تحقيقات وتقارير سياسية

“حرمون”: الحلول الوسط أبرز خيارات العلاقات الأميركية-التركية

 

توترت العلاقات الأميركية–التركية أخيرًا بشكل واضح. ووفق دراسة لـ (مركز حرمون للدراسات المعاصرة)، بعنوان: (مظاهر توتر العلاقات الأميركية-التركية وآفاقها)، لم تصل تلك العلاقات إلى هذا المستوى من التوتر، منذ نحو خمسة عشر عامًا، “عندما رفض البرلمان التركي تحويل الأراضي والقواعد التركية إلى نقاط انطلاق للغزو الأميركي للعراق، عام 2003”.

أوضحت الدراسة التي نشرها المركز على موقعه الإلكتروني، في 22 كانون الثاني/ يناير الجاري، أنه منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية، آمن قادة تركيا بأهمية الدعم الخارجي للدخول ضمن “المنظومة العالمية”، وقد استجابت أميركا، ومدّت يد المساعدة وفق “مبدأ ترومان”، منذ عام 1947، وانضواء تركيا تحت “خطة مارشال” لإعادة بناء أوروبا، إلى جانب انضمامها إلى حلف الـ (ناتو).

فترت العلاقة بين البلدين عام 1974، “عقب الاجتياح العسكري التركي شمالي قبرص”، لكن موقع تركيا الاستراتيجي والفريد “بين طرفي القارة الأوروبية والآسيوية”، جعل لها مكانة مهمة بالنسبة إلى العلاقات مع الغرب بشكل عام، وذلك لمساحتها الواسعة المطلة على “أوروبا والبلقان والبحر الأبيض المتوسط والعالم العربي، والبحر الأسود وروسيا وآسيا الوسطى ومنطقة القوقاز، وتتحكم في بحر مرمرة (البوسفور والدردنيل‏)،‏ وتتنازع السيطرة على بحر إيجة‏”.

‏أشارت الدراسة إلى أن عدم دعم تركيا للغزو الأميركي للعراق أدى إلى خلاف بينهما، لكنهما أخذا بترميمه مطلع عام 2015، ثم في عام 2006 وفي إثر زيارة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى واشنطن، تم الاتفاق على “وثيقة الرؤية المشتركة والحوار المؤسساتي”، ونصت على “الترويج للسلام والاستقرار في الشرق الأوسط الكبير من خلال الديمقراطية، ودعم الجهد الدولي للتوصل إلى تسوية دائمة للنزاع العربي-الإسرائيلي وحله على أساس إقامة دولتين، وتعزيز الاستقرار والديمقراطية والازدهار في عراق موحد”.

لفتت دراسة (حرمون)، إلى أن الموقع الجيو-استراتيجي لتركيا، شكل “جسرًا للعبور بين الشرق والغرب”، كما أنها شكلت، خلال الحرب الباردة، الأساس الوطيد للأمن الأوروبي، بانضمامها إلى حلف الـ (ناتو) عام 1952، وكان لتركيا “دور وظيفي مهم في استراتيجية الحلف، في مواجهة الاتحاد السوفيتي السابق، ولاحقًا تجاه إيران بعد ثورة الخميني عام 1979، ومن ثم الحرب على أفغانستان، بعد تفجيرات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001”.

بعد نهاية الحرب الباردة؛ وُضعت العلاقة التركية-الأميركية على “محك امتحانات قاسية”، لكن الشراكة بينهما عادت وتعززت، تبعًا لحاجة أميركا إلى الانسحاب من العراق، وضمان بقائه ضمن دائرة مصالحها، إضافة إلى إدماج سورية -آنذاك- في هذا الاتجاه بعيدًا عن إيران، وأن تعمل تركيا على احتواء إيران.

ترى الدراسة أن المسألة السورية، أخيرًا، فرضت “ضغوطًا كبيرة على تلك العلاقات”، وعزت ذلك إلى اختلاف الأولويات لكل منهما، وأصبح هذا الخلاف “خطرًا”؛ كون كل منهما اتجه إلى بناء تحالفات متباينة، فأصبحا في “موقعين متعارضين”، فقد بقيت إدارة أوباما تعدّ سورية، قبل ظهور (داعش)، قضية “هامشية”، بينما كان ما يجري في سورية بالنسبة إلى تركيا “أولوية”، لتأثيره على “الأمن القومي التركي، وتحديدًا في بعده الكردي الانفصالي”، وظهور (قسد) وإعلانها لاحقًا نظامًا فدراليًا في شمال سورية، واهتم أوباما بالملف النووي الإيراني، ولم يدعم خيارًا تركيًا بـ “إنشاء منطقة آمنة” شمال سورية، “تقام فيها مخيمات للاجئين السوريين، في سياق استراتيجية أوسع لإسقاط نظام الأسد”.

ظهور (داعش) دفع أوباما إلى تشكيل حلف لمحاربة “الإرهاب”، وبدا واضحًا حاجة هذا الحلف إلى تركيا، وبعد وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض؛ اعتقدت الإدارة التركية أن بإمكانها بناء شراكة مختلفة، وفي هذا السياق، جاءت زيارة أردوغان إلى واشنطن في أيار/ مايو 2017، إلا أن أميركا “ضاعفت الدعم لـ (وحدات حماية الشعب) الكردية”، فاتجهت تركيا إلى تمتين علاقاتها مع روسيا وإيران، وبعد القمة الثلاثية بين قادة هذه الدول في سوتشي، اتصل ترامب بنظيره التركي ليؤكد له أن إدارته سوف تعلق الدعم العسكري للأكراد في سورية.

رأت الدراسة أن إعلان ترامب، في 15 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، استراتيجيته للأمن القومي، والتي جاءت على “عكس الاستراتيجيات التي صدرت في عهد الرؤساء السابقين، ولم تتطرق إلى تركيا، ولم يتم ذكرها البتة، في نص الوثيقة”، يُعدّ “مؤشرًا سلبيًا جدًا”.

على الرغم من أن تركيا حققت “مكاسب مهمة في سورية عبر البوابة الروسية، فإن استكمال هذه المكاسب سيكون من البوابة الأميركية، مع الحضور العسكري الأميركي على طول الحدود التركية مع محافظتي الحسكة والرقة، وأجزاء من ريف حلب الشمالي”.

إلى ذلك، تؤيد الدراسة فكرة “أن صانعي القرار الأميركي أصبحوا يميلون إلى أنقرة، لترسيخ وجودهم المستقبلي في سورية، بعدما لاحظوا أن أكراد سورية باتوا يشكلون عبئًا استراتيجيًا مكلفًا لهم”.

رسّخ حزب (العدالة والتنمية) التركي بعد وصوله للسلطة، “معادلة جديدة مع الولايات المتحدة تقوم على أساس المقايضة” في المصالح، وأشارت الدراسة إلى أن تركيا أخذت تنظر إلى نفسها كـ “قوة إقليمية بحد ذاتها، بصرف النظر عن أميركا ودعمها”، ورسمت مسافة “إزاء المحاور”، تُكسبها استقلالية.

تحاول أميركا ثني تركيا عن اتخاذ سياسات مستقلة، وبالأخص في سورية والعراق، وتعمل على محاسبتها على التقارب مع روسيا بعيدًا عن حلف الأطلسي، وعلى شراكتها الاقتصادية المتصاعدة مع “روسيا والصين، وعدد من دول منظومة (شنغهاي) ومجموعة دول (أوراسيا) وغيرها”، كما أن تركيا تدرك بالمقابل أن علاقتها مع “طهران وموسكو تقوم على الابتزاز، ومحاولة استغلال أزمتها مع حلفائها التقليديين في الغرب”، وهذا يتجلى في ما يجري في سورية.

ترى الدراسة أنه لا توجد بوادر تحسّن قريب في العلاقات بين البلدين، لكن يصعب القول إننا نشهد نهاية التحالف بينهما، وروسيا لا تستطيع التعويض عن الولايات المتحدة، ولا يمكن الاعتماد عليها كحليف موثوق به، كما أن واشنطن بحاجة إلى تركيا في منطقة الشرق الأوسط، فهي “دولة مسلمة” كبيرة، وتملك ثاني أكبر جيوشه.

بحسب دراسة (حرمون)، فإن “الحلول الوسط سوف تكون الخيار الأبرز للجانبين”؛ فأميركا لن “تضحّي بتحالفها التاريخي مع تركيا لمصلحة كرد سورية”، ويبدو أن الحكومتين “تحتاجان إلى إيجاد أرضية مشتركة، ولكنّ الخلافات بينهما حول سورية تبقى أساسية، ومن الصعب رؤية كيف يمكن للطرفين أن يتوصلا إلى أي تسوية لخلافاتهما”. للاطلاع على الدراسة كاملة https://goo.gl/RUUHQ5 (ح.ق).

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق