ترجمات

كريستيان ساينس مونيتور: في قلب المعاناة السورية، نموذج لصمود المرأة

في دوما، في الغوطة الشرقية التي يسيطر عليها المتمردون، الطعامُ نادر، والتفجيرات روتينية، والهدوء ذكرى. ولكن النساء من جميع الأعمار اللواتي يتدفقن إلى شقة (صباح) الدافئة، اخترن أنْ يكن سعيدات، يتبادلن الفرح، الموسيقى، والضحك.

بسام خبية، رويترز

صوت الضحك الأنثوي، والضربات المفرحة لطبلةٍ عربية، يهزان جدران شقةٍ أرضية في دوما، المنطقة التي يسيطر عليها المتمردون.

يبدو أن مثل هذه الأصوات غير لائق في المدينة، حيث الطعام نادر، وعمليات القصف روتينية، في منطقةٍ وصفها مبعوث الأمم المتحدة بأنها “بؤرة المعاناة الإنسانية”.

الواقع أن كيفية إطعام أطفالهم ليس سوى إحدى التحديات القاسية اليومية التي يواجهها الرجال والنساء اللواتي يتجمعن في الشقة مؤخرًا، لدعم بعضهما البعض، واخترن أنْ يكن سعيدات.

لتحقيق لحظات فرحٍ لنساء دوما، لا بد من شجاعة وإبداع فريدين. وصباح، وهي أمٌ كاريزمية لخمسةٍ من الذين استضافوا التجمع الأخير، لديها من الشجاعة والإبداع ما يكفي.

تقول صباح، التي تمت مقابلتها مثل الأخريات من أجل هذه القصة، وتتكلم باسمٍ مستعار بدافع الخوف على عائلتها: “نحن النساء المتميزات، أنا حزينةٌ على جيل الشباب الذي ولد أثناء الحصار، ولا يتذكر شيئًا سوى الحرب. لدينا ذكريات، وتلك الذكريات تعطينا قوة”.

تركت صباح خلفها زوجًا، وحياةً فاخرة في أبو ظبي، للانضمام إلى الثورة السورية ضد الرئيس بشار الأسد في بلدتها: دوما. تستذكر أيام الرحلات البحرية حيث تؤخذ القرارات السريعة مع القهوة الصباحية. الآن بالكاد يمكنها العثور على القهوة بسعرٍ مرتفع، بينما مغادرة المدينة ليس خيارًا لها.

لم تكن دوما، وهي مدينة محافظة سكانها من الطبقتين الوسطى والعاملة، على بعد 10 أميال شمال شرق دمشق، قاعدةَ دعم متحمس للسيد الأسد، أو لأبيه وسلفه حافظ. في عام 2011، كان الطائفة السنية بشكلٍ رئيس في طليعة التظاهرات الأسبوعية التي دعت في البداية إلى الإصلاح، ثم إلى إسقاط نظام الأسد. وقد فرضت القوات الموالية للأسد حصارًا على المدينة التي يسيطر عليها المتمردون منذ عام 2013، مما حد من حركة الناس، ودخول الغذاء، والوقود، والمساعدات الإنسانية والإمدادات الطبية.

بسام خبية/ رويترز

اليوم، تتنافس جماعتان مسلحتان إسلاميتان، من أجل السيطرة على المنطقة مع الإبقاء على جبهةٍ مفتوحة ضد النظام. في الصيف الماضي، توسطت كل من روسيا، وإيران، وتركيا في اتفاق (خفض التصعيد) الذي شمل الشرقية الغوطة، حيث تقع دوما، وحيث بقي ما يقدر بـ 400000 شخص محاصرين، لكن السكان يقولون إن الأيام التي تمر، من دون قصف مدفعية ثقيلة وقصف جوي، تبقى استثناء.

تحوّل بيتها إلى ركام، حيث حولت (صباح) شقة أهلها في دوما إلى ملاذٍ آمن للنساء، ومكانٍ للتجمع والنسيان، ولو لمجرد لحظة، حيث الحصار الخانق، والحرب التي لا نهاية لها على ما يبدو. وتعمل مع جمعيةٍ خيرية تدعم الأرامل، والمطلقات، والنساء الصبايا الوحيدات.

نساءٌ من كل الأعمار يندفعن نحو غرفتها الدافئة في التجمع الأخير. وتقدم الكعك والبوشار على طاولات القهوة الصغيرة، وتغطي الأرض بالسجاد في محاولةٍ للاحتفاظ بالحرارة المنبعثة من موقد على الفحم، والخشب الجاف.

تتجمع النساء الأكبر سنًا على الأرائك الخشبية، في حين تقف الصغيرات لإفساح المجال. يناقشن التطورات السياسية، وتقلبات الأسعار في السوق، ووصفات المبادلة المستوحاة من الإنتاج المحدود لمدينةٍ تحت الحصار.

ينشغلنَ بكيفية تغذية أطفالهم في المدينة السورية ذات المعدل الأعلى في سوء التغذية. ووفقًا لدراسةٍ استقصائية للأمم المتحدة، فإن ما يقرب من 12 في المئة من الأطفال دون الخامسة من العمر في حالةٍ صحية سيئة، وثلثهم لديه مشكلات في النمو، حيث تكافح الأمهات لإرضاعهم.

إهانات متفاقمة

تضرب أصابع (شمس) النحيلة على الدربكة (الطبلة).

قابلتُ المضيفةَ (صباح) في عام 2011 أثناء جمع اللوازم الطبية. إنه العام الذي كانت نساء الغوطة الشرقية يتجمعن فيه لتنظيم التظاهرات، وينقلن الأدوية إلى المستشفيات الميدانية في حقائب اليد، ويوزعن المساعدات الغذائية على الأسر المحتاجة.

قبل ذلك، تقول (شمس) وهي تضحك: كانت الحياة “بسيطةٌ، من دون أن تفعل أي شيء”. كانت تعيش مع والديها، وتقسم أيامها بين الأنشطة الاجتماعية، وصنع مفارش الطاولات. لم تجذبها السياسة إلى أنْ شهدت غارات قوات الأمن الوحشية في حيها.

وصفتْ الليلةَ بأنها “حظٌ رائع”، عندما غض ضابط الأمن الطرفَ عن قريبيها (اللذين كانا يعيشان في المبنى نفسه، وكانا في سنّ السوق للتجنيد) خلال حملةٍ أمنية ضخمة، بينما ضُرب شبانٌ آخرون، وحُملوا في السيارات.

“في تلك المرحلة، عرفت أنهم (النظام) لا يعاملوننا كبشر، ورأيناهم على حقيقتهم”، كما تقول.

ازدادت الإهانات من حيث الحجم والشدة. ذات مرة، طلب جندي هيّأ بندقيته عند حاجز تفتيش، من والدتها أنْ تركض، محذرًا من أن السلاح يمكن أنْ “ينطلق” من تلقاء ذاته.

تقول شمس: “تخيل أن أحدًا يخبرك بأنك دريئة”، عبر رسالة نصية، وهي الوسيلة لمحادثة النساء الأخريات في هذه القصة. “لا يمكنك تحمل هذا، ولا يمكن أنْ تتحمل حقيقة أن هؤلاء الناس هم الذين يتحكمون بحياتك”.

الشك ما يزال أمرًا ثابتًا

وسط لحظات تصاعد الأغاني والرقص، والذكريات المرة والحلوة، تتقاسم النساء مخاوفهم الحالية، وتراوح هذه بين الخروج من أجل مهمةٍ ميدانية، ولا تعود أبدًا منها، وحتى أسوأ من ذلك، أنْ تعود إلى البيت لتجده متهدمًا، وقُتل أقرباؤك فيه.

تعمل سارة، وهي معلمةٌ غير متزوجة يبلغ عمرها 27 عامًا، في مدرسةٍ ابتدائية في البلدة، والتي، شأنها في ذلك شأن الكثير من بقية المدينة، تخرج باكرًا قدر ما تستطيع، قبل أنْ تغطي الطائرات السماء.

تبدأ الدروس في السادسة صباحًا، في صفها 30 من طلاب الصف الأول، وبعضهم متعرضٌ لرضاتٍ نفسية، بحيث يصبح التعلم والنطق صعبًا جدًا عليهم. وقد تم تطوير نظام إنذارٍ، بحيث يمكن للأطفال والمعلمين النزول للملجأ، حين وقوع غارةٍ، أو سماع صوت الطائرات.

تقول سارة لصحيفة (كريستيان ساينس مونيتور): “أذهبُ إلى عملي، ولا أعرف أسأعود أم لا. وأسوأ من ذلك، أسأجدُ بيتي وإخوتي أحياءً أم لا، عندما يقع القصف على المدرسة، يتضاعف خوفي، إنه لأمر مرعب، لأننا نقلق بشأن سلامة الأطفال، وكيفية عودتهم إلى بيوتهم”.

بسام خبية/ رويترز

قبل الحرب، كما تقول، لم يكنْ ليخطر ببالها أنْ تعيش بعيدًا عن أبيها. المجتمع في دوما محافظٌ نسبيًا، حيث ترتدي معظم النساء غطاء الرأس، وتعيش الفتيات مع والديهن حتى يتزوجن. في حين جلبت الألفية الجديدة معها، فرص عمل وتعليم متزايدة، وقليلاتٌ منهن يذهبن إلى دمشق للعمل أو الدراسة.

كان يمكن لسارة أنْ تدرس وتعيش في دمشق بأمانٍ نسبي مع والدها المسن، لكنها اختارت أنْ تعيش مع أخويها في دوما، وتهتم برعاية الصغار الذين أصيبوا بشظايا خطرة. تقول سارة: إن غياب التعاطف بين الناس في العاصمة التي تسيطر عليها الحكومة مع أولئك الذين يعانون في دوما، مسقط رأسها، ساهم في قرارها بالعودة في عام 2015. وتضيف: “هنا موطننا. الناس حولي يشعرون بألمي، لأننا جميعًا نعيش الظروف ذاتها”.

حياة متنقلة تحت الحصار

يمكن لهؤلاء الأصدقاء الحديث عن رضاتهم النفسية المشتركة: عن المرة الأولى التي اجتيح فيها بيتهم، وعن المرة الأولى التي اجتازوا فيها حاجزًا، أو شاهدوا شخصًا قتله القناص، أو عن كيفية استعمال الأنفاق للخروج من (دوما) لجلب المؤن أو زيارة عزيز، قبل أنْ يدمرها النظام.

لقد تعلموا كيفية تدبر الحياة تحت الحصار. تقول صباح نصف مازحة: إن قوة وصمود النساء في دوما هما نتيجةٌ للتعامل مع الرجال الصلبين، والعنيدين على الجبهة الداخلية، وأيضًا نتيجة لكونهما جزءًا أساسًا من الاقتصاد المحلي. في الماضي، عندما كانت دوما في الغالب أراضي زراعية، كانت النساء يحرثن الأرض سويةً مع الرجال، وينسجن القماش خارج موسم الحصاد. واليوم، على الرغم من الحصار، فهن نشطاتٌ بالقدر نفسه.

تشعر “صباح” بالامتنان للحصول على الكهرباء من المولدات، بحيث تكفي لإضاءة المصابيح، وشحن الأجهزة الكهربائية ليلًا، حتى ولو كانت ضعيفةً جدًا، بحيث لا تسمح بتشغيل ثلاجة.

قد يكون الوقود نادرًا ومكلفًا، ولكن صباح لا تتردد في تخصيص القليل منه لتغذية المكبرات، والهاتف لتشغيل الأغاني، بحيث ترقص النساء. وهي تعلم أن الذكريات الطيبة ليست كافية للحفاظ عليها، وعليهم أيضًا أنْ يخلقوا ذكرياتٍ جديدة.

يختلط صوت سارة مع صوت القذائف وهي تقول: “إذا أخبرتني صباح الآن أن هناكَ تجمعًا عندها؛ فسوف أذهب مباشرة، يجب أنْ تستمر الحياة”. وأضافت: أصبح القصف والحصار والخسارة والموت، “طبيعيا”.

لحظة “مناسبة” لنكون سعداء؟

أفضل ذكرياتها عن الحياة تحت الحصار هو حفلُ زفاف لمى، ابنة صباح، في العام الماضي، في يوم قصفٍ مدفعي، وجوي عنيف.

بينما صففت العروس شعرها، أخمد أول المدعوين حريقًا ناتجًا عن ضربة صاروخ للمبنى المجاور. الطائرات الحربية حلقت إلى الأعلى في أثناء ذهاب لمى إلى مكان الزفاف، وتأخيرهم نتيجة لنفاذ الهواء من العجلات. اعتقدت لمى أنها لنْ تصل، لكنها سعدت كثيرًا عندما وصلت الصالة، ووجدتها مكتظةً بالناس.

لم تسمح (الحِسبة)، وهي لجنةٌ تشرف على تطبيق الشريعة، حيث إن القوى المهيمنة في المدينة هي فصائل متمردة إسلامية، للعريس وأصدقائه بالانضمام إلى الحفل في الصالة. وتركوهم في المدخل الرئيس. اندفع الرجال والنساء بشجاعةٍ نحو المكان المخصص، وباشروا الغناء. “كان الأمر مدهشًا!” تروي لمى في مقابلةٍ لاحقة: “رقصنا وهم غنوا لنا. كان لدينا بالونات مملوءة بالبرق، وعندما فجروها، أصبحنا كلنا نتلألأ”.

في كلماتهم الخاصة، تشرح النساء كيف لو انتظرن للحظة “المناسبة” حتى يفرحن، اللحظة التي لن تأتي. لا يحمل المستقبل وعدًا بالفرج الفوري. الموت دائمًا على عتبات بيوتهم التي أغلقها النظام.

صباح، التي لا تزال تشارك بانتظامٍ في اجتماعاتٍ علنية حول المفاوضات بين النظام والمعارضة، شجاعةٌ، وتقول لا عودةَ إلى الوراء. وتضيف: “لا يمكننا أنْ نقبل الأسد كرئيسٍ بأي حال، أو أنْ نعود تحت سيطرة قوات الأمن”.

ارتعبَت النساء في إحدى الصباحات الباكرة، الأسبوع الماضي، مما بدا أنه هجومٌ كيميائي آخر. نصف نائمة، وغير واعيةٍ بما قد حدث، فتحت صباح نافذة غرفة نومها، مما سمح بدخول الأبخرة السامة، كان على صديقاتها أنْ ينقلوها بسرعةٍ إلى المستشفى لتزويدها بالأكسجين، لكنها الآن في طور الشفاء.

 

اسم المقالة الأصلي In Syrian ‘epicenter of suffering,’ women model resilience
الكاتب ميس الزعبي ودومينيك سوغيل، Mayss al-Zoubi and Dominique Soguel
مكان النشر وتاريخه كريستيان ساينس مونيتور، The CHRISTIAN SCIENCE MONITOR
رابط المقالة https://www.csmonitor.com/World/Middle-East/2018/0123/In-Syrian-epicenter-of-suffering-women-model-resilience
عدد الكلمات 1436
ترجمة أحمد عيشة

 

مقالات ذات صلة

إغلاق