قضايا المجتمع

اللجوء المكلف.. من يحمي الضعفاء من ضراوة الأسد

 

دفعت الهجمات التي شنتها طائرات الأسد وحليفه الروسي على محافظة إدلب، أكثر من 200 ألف مدني، إلى الهرب نحو الحدود الدولية الشمالية، بحثًا عن الأمان. اليوم تبدو الحاجة ملحّة، أكثر من أي وقت مضى، لمحاسبة مجرمي الحرب على هذه الهجمات، وغيرها. ودعم مبدأ العدالة الانتقالية، والانتقال السياسي. في بلدٍ تتقلص مساحة التحضّر فيه لحساب صراع بربري، أودى بحياة مئات الآلاف من الأبرياء، وأجبر ملايين آخرين على الفرار من موت محتمل، تحت أنقاض أبنية وعمارات، كانت إلى وقت قريب تضج بالحياة.

عدم إخضاع مرتكبي “جرائم ضد الإنسانية” للمحاسبة، بسبب تراخي المجتمع الدولي وتردده حيال رحيل أو بقاء الأسد، منَح القتلة ما يشبه الحصانة، وشجعهم على المضي أكثر، في ممارسة إرهاب الدولة على نطاق واسع. وإذا ما استمرت الأمور على هذا النحو المريع؛ فستشهد البلاد تدفق أمواج جديدة من اللاجئين إلى دول الجوار، تتحمل تركيا التي تستضيف -بحسب وزير الداخلية سليمان صويلو ثلاثة ملايين و200 ألف لاجئ، العبءَ الأكبر من أزمتهم، بعد أن اتخذ الأردن ولبنان ومصر، إضافة إلى دول الاتحاد الأوروبي، إجراءات أمنية مشددة، لمنع تدفق المزيد إلى أراضيهم.

في المسار السياسي، من السابق للأوان الحديث عن حل قريب للصراع، طالما أن حلفاء الأسد يجتهدون لبقائه على رأس السلطة، ولو بصلاحيات جزئية، خلال المرحلة الانتقالية المرتقبة. وفي المسار الإنساني، تتفاقم مخرجات الحرب، بصورة قاسية. وتزداد أعداد اللاجئين طردًا، مع ضراوة العمليات العسكرية التي تشهدها مناطق مختلفة، شمال البلاد ووسطها وجنوبها، ما يشكل للجميع معاناة مزدوجة: إطالة أمد الحرب، وسوء استجابةٍ لأوضاع الفارين من جحيمها.

يُبدي توماس غاروفالو (عضو لجنة الإنقاذ الدولية لشؤون الشرق الأوسط) قلقًا متزايدًا على سلامة 2.6 مليون مدني يعيشون في إدلب. هم الآن في خطر. يقول: لقد أخبرنا الناس أن لا خيار أمامهم سوى الرحيل ثانية، والتوجه إلى الشمال. حيث سيرحلون إلى مخيمات نزوح تتجاوز القدرة على استيعابهم؛ ما يعني أن وضعهم سيزداد سوءًا في ظل شتاء رطب وبارد.

لا تختلف المشاهد كثيرًا على هذا الصعيد؛ ففي لبنان والأردن أيضًا، حيث يستضيف الأول نحو مليون لاجئ سوري، بحسب آخر إحصائية أممية، ويستضيف الثاني نحو 660 ألف آخرين، مسجلين رسميًا على قوائم اللجوء، تزداد معاناة معظمهم في فصل الشتاء. ويجد الذين يتمركزون على حواف المدن، وداخل مستوطنات ريفية، أنفسهم عراة في مواجهة العواصف الباردة والأمطار كل عام. ومن الأمور التي أصبحت مألوفة، مشاهدةُ عشرات الآلاف منهم وهم يحتمون بهياكل واهية مصنوعة من الخشب والأغطية البلاستيكية، تشكل تجمعات غير رسمية، تغمرها المياه بين فترة وأخرى.

تهدد تقلبات الطقس الثلجي العاصف، في الجانب المطل على البحر الأبيض المتوسط، معظم السوريين أيضًا، الذين ينتظرون حتى الآن قبول طلبات لجوئهم، داخل خيام صغيرة، مؤقتة، غير محمية. وتبدي المفوضية السامية لشؤون اللاجئين هي الأخرى قلقها، إزاء الأوضاع المزرية التي يعيشونها مع غيرهم، في مخيمات جزر بحر إيجه: (ليسفوس، كيوس، ساموس). فعلاوة على درجات الحرارة المتدنية، لا تقاوم الأسقف المصنعة يدويًا من القماش، أمطار الشتاء. وتعارض السلطات المحلية الجهود الرامية إلى إدراج تحسينات، أو توفير السكن الاستثنائي، لعدد قليل من الأشخاص الأكثر ضعفًا.

عاشت السيدة (سيبيل) ثلاثة أشهر، في خيمة صغيرة مبللة في هضاب (ليسفوس)، مع أولادها الثلاثة وابن أختها، وهم يعانون وطأة رياح الشتاء والأمطار. كانت ابنتها الصغرى “ران” البالغة من العمر سبعة أعوام، مريضة وتعاني من مشكلات في أمعائها، وكانت تتعافى من عملية جراحية في القولون. ونظرًا إلى الظروف غير الصحية في مركز الاستقبال، وعدم توفر المياه بشكل كاف؛ كان من الصعب جدًا الاعتناء بها. وفي يوم 21 كانون الأول/ ديسمبر، انتقلت السيدة (سيبيل) مع عائلات تضم 59 شخصًا، من الخيام المبللة إلى غرف تتمتع بمواصفات أفضل.

أدت هشاشة التضامن الدولي إلى وجود مفارقات، في أثناء تعاطي بعض الدول مع الأزمة، أضعفت حماية قسم كبير من اللاجئين. ومع أن المجتمع الدولي تعهد بالعمل من أجل تحسين استجابته، فإن الأوضاع تتفاقم، في ظل استجابة محدودة، وظروف سياسية – إنسانية سيئة، انعكست على حياة هؤلاء.

في شباط/ فبراير القادم، ستدفع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، بخطوات إجرائية ملموسة، لاتخاذها من قبل الحكومات والجهات الأخرى؛ من أجل ضمان حصول اللاجئين والمجتمعات المضيفة لهم، على الدعم المناسب، وإدماج الملايين بشكل أفضل في المجتمعات المضيفة، مع حصولهم على الخدمات الأساسية: الصحية والتعليم وسبل كسب العيش. وتسعى المفوضية لإيجاد حلّ لمعضلة استمرار معاناة القسم الأكبر من اللاجئين، عبر تغيير الطريقة التي يتعامل بها المجتمع الدولي في الوقت الحالي مع هذه القضية، لتوفير المكان الآمن للعيش، وتقاسم المسؤوليات دوليًا، بدلًا من أن تترك بعض الدول بمفردها لتحمّل عبء اللجوء الجماعي. كما ستقترح ميثاقًا عالميًا بهذا الخصوص، من المتوقع أن يُطرح على الجمعية العامة للأمم المتحدة، في نهاية هذا العام.

يشكل الميثاق المشار إليه، بحسب فيليبو غراندي (المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين) فرصةً لرسم مسار جديد، من خلال الالتزام الفعلي والتعاون المبني على قيم إنسانية، بهدف احتواء أزمة متصاعدة، يأمل فولكر ترك (مساعده لشؤون الحماية) أن تُكسر حلقتها بطريقة ما “قد يكون الفهم الأوسع نطاقًا للحلول، والذي يشمل معالجة الأسباب الجذرية والاحتياجات الطارئة والتنمية على المدى البعيد.. سبيلًا لذلك”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق