تحقيقات وتقارير سياسية

قلب القيم والمفاهيم: التعامل مع الخارج

 

عبر التاريخ، وحتى الأمس القريب، كانت أوصاف الخيانة تُطلق على من يتعامل مع الخارج، وكانت مفردات كـ (التعامل، التعاون، العمالة، التجسس..) تثير القشعريرة، وغالبًا ما كانت عقوبتها الإعدام أو المؤبد، فضلًا عن موقعها في المنظور الاجتماعي والقيم السائدة، والتي تعد من العظائم التي لا يدانيها إثم.. ويستذكر التاريخ قصة (أبي رغال) وغيره، بينما يمتلئ بعشرات آلاف الأمثلة عن متعاونين مع الأجنبي عمومًا، والعدو بوجه الخصوص.

على الرغم من محاولات التفريق بين التحالفات مع الخارج وبين العمالة له وتنفيذ طلباته، بشكل جمعي أو فردي؛ فإن المجتمع -بقيمه وأخلاقه السائدة- كان قاسيًا في توصيفه وأحكامه، وبما أحاط معظم علاقات التبعية والعمالة بالكتمان والسرية، بينما تشقلبت الدنيا والمفاهيم، وأصبح التسابق على علاقات مع الخارج، بكل الألوان، شطارة واستنادًا ومبعث قوة ومحط نفوذ ووسيلة لمواقع.

خلاف كبير ما زال مستمرًا حول “الثورة العربية الكبرى”: أكانت في أساسها ودوافعها صناعة بريطانية أم جزءًا من “مؤامرة كونية” على الخلافة، أو السلطنة العثمانية، لتمزيق بلاد المسلمين والعرب؟ أم أن باعثها الأساس داخلي، ينطلق من واقع الظلم والتهميش الذي مورس على العرب، وسحق هويتهم القومية، وحقوقهم الطبيعية، بخاصة بعد وصول “الاتحاد والترقي” إلى الحكم، وممارسته عملية التتريك بالقوة، ونكوصه عن كل الوعود التي قطعها للجمعيات العربية بنوع من الاستقلال الذاتي وتلبية عديد الحقوق المشروعة، وسط تنامي النزوع القومي المتأثر بالثورات البرجوازية الغربية، وتصاعد المدّ النهضوي؟

أكثر من ذلك هل كان “الشريف حسين” -قائد تلك الثورة- متواطئًا مع الإنكليز، أو عميلًا لهم، عبر ما يعرف بـ “اتفاقات الحسين-مكماهون”، وتمرير اتفاقية (سايكس-بيكو)، أو على الأقل الوقوف ضدها عندما عرف بها؟ أم أن الأمر غير ذلك ضمن حيز ما يعرف بالتحالفات، واطمئنان الشريف للوعود الإنكليزية، بقيام “المملكة العربية على كامل بلاد الشام ونجد والحجاز والعراق”، مقابل إعلان الثورة على العثمانيين؟

في حين تدلّ الوقائع على أن الرجل كان صادقًا في نيّاته، متمسكًا بمواقفه القومية والوطنية والدينية، التي دفع ثمنها غاليًا؟ وأن الثقل الرئيس لتلك الثورة كان يمثل خلاصة القوميين العرب الذين نافحوا طويلًا لتوحيد العرب، وإحياء بواعث دورهم التاريخي، عبر عمليات التحديث، وتطوير اللغة، وبثّ روح الإيمان والثقة. لكن الأمور بنتائجها، وقد كانت وخيمةً بتطبيق اتفاقات (سايكس-بيكو)، واغتصاب فلسطين، وتكريس التجزئة القومية.

كتبت مرارًا عن أمةٍ لا تملك مشروعًا خاصًا بها، والفرق بينها وبين أمة لها مشروعها ومبادراتها، ووسائلها لتنفيذه بكل العلنية والسرّية، ووقوع الأولى في هوّة ردّة الفعل الذي غالبًا ما يقود إلى مواقف سلبية، أو عشوائية، أو تخبطية، أو تبعية.

الفرق كبير بين أمةٍ تعرف ما تريد، وتتصرف بوحي استراتيجي، وبين أمة منفعلة، والأمر يتجسّد بقوة في ما يعرف بالتحالفات التي تختلف طبيعتها وفق أطرافها. فتحالفات الضعيف مع القوي غالبًا ما تؤدي إلى التبعية، وعلى حسابه، وقد يكون الثمن كبيرًا، كما حصل للثورة العربية، وكثير التحالفات مع الغرب، والرهانات عليه، وحين يغيب المشروع تمامًا، كما هو حال النظام العربي؛ تصبح الأبواب مشرعة لعلاقات غير متوازنة، ولأشكال من التبعية متعددة الأوصاف.

هناك بديهيات تتردد كثيرًا في واقعنا الحالي عن لغة المصالح الخاصة والمشتركة، وعن الواقعية التي تدعونا إلى وعي وتفهم تلك المصالح والتعامل الإيجابي معها، وحين نكون في مرحلة التعامل؛ تصبح تلك المصالح هي الطاغية، من طرف واحد وعلى حسابنا، والحساب هنا قد يكون سيادة الدول، وجغرافيتها، ومستقبلها، ومصيرها. وتتحول أطراف كثيرة إلى توابع بالجملة، وعملاء بالمفرق، عند الأغلبية.

مع قيام الثورات العربية، وضغط الحاجة إلى دعم ومساندة، بل تدخل “المجتمع الدولي”؛ سقطت جميع الحدود السابقة التي تحمي قِيمَ الوطنية، وسيادة الأوطان، وقرارها المستقل، واندمجت، وتشابكت العلاقات لدرجة يصعب تبيان خيوطها، وأين تكمن المصلحة الوطنية، وحدود ما يعرف بالمصالح الخاصة لهذا الطرف أو ذاك، ودور الأجهزة الأمنية الخارجية، في اختراق دفاعات الشعوب وحصونها السابقة، والتغلغل في النخاع الشوكي بدواعي المساعدة، والتدريب، ومنظمات المجتمع المدني، أو التسليح وغرف العمليات، وسط طمي مخيف بات عامًا، ومشرعنًا، وشائعًا.

اللوحة السورية صارخة، حيث أدّى تعقيد الوضع السوري، بدءًا من إصرار نظام الجريمة والفئوية على مواجهة المطالب المشروعة للشعب بالحل الأمني العنفي، وصولًا إلى العَسكرة دفاعًا عن النفس فطغيانًا، إلى فتح أبواب الرهان على دعم الخارج؛ فتدفقت شتى أنواع التدخلات، بترحاب خجول أو علني من قبل الهيئات المعارضة، ثم بدأ هذا التفريخ لما يعرف بـ “منظمات المجتمع المدني” وعناوين التأهيل والتدريب والإغاثة والمساعدات، ناهيكم عن موقع التسليح ومستلزماته، وصولًا إلى الإمساك برقاب القرار المستقل لتلك التكوينات، والعمل على تطويعها سياسيًا.

حين تاه القرار الوطني في شعاب المألوف، ثم غاب؛ لم يعد أمام الكثيرين سوى الرهان على الخارج، وبروز ما يعرف بالواقعية المنبثقة من هشيم القوى الذاتية، ولصالح الخارجي، حتى لو لطمَنا ذلك الخارجي بمواقف صادمة، وخيّب أدنى الآمال التي عُقدت عليه، حاذفين، أو متغاضين عن وعينا وتجاربنا، في معرفة مشاريع الآخر، وحقيقة نيّاته ومصالحه ومواقفه.

لكن مع الانسداد الحاصل في الوضع السوري، وتكشّف جوهر مواقف “الحلفاء”، ومدى قدراتهم على الضغط والاتحاد؛ تخبو أوهام الرهان على الخارج، وتدفع الوطنيين -ولو كانوا قلة ومبعثرين- إلى المراجعة الجدّية للمواقف والتحالفات، والتفكير الجدّي ببناء العامل الذاتي، انطلاقًا من خصائص الوطنية السورية العريقة، واستنادًا إلى الشعب وفعالياته وقواه، ووضع التحالفات، أو العلاقات مع الأشقاء والأصدقاء في موقعها الحقيقي، على قاعدة المصالح المشتركة وليس الأحادية، وليس على حساب القضايا السيادية والأساسية لبلادنا.

إن فشل الحل السياسي، الذي يلبي الحدود الدنيا لمطالب الشعب السوري، سيفرز المعارضة بين من يقبل بما يقدّم، ومن سيستمر في تلك الرهانات والعلاقات، ولو لم يقبض سوى منافع شخصية، وبين الخط الوطني الديمقراطي الذي يجب عليه تحمل مسؤولية بناء البديل، ولو استغرق الأمر بعض الوقت، وكثير التضحيات، ومواجهة أصناف من الضغوط المختلفة، والتأكيد على أن الثورة لن تنتهي، وأن الصراع مستمر، حتى يستقيم العدل، وتتحقق الأهداف.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق