أدب وفنون

ملمَسُكِ ناعمٌ كموت شجرة*

 

“أكره الهدوء الذي كنت أعيش فيه قبل أن أعرفكَ، وأشكر لكَ من أعماق قلبي اليأس الذي سببتهُ لي، إني أرى بوضوح ما عساه يكون علاج آلامي كلها، وأحس بنفسي متحررة منها، لو تخليت عن حبكَ، لكن أيّ علاجٍ هو! كلا… إني أؤثر العذاب على نسيانك”.

هذا ما كتبته الراهبة البرتغالية ماريانا ألكوفورادو إلى حبيبها الضابط الفرنسي، تبوح له بالألم الذي عاشته حتى رمقه الأخير، بفعل الحب. كانت على علم بأن حبيبها “دو ماشييه” يخونها مع أخريات، استعذبت جراح العشق والغيرة التي تعيشها، على أن تصير سيرة منسية، بشكل أو بآخر. لم تكترث للخوف المحدق بل كانت تصغي جيدًا في غرفتها، آخر الليل، إلى صوت الطبيعة، وهي تردد الجملة ذاتها التي كتبها مالاراميه بعد قرنين: “لا شيء يحدث في المكان سوى المكان”.

الفلسفة والحب معًا، هل لنا أن نتخيل ستائر هذا البيت؟

كيف ستحتالُ الفلسفة على الأسطورة، وتقود سهام “كيوبيد” العاشق والغاضب معًا، إلى طاولتها الخشبية، كي تشرّحه لنا تحت عدسات مجهرها! لماذا هذه الكتب والأشعار والنظريات والرؤى والتعليمات والقوانين والعقائد والتسميات والآراء؟ لماذا دونت كلها عن المرأة منذ فجر التاريخ حتى يومنا هذا؟! أهي مخلوق غرائبي جاءت إلى هذه الأرض متأخرة عن الرجل، أم هي لغز يصعب حله؟

هذه الأسئلة جاءت متراكمة ومتشابهة نحو موضوع آخر يلتصق بالمرأة والرجل معًا، وهو الحب، وإن وجدته في أحيان كثيرة في مجتمعاتنا ذا طبيعة فرديّة، بعيدًا عن الثنائية المشروطة بتحققه. هل ساعدته الفنون والفلسفات في التعرف على وجهه؟ هل فهمته الراوية، وأنقذه الشعر من الغرق؟ رافقت القصائد نشوة الحب والموت، ورسمت بينهما ظلًا مرتجفًا مرتبكًا خائفًا. ماذا نسمّي تلك الصدفة التي تطلق العنان لأرواحنا في أول لقاء؟ يقول لنا رامبو: لقد اكتسبتْ عظامنا شيئًا جديدًا من الحبّ.

على الطرف الآخر، جلسَ الإنسانُ خائفًا منه، وفكر الفلاسفة بباب حديديّ صلبٍ يتحسسون من فجواته ذاك الشعور، دون أن تعصف بهم رياحه، فهنا لا مجال للعقلنة والأقفاص والقوانين، ارتبط تنظيرهم للحب بحياتهم الشخصية، أقرأ تلك النظريات كـ “بيوغرافيا” ممتعة.

هناك من رآه عدوًا لا يجلب سوى الألم، وحذروا الناس من الوقوع في شباكه، أفلاطون اعتبره محفزًا، وآخرون وجدوا فيه مسألة لا تحتاج إلى إضاعة الوقت معها إن كانت عابرة، أو كما صرح أبيقور: “إن المتعة التي تحمل المتاعب أكثر من كونها متعة، يجب التخلص منها”. جاء هيغل وربط الوجود بالحب: “كل كائن حي مدفوع للاتصال بالآخر، كي يلمس من خلال الآخر وجوده داخل حركة الزمان وتغير المكان”.

ما علاقة الحياة الحميميّة لأولئك الفلاسفة بتصريحاتهم عن الحب، التي تكاد تكون أشبه بالاعترافات الذاتية؟

في كتاب (حياة ستاندال الغرامية) يخبرنا مؤلفه آبل بونار: “كان يحبّ لكيلا يشعر بأنه وحيد، كان هو وحده -في الحقيقة- يخلق ثلاثة أرباع غرامياته”. اعتقد ستاندال أن ما نُلقيه في الحب من مشاعر هو محض صناعتنا ولسان مخيلتنا وحدنا، مجرد إسقاط عابر، في كتابه (في الحب)، أعاد ستاندال فكرة الشاعر الأبيقوري لوكريس في القرن الأول، وسماها “التبلور”. تقوم هذه الفكرة على أنه لو رمينا غصنًا من الشجرة داخل مناجم الملح، فسنعود بعد مدة لنراها مرصعةً بعدد من الماسات التي لم تكن موجودة في السابق، هنا، لا بدّ لنا أن ندوّن تحت هذا الاعتراف أنه كُتب في القرن التاسع عشر، قرن التشاؤمية والسوداوية. لكننا لن ننسى أن نضيف إلى غصن ستاندال غصنًا آخر، وهو إعجابه الشديد بتولّه الراهبة ماريانا في كتابها الرسائل البرتغالية. أليس إيروس من صنع الطبيعة وتناقضاتها وغموضها؟

قال الشاعر لوكريس تلميذ أبيقور: “تنبع مرارة ما، من قلب الملذات وتهاجم العاشق بقوة، وإن كان غارقًا في قلب زهرة”. في كتابه (طبيعة الأشياء) وجد في الحب لصًّا وشبحًا يريد أن يسلبه متع حياته، ويحجب عنه نور الحريّة، ناشد التعدديّة في الحب، خشي الغيرة، وخاف من الألم والاستقرار. صوّر الحب كحالة باثولوجية “مرضيّة”، سجانٌ يسعى وراء البشر وفي يده الأغلال، فأي متعة نرجوها في هذا السجن؟

“إن الهروب من الحب لا يعني الحرمان من متع فينوس، على العكس، إنه يعني الاستمتاع دون دفع فدية”. في حديقته الفلسفية ابتعد أبيقور عن مفهوم الحب بوصفه: “لا يؤدي الحرمان منه إلى الموت، فليس هناك من مبرر كي نتبع الحب، إذا كانت حياتنا لا تقف عليه”. يلتقي اثنان بطريقة قدرية، فيء يظلل الضياع، رجل وامرأة، كل منهما يزرع اختلافه كزهرة واحدة تطفو. “من أيّ نجمٍ سقط كل منّا على الآخر”، يجيب نيتشه العاشق الفلاسفة الذين قبعوا يحللون الحب كمأساة أو كرغبة عابرة.

الخصب والبقاء والاستمرارية تأصلت في مفهوم الأسطورة بين علاقة رجل وامرأة، جاءت الفلسفات والحركات الفكرية تحيكُ مفهومها عن السعادة، كان الحب غامضًا، بالنسبة إلى الأديان، كغموض هذا الكون المتسع، وكما أحاط الدين فلسفته وحصنها، اكتشف غموض الحب وحصّنه بكتبه ومقولاته، فالزواج كان السرير الأسمى والمحطة الأخيرة التي لا بد أن يمر بها الحب تائبًا إلى ربّه.

دُفع الشعر إلى زورقه الهائم، حيث المستقبل المجهول الغامض، دون أن يعرف المعرفة الحقة ماذا نسمي هذا الشيء الذي يوقد فينا اللهيب، سماه سقراط في فايدروس جنونًا وهوسًا، وخلده أفلاطون في مأدبته كمحفز كفكرة. الأساطير رأت في الشجرة والقبلة أخوة.. الأديان كتبت قاموسًا مرقمًا لخطوات الرعشة.. القرن الثامن عشر والرومانسية بتضحياتها وصحوتها رسمت الصورة الشخصية بألوان عسلية وجسد يتكلم.

السريالية قالت على لسان شاعرها بريتون: خبرة الحب هي أن تعرض نفسك للنظرات الصاعقة للرب دون أيّ دفاع منك. والوجودية السارترية العدمية التي ذهبت للحد الأقصى، ودون حدود في علاقاتها، كتبت ذات يوم: “نحن نشعر أن وجودنا مبرر في الحب”. في عالم الحداثة المزدحم، أصبح العشاق كجهاز (غرامافون)، في بيت تُفتح أبوابه وتُغلق بواسطة تقنيات اللمس، أنت قديم أيها العاشق.

(في مديح الحب)، كتاب الفيلسوف الفرنسي الإشكالي آلان باديو وصف الحب بالفكرة، فكلما أصبحت بعيدًا عن الأنا استطاعت عاطفتكَ المشي في العراء، وعندها فقط بوسعك أن تُخرج أفضل ما لديك. بعد أن يسود صمت كل واحد منهما ليسمع أعماقه لأول مرة، وتحدث شرارة اللقاء الأول، ستتصارع فكرة استمرارية هذا الحب وديمومته، أحب الأصالة في هذه الجملة: “الحب -دائمًا- يبتكر طريقة جديدة للاستمرار في الحياة”.

يلتقي الفيلسوف الفرنسي آلان باديو مع المفكر زيجموند باومان في نظرتهما إلى الحب، كفعل إبداعي وجمالي مكتمل. منذ 24 قرنا، وقبل باومان وآلان باديو، قال أفلاطون في المأدبة: “الحب نزوع إلى الولادة في الجمال”.

المخيلة في الحب، يضيف إليها باديو الصناعة، أما الفيلسوف الإسباني أورتيغا دي أوغاسيه في (دراسات عن الحب) يحكي لنا عن الموهبة/ الحب، كما موهبة الكتابة مثلًا، هناك قلّة من الناس تستطيع ذلك، فندرة الحب هذه تفرضها شروطه الإدراكية والانفعالية والتكوينية.

بعد كتابيه: (الحياة السائلة) و(الحداثة السائلة) يقدم لنا زيجمونت باوومان رؤيته السوسيولجية للحب، يطل البشر من ناطحات السحاب على الغيم ويحدقون في ساعاتهم المطاطية، ينسون وجوههم على المغسلة كل صباح، عصر السوق والسرعة والاستهلاك والانسلاخ عن الحياة، عن الجسد، عن الحقيقة. بعد عملية التجميل السريعة، ستعيش امرأة قصة حب مستعجل.

النزعة الفرديّة صارت خطابًا وهتافات، والعلاقات الاجتماعية غدت متوافرة وبكثرة في الإعلانات أو داخل سوبر ماركت. يناقش باومان مفهوم الحداثة وأثرها في الحب، فالمجتمع الاستهلاكي قضى على العلاقات الإنسانية، ليغدو كل شيء وفق مصلحة ونرجسية الفرد، لا ديمومة لا قرب لا عاطفة، فالحاجات التي ولدتها الحياة السائلة، على حد وصف باومان، اقتضت هذه السرعة، اقتضت أن يغلفكَ الغبار إن وقفت تنصت لشعورك ويطويكَ داخل كيس بلاستيكي، فحتى الهواء لن ينتظرك هنا.

ثقافة التأمين والإشباع الآني والوصفات السهلة، وأي شيء بلا جهد هو المأمول في النهاية.

يتفق إيريك فروم في كتابه (فن الحب) مع باومان: “لا يمكن تحقيق الإشباع في الحب الفرديّ دون شجاعة حقيقية وتواضع حقيقي وانضباط حقيقي وإيمان حقيقي، لكننا في ثقافة تندر فيها تلك الخصال، لذلك لا بد أن تندر القدرة على الحب”، فمن شروط الحب الإبداع في كل تجلياته، أن يقودك الشغف إلى الآخر في ذاتك، إلى التحولات المتشكلة وسط البحر بفعل عاشقين، يرمقان غروب الشمس معًا.

هذا ما تبتعد عنه الرغبة بعيون مفتوحة وعقل كالمنبه، فالأمر لا يحتاج إلى أي جهد، بالعكس تمامًا فهي الهاربة من الأعباء والقيود التي يفرضها الحب، تبقى في ذاتها ولا تعدو أن تكون تصرفًا معتادًا يشبه دخولك إلى المقهى وتعليق معطفك فوق المشجب.

يفرق باومان بين الحب والرغبة في كتابه، ويفرد لهما صفحات مطولة: “الحب بطبيعته يسعى إلى إدامة الرغبة، وأما الرغبة فطبيعتها تهرب من قيود الحب”.

في عام 1950، وقبل أن ينتحر، كتب بافيزي في الصفحات الأخيرة من يومياته: “إننا لا ننتحر بسبب الحب من أجل امرأة، بل ننتحر لأن الحب أيّ حب يكشف عرينا وبؤسنا، يُظهرنا عزّلًا وسط العدم”.

 

*من شذرات الشاعر الفرنسي آلان بوسكيه.

مقالات ذات صلة

إغلاق