تحقيقات وتقارير سياسية

الكارثة السورية بين سوتشي وإعادة الإعمار

 

لا يبدو أن هنالك أحدًا جادًا في إيجاد نهايةٍ للنفق المظلم الذي تمر به سورية منذ سبع عجاف داميات، بل أصبح المشهد أكثر تعقيدًا مع التحرك التركي شمال البلاد، ومع صحوة أو شبه صحوة أميركية ترافقت مع اجتماع ضمّ، إلى جانب الولايات المتحدة، كلًّا من السعودية والأردن وفرنسا وبريطانيا، نجم عنه مبادرة جديدة سُمّيت بـ “اللا ورقة” أو الورقة غير الرسمية، تضع خطوطًا عريضة لتصور الحل في سورية، وأتت هذه المبادرة قبيل انعقاد مؤتمر سوتشي المزمع عقده بعد أيام، وقد استنفرت من أجله كل من وزارتي الدفاع والخارجية الروسية وأسطول من طائرات النقل، بعد أن ظنت موسكو أنها قادرة على الحل بمفردها.

لكن، قبل أن تعلن الهيئة العليا للتفاوض قرارها بعدم المشاركة، بدا مشروع سوتشي وكأنه يتهاوى، بسبب خلافات بين روسيا والنظام السوري الذي قرر تخفيض مستوى تمثيله في سوتشي، وتلاه تخفيض روسيا لمستوى تمثيلها، فبوتين لن يحضر، كما أن الخارجية الروسية، على نحو مفاجئ، خفضت سقف طموحه، وأعلنت أن المؤتمر مهم، ولكنه لن يجلب الحل السياسي لسورية، وفي وثيقة غير رسمية تم تسريبها، نلاحظ أن التركيز الروسي ينصبّ على نقطة مفادها أن مصير بشار الأسد تقرره صناديق الاقتراع، لا جولات المفاوضات، أما باقي نقاط الوثيقة، فهي ليست محل خلاف، مثل التأكيد على وحدة الأراضي السورية واسم الدولة ولغتها وإلى ما هنالك من بنود يقبلها النظام والمعارضة كلاهما، بما يعني أن روسيا ما زالت تقف خلف بقاء الأسد وحقه في الترشح عام 2021، أو قبل ذلك في حال تم إقرار انتخابات مبكرة، وهناك مخاوف جدّية لدى صفوف المعارضة من تفسير موسكو لعبارة (حكم غير طائفي) وفرض محاصصة طائفية للمناصب الثلاثة الكبيرة: رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان، على غرار لبنان.

خلاف روسيا مع النظام مردّه الضغوط الإيرانية الهائلة على النظام السوري، من أجل الحصول على بعض عقود إعادة الإعمار، بعد أن استحوذت موسكو على معظمها، في الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية السوري إلى موسكو، حيث تزعم موسكو أن خسائرها في سورية تُقدّر بنحو 2.4 مليار دولار، ويشير مراقبون إلى أن الرقم أكبر من ذلك، وبدأت عمليًا بنقل ما يقارب أربعة آلاف طن من مواد البناء من روسيا، إضافةً إلى المعدات الثقيلة اللازمة لإعادة تأهيل البنية التحتية، كي تُعوّض خسائرها في سورية، علمًا أن موسكو تولي اهتمامًا خاصًا لقطاع النفط والغاز في سورية، وتخطط لوضع يدها بالكامل على هذا القطاع، من أجل استرداد ما أنفقته في الحرب في سورية.

الضغوط الإيرانية على النظام السوري أخذت أشكالًا عديدة، وكان آخرها أن فتحت بعض المواقع الإيرانية الإخبارية والسياسية المقربة من السلطات الحاكمة في طهران نيرانَها على الأسد، ليس نقدًا أو عتبًا، وإنما “ردحًا” وإهانةً لشخص الرئيس السوري بشكل مباشر، حيث وصفه أحد المواقع بـ “الخنيث” و”ناكر الجميل”، وأنه “بلا مبدأ”، ووصل الحال ببعض الكتّاب في إيران، إلى دعوة الحكومة الإيرانية إلى عدم التساهل إزاء استحواذ موسكو على أهم وأغلب عقود الإعمار، وأنه يجب الحصول على حصة إيران من “الكعكة السورية”، ولو بالقوة، حسبما كتب أحد الصحافيين الإيرانيين، لكن روسيا ليست العقبة الوحيدة في وجه إيران، ووجودها في سورية ومشاركتها في إعادة الإعمار، حيث هناك (الفيتو) الإسرائيلي أولًا والأميركي ثانيًا، فأميركا بدأت على الأرض بعض الإجراءات بشكل فعلي، لمنع دخول المزيد من الميليشيات الإيرانية أو الأسلحة إلى سورية قادمةً من العراق، من خلال نشر بعض القوات ونقاط المراقبة على طول الحدود السورية العراقية.

كل هذه التقاطعات، سواء أكانت على الأرض أم في المصالح الاقتصادية والجيوسياسية، تشي بتسعير جديد للحرب على الشعب السوري الذي لا تهتم لمصالحه أيٌّ من الدول المتناحرة على الأرض السورية، حتى اللحظة، بانتظار تبلور مبادرة الخمسة الجديدة، ومدى التوافق إقليميًا ودوليًا عليها.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق