رأس النظام الحالي في أي انتقال سياسي. هذه العناصر الثلاثة تقارب بين الدول الثلاثة المشار إليها، وسيكون المتضرر منها إيران والنظام وأطراف المعارضة كذلك، فكما قلت، الوضع أصبح ممسوكًا دوليًا، وبعد ذلك إقليميًا.

الآن، لدينا مؤتمر سوتشي في نهاية الشهر الحالي، ومؤتمر جنيف المنقول إلى فيينا. القضية الأساسية فيهما مناقشة الدستور، أي ما يريده الروس بالتحديد، ضمن إطار التجديد للنظام الحالي، وإجراء بعض الإصلاحات الدستورية والإدارية، وإلحاق أطرافٍ من “المعارضة الانتهازية” فيه. تطوّرات الوضع الميداني تقول بتضرّر كل من أميركا وتركيا من “المشروع الروسي”، ووجود تركيا كداعية للقاء سوتشي لا يُغيّر في الأمر شيئًا، وهي موجودة هناك لأسباب ترتبط بخلافات كبيرة مع السياسة الأميركية، ومن أجل ضمان مصالحها مع روسيا. إذن؛ يُخطئ الروس باتباعهم السياسة القديمة ذاتها، أي السير في إطار التجديد للنظام، وهم ينتقلون من فشل إلى فشل؛ فهم جاؤوا أولًا لثلاثة أشهر، ثم ستة أشهر، والآن تجاوزوا العامين وأكثر، ونصف البلاد ليست تحت سيطرتهم. الروس مشكلتهم الحقيقية هي في رفض الأميركيين لأيّ رؤى للحل في سورية، وكذلك “رجعيتهم” الكامنة في رؤيتهم ذاتها؛ فليس من الممكن للأميركيين أو لأوروبا القبول بالنظام ذاته، ولا بد من تغييرات كبرى فيه، ليثقوا به، وبإمكانية أن يتدخلوا لصالح إعادة الإعمار. الأمر عينه يخص السعودية وقطر وتركيا أيضًا. القراءة الروسية تنطلق من اعتبارات “الشرعية” الدولية، ورفض منطق الثورات والتغيير، وكذلك من موقع الضعيف دوليًا، فهناك عقوبات دولية عليها من أميركا وأوروبا. روسيا رافضة لكل هذا الواقع الدولي، ولهذا فهي تتدخل، باسم تلك الشرعية، في سورية. غياب موقف أميركا بما يخص الحل في سورية، بل تسليم أميركا لروسيا بالسيطرة على سورية، ولا سيما بعد تسليم الكيمياوي، لم يحقق لها سيطرة كاملة؛ فهناك إيران، وقوى الفصائل المقاتلة، والسعودية وقطر وتركيا، وبالتالي جرت حروب كثيرة وتوافقات كبيرة، حتى وصلت إلى مناطق “خفض التوتر” الفاشلة عبر أستانا، والآن، بسبب غياب المُحدّد الأميركي للحل في سورية، اقترحت سوتشي. الأخير نص عليه آخر اجتماع في أستانا، والأمم المتحدة رافضة له، ويمكن أن تسمح بعقده مرة واحدة، وأميركا لا تهتم به، وهناك رفض سوري واسع له، حتى في حال حضوره، فإن مسودة البيان المسربة لما بعد “سوتشي” لا تقدم شيئًا يذكر.

هناك تحركات دولية: السياسة الأميركية، وهناك تحريك ملف الكيمياوي من جديد، والإصرار على جنيف مجددًا، وتشكيل المجموعة الدولية الإقليمية الخماسية في واشنطن مؤخرًا؛ وبالتالي يعد سوتشي أو أستانا أو جولات جنيف السابقة، عبارة عن لقاءات لتمضية الوقت، إلى حين الوصول إلى توافقات بين الدولتين العظميين.

ما أوضحناه يؤكد أن الأطراف السورية لها دور وظيفي تابع للدول التي تتحكم بالوضع السوري برمته، سياسة ومعارك وصحة وإغاثة ودمار وسواها. وفي هذا الوضع؛ يصبح تشدّد النظام في المفاوضات مفهومًا، فالروس يريدون ذلك وكذلك إيران، ويصبح دور المعارضة هو الإشكالي، فهي تتعرض لضغوط كبرى من أميركا تركيا والسعودية وقطر وأوروبا. هي تتحرّك وأقدامها على الألغام، ويضاف إلى كل ذلك غياب رؤية استراتيجية تحكم مواقفها السياسية، وتتغير مواقفها تبعًا لحجم تلك الضغوط عليها. الإشكال هنا بالضبط، وقد لاحظنا ذلك عبر تغيير هيئة التفاوض العليا، وشطب السابقة من دون أي اعتبار قانوني، وكذلك توظيف فصائل عسكرية في معركة تركية ضد (ب ي د) في عفرين، والأمر عينه بما يخص (ب ي د) في الرقة من قبل ولصالح أميركا. وبالتالي هناك حالة انهيار كاملة. وغياب أي استراتيجية للمعارضة، تتعلق برفض كل مؤتمر أو لقاء، لا ينطلق من القرارات الدولية التي تقر بالانتقال السياسي، عبر هيئة حكم جديدة لها كامل الصلاحيات. وبالتالي التغيرات التي أشرت إليها، حتى بغيابها، توجِبُ على المعارضة رفضَ أي قرارات أو اجتماعات لا تبدأ مما ذكرت أعلاه. سوتشي سيفشل، وأستانا فشل من قبل، بسبب خرق النظام لمناطق التوتر بشكل كامل، وأيضًا جنيف، لأنه ابتعد عن مبادئ (جنيف 1).

مقالات ذات صلة

إغلاق