كلمة جيرون

ما زالت الأغاني ممكنة

 

إذًا، تجاوبَت الهيئة العليا للتفاوض مع رغبة الغالبية الساحقة من المعارضين للنظام السوري؛ وقررت عدم حضور مؤتمر سوتشي الذي تنوي روسيا عقده في منتجعها السياحي، وأرضى هذا الموقف الشارعَ السوري المعارض، نخبًا وبسطاء، هيئات ومؤسسات وجماعات؛ ذلك أنه يتجاوب مع رفضهم لهذا المؤتمر الإشكالي المريب، ويخفف من المخاطر التي يريد الروس تمريرها عبره.

بغض النظر عن الأسباب التي دفعت الوفد التفاوضي إلى اتخاذ قرار مقاطعة هذا المؤتمر، وقد يكون من بينها نصائح دولية، أو ضغوط، أو موقف وطني؛ فإن من المؤكد أنّ ضغط الشارع السوري، بمؤسساته الأهلية والمدنية وتياراته الاجتماعية والفكرية، كان له دور كبير في “ردع” هؤلاء عن اتخاذ قرارٍ يُخالف رغبة السوريين المتطلعين للخلاص من جور نظام الأفران البشرية، والوصول إلى دولة الحرية والمواطنة.

ليس الهدف تشريح أسباب رفض الهيئة العليا للتفاوض، ولا التنقيب في نوع النصائح التي تلقوها، ولا مِن أين، ولا كشف حجم الضغوط التي تعرضوا لها، ولا معرفة أكان هناك صفقات أم لا، وليس الهدف الحكم على مستوى أداء أعضائها، وقياس مدى التصاقهم بمطالب السوريين، ولا سبر عمق وطنيتهم، بل الهدف لفت النظر إلى أهمية الرأي العام، وقوة المجتمع الأهلي والنخب الاجتماعية والفكرية والإعلامية والثورية، ومدى قدرتها على التأثير، على الرغم من علوّ قعقعة السلاح وانتهازية الأطراف الدولية وهمجية النظام.

حملات كثيفة ومتزامنة قام بها السوريون ضد هذا المؤتمر الأضحوكة، أفراد وهيئات وجماعات ووسائل إعلام وقوى مجتمع مدني أهلي، وإدارات محلية وناشطون من كل نوع، عبّروا عن موقفهم الرافض للمؤتمر، واستخدموا كل ما أتيحَ لهم من وسائل وأدوات، ونجحوا في إيصال صوتِهم، ليصمّ الآذانَ عما سواه، صوت يُخجِل من يعارضه، ويضعه في موقفٍ لا يُحسد عليه، ويُهمشه ويعزله ويفضح عبثه، ويرميه في الغالب خارج دائرة التأثير الشعبي، راهنًا ومستقبلًا.

إن أهوال الحرب وويلاتها لم تستطع أن تنسيَ السوريين أن صوتهم ما زال مؤثرًا، وأن إرادتهم لا بدّ أن تؤخذ بالحسبان، وأن الجموع الوطنية ستبقى قادرة على بلوغ غايتها، وإنْ حاول كثيرون تهميشها، أو إبعادها بقوة السلاح، وإنْ شُرّدت وتقطّعت بها السبل. ولن يستطيع أحد، أيًا كان، أن ينفي وجودها ويتجاوزها كليًا.

كل ما يجري في سورية لا يصبّ في مصلحة القضية الوطنية السورية، وأصحاب المصالح أكثر عددًا وعدّة وقدرة، من أصحاب الهمّ العام. والهيئات المعارضة تتنازعها الأهواء والمصالح، لكنها لا تستطيع تجاوز قوى الثورة والمعارضة والجماهير التي تمنحها الشرعية.

تفتقر المعارضة السورية، بكل تياراتها وأنواعها، إلى مرجعيات أهلية مدنية فكرية اجتماعية عقلانية شاملة مؤثرة، تُحفّز البشر وتُنبّههم من المخاطر، وتُنير لهم الطريق، وتوجههم وترشدهم نحو الحلول الأفضل، والممكن واللاممكن، والمطلوب والمستبعَد، والصحيح والمُخالف، وتميّز لهم الجريمة عن الإثم عن العثرة، وتمدهم بسُبل الصمود والنجاة والنجاح.

ما زال المجتمع الأهلي قادرًا على التأثير والتغيير، وسيبقى، وما زال لدى الجموع السورية الحاملة للهمّ العام ما تُقدّمه، وما زالت النخب الوطنية قادرة -إنْ حملت همّ الجماهير والوطن- على تركيع السياسي الذي يحيد عن الجادة، والإطاحة به، نظامًا كان أم معارضة، وما زال الأمل معقودًا عليها، وما زالت الأغاني ممكنة معها.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق