مقالات الرأي

لعنةُ الزعيم الإله

كانت الممرضة لا تنام بما يكفي، خلال فترة حرب تشرين “التحريرية!” (في 6 تشرين الأول/ أكتوبر عام 1973 وما تلاها من شهور سُمّيت حرب الاستنزاف!)، تلك الممرضة المخلصة كانت تسهر على تخفيف آلام الجرحى العائدين من الجبهة السورية مع “إسرائيل”، وقد قالت على شاشة التلفزيون: “بالرغم من الآلام المبرحة التي كان يكابدها الجنود، وبالرغم من عملي المضني على مدار الساعة للتخفيف عنهم، كان قلبي مع السيد الرئيس حافظ الأسد، كنت أدعو له: اللهم كن معه، وأتساءل ماذا يفعل الآن؟ وهل هو حزين؟ هل ينام؟ تمنيت أن أكون إلى جانبه لأخفف عنه، يا إلهي كم هو متعب قائدنا العظيم!”.

صفة العظمة تلك كانت واحدة من عشرات الصفات التي كانت تتقدم اسم الرئيس: الأب القائد، القائد الملهم، الخالد، البطل، المناضل.. حتى إن الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري اعتبره خير من ولدته الأمة العربية: “سلامًا أيها الأسدُ/ سلمت ويسلمُ البلدُ/ وتسلمُ أمَّةٌ فخَرت/ بأنك خيرُ من تلدُ”. أما الشاعر حمد كامل الصالح، فقد قرّبه من الإله: “من أنتَ؟ البلادُ الشعبُ لا أحدا/ إلا ولبَّيكَ تدعونا فنأتمرُ”، والشاعر نجم الدين الصالح جعل منه قوة خارقة منعت عن العرب الفناء: “حافظًا للبقايا من أصالتنا/ لولا فعلت لكان العرب ما وُجدوا”.

الحال نفسها عاشتها العراق في تأليه صدام حسين، وليبيا في معمر القذافي، وبنسبة أقل في بقية أوطان العرب الحديثة، وبنسبة أكبر عبر التاريخ في تأليه خلفاء بني أمية وبني العباس. ولا ينفرد العرب وحدهم في تأليه زعمائهم، ففي التاريخ القريب، برزت شخصيات مثل ستالين في روسيا، وماوتسي تونغ في الصين، وهتلر في ألمانيا، وموسوليني في إيطاليا، وفرانكو في إسبانيا، وبعدهم كيم إيل سونغ في بيونغ بانغ كوريا الشمالية الذي صارت تماثيله إلى ما يشبه الوثن الذي يحج الكوريين إليه للترك والبكاء بعد رحيله. وعلى مرِّ التاريخ، كان معظم الملوك والقياصرة والأكاسرة والأباطرة والفراعنة يمنحون أنفسهم صفات القداسة، أقلّها مبدأ الرعاية الإلهية لهم، وأكثرها حين ينسبون الألوهية إلى أنفسهم، كحال الفراعنة في مصر.

وسنجد أمثلة على ذلك أيضًا في تاريخ الحواضر القديمة، كما في الصين واليابان والتيبت وتايلند وغيرها. القرن العشرون وفر أدوات تقنية لتغطية وسائل الإعلام، لم يسبق لها مثيل في العصور الإقطاعية، عبر الصحف والإذاعة من ثم التلفزيون لعرض صوت وصورة الزعيم ذلك الربان العظيم، الذي يعرف كل شيء وبيده كل شيء. ولعلَّ الكاتب الإنكليزي جورج أورويل وُفّق في تسميته “الأخ الأكبر” الذي يراقب الناس في بيوتهم ويأمرهم وينهاهم، في روايته الشهيرة (1984) التي أصدرها عام 1949، وحكى فيها عن الشاشة التي يرى فيها المواطن الزعيم أو (الأخ الأكبر) يراقبه في غرفة نومه. وسائلُ الزعيم لتأليه نفسه في الدول الشمولية إضافة إلى وسائل الإعلام، استخدامه مناهج التدريس منذ فترة التعليم الأولي للأطفال، لتكريس صورته وتمجيد صفاته وتقديس أعماله، ووسيلة أخرى تشمل كل الناس وتتظاهر في توزيع صوره، في كل مكان يعملون فيه أو يتسوقون، أو يمارسون الرياضة، أو ينجزون معاملاتهم الإدارية، بل حتى أثناء تنقلهم في الشوارع سيرًا أو عبر وسائل المواصلات، ولا تخلو في تلك الدول مؤسسة عامة أو خاصة من صورة ضخمة أو تمثال كبير ينهضُ على مداخلها. أما وسيلة الزعيم المقدس الرئيسة، لتثبيت حكمه وقطع الطريق على أي محاولة لإسقاطه، فهي العنف المفرط الذي يمارسه بهمجية لا يطالها الخيال.

(كم جونغ أون) وريث الحكم عن أبيه كيم إيل سونغ في كوريا الشمالية، ومنذ تولى شؤون البلاد، بدأ بتنفيذ سلسلة من الإعدامات، طالت خمسة عشر مسؤولًا لأسباب مختلفة، منها الشك في الولاء. ومن بينهم وزير التعليم العالي الذي أدين بالجلوس في وضع غير لائق تحت منصة البرلمان، كما أعدم زوج عمته ومستشاره الخاص، ووزير دفاعه، ووزير الزراعة في الساحة العامة، وأعدم مهندس طائرات لأنه لم يُعجب بتصاميمه، بهذا السلوك نفسه، وإن بشكل موارب لكنه مفضوح، أعدم حافظ الأسد مَن اعترضوا عليه أو شك في ولائهم، سواء بشكل مباشر كما في مقتل صلاح البيطار غيلة في منفاه، أو بسجنهم إلى أن يقتلهم المرض كما في حال صلاح جديد ونور الدين الأتاسي اللذين بقيا في سجن المزة العسكري، منذ عام 1970 حتى عامي 1992 و1993 حيث توفّيا على التوالي، أما تأليه ابنه الوريث بشار الأسد، فقد وصل إلى ذروة لم يبلغها والده، أو أي زعيم عربي من قبل، إذ غدت صورته أيقونة يُصلى لها، وغدا الموت من أجله وفي سبيله أعظم شهادة، بالرغم من تسببه بمقتل مليون إنسان سوري وجرح وإعاقة ضعفهم واعتقال نصف مليون وتهجير أربعة عشر مليونًا، داخل البلد وخارجها.

من الجلي أن تتخلف الدول والشعوب المحكومة من قبل أولئك الآلهة عن ركب التقدم والتحضر، وأن تصبح منبوذة من المجتمع الدولي، باعتبارها دولًا فاشلة على كل الصعد الإنسانية والإنمائية والمؤسساتية، وأيضًا مصدرًا للإرهاب الدولي، لأنها تكرس معظم ميزانيتها لجيشها وآلته الحربية، وتحوّله إلى وحوش آدمية، تفتقر إلى المشاعر الطبيعية للإنسان، وهم أشبه بالرجال الآليين (الروبوتات) الذين يُبرمجون على نمط معين من السلوك، يمارسونه بشكل روتيني، كما في تعذيب المعتقلين بوحشية من دون أن يتأثروا بصراخهم، بل إنهم يستمتعون بسماعها وفق البرمجة ذاتها، وهناك نوع آخر منهم يُقادون عن بعد في مهمات خاصة، كما هو حال الطيارين وضباط وجنود المدفعية الثقيلة والدبابات الذين يُلقون حممهم على بيوت وأسواق المدنيين، فيحيلونها إلى أحجار ورمال ممتزجة بدم الأطفال والشيوخ والنساء من دون أن يرف لهم جفن.

قال أحد الطيارين، بعدما وقع في الأسر: “نعم، كنت ألقي البراميل المتفجرة، وفق الإحداثيات التي تصلني من القيادة، بغض النظر عما ينتج عنها”. وعندما عاد إلى وظيفته بصفقة تبادل للأسرى، قال على شاشة التلفزيون: “أنا وغيري من تابعي الجيش العربي السوري نعبد سيادة الرئيس بشار الأسد ونفديه بأرواحنا”. وقد كشفت الصحافة الاستقصائية المحلية والعالمية، وكذلك مراكز أبحاث ذات صدقية، أن عصابات (القاعدة) و(داعش) وأمثالهما، نمت وترعرعت في تلك الدول الفاشلة، وأنها ترتكب جرائمها حول العالم، بأوامر مباشرة من قادتها. لقد كانت ثورات الربيع العربي تعبيرًا عن رفض شباب تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية لتأليه الزعيم؛ فرفعوا شعار إسقاط النظام، وأحرقوا وحطموا صور الزعيم وأصنامه.

مقالات ذات صلة

إغلاق