أدب وفنون

النازات ماءً ثقيلًا، الحانيات على الغياب

 

حارسة آبار البرية وراعية الغيم:

ينحدر الجبل في الجنوب مثل أفعى كبيرة، صوب بحيرة خاتون، يحد البرية هذه السراب من كل الجهات والخيالة والذاهبون إلى شأن القبائل والعشق الكتوم في سيرة البدو الأشاوس، لكأن الحياة تليق لوحشتها ووحدتها بالسحالي والدواب وبقايا الشياه النافقة في الممشى الطويل، عقب محل أجدب الأرض وأغضب السماء، وأبقى على خيط رفيع يربط بين الله والدعوات التي تبتلعها ريحٌ حادة الحر، ولدت من زواج جحيم بأرملة الأمنيات. تتناثر البيوتات السود، لها لغة واحدة هي الحداد، أما اللغة الأم لغة السر فلها شأنٌ آخر وميعاد آخر، في الليل يرتفع الدخان وصوت الرباب ورائحة هال خفيف ودنة نجر، وأحاديث أسطورية عن أناس لا يفصل الجمعَ الحاضر عنهم تاريخٌ طويلٌ، لكأن جزءًا من التحايل على الحياة يكمن في الكذبة الناعمة، حين تحرض على البطولة وتدفع الفارس إلى أتون التهلكة أو إلى نجاة دائمة، حيث الغنائم واستثمار الفوز في المكاسب وحب البنات والشعراء!

حارسة آبار البرية توقظ نارًا كبيرةً في الجوار، لتهب إليها كل مخلوقات السهل الممتد بين جبل ومدن، مدن جاءت على عجل لتكون شخصًا ثريًا بنفسه في الرواية وحاجةً أخرى، تسند أسطورةً تتشكل عقب الجوع وشتات الناس والدواب، وهم ينفرون إلى وحوش، لم يألفوها ليقتلوها، أو ينتصروا عليها كما في قصصهم التي تنتهي بالانتصارات، تقول حادية الغيم المتمنع: الماء يغور والناس رحيلٌ والنار كبيرةٌ، ولا وجه نعرفه للسماء، ولا أفق نشد إليه رواحلنا. تنام الخلائق جميعها، تنام في كهف الخديعة، ربما أحد ما يمسك يد الحارسة، أحدٌ بطلٌ يبصرها وقت حلم بنهر، ترده السهول ويرتفع على ضفتيه شجرٌ قديمٌ، يذكّر الأهل بالذي كان: المراعي، اللقاءات تحت شبابيك العتمة، عواء الذئاب، غفلة الرعيان، أعراس الجان، والغرقى الذين استبسلوا في الرحيل ولوحوا تلويحتهم الأخيرة.

ذئبة سنجار الطويلة:

يصحن بالذئب: “يا ذيب”؛ فيأتي عواءٌ طويلٌ من نهايات جبل، كأنه بحة أحد يعرفنه، هن لا يخطن الخوف، بل يدفعن الصغار إلى جوف الليل، حيث ترتع الغنم، وعاشقٌ مغامرٌ يهز مرس بيت الشعر من عزمه، من قرب وتد أقرب إلى الخلاء، وأبعد من “حرملك” القرب منه تهلكةٌ مؤكدةٌ، البدويات سليلات زوابع، لم يمنعننا من علاقة مشبوهة بها، ما كنا نرى “فتيلةً” غباريةً، إلا نذهب إلى جوفها، كان الآباء يقولون: يسكنها الجان، وتقول البدويات: تسكنها الجنية الجميلة، وستأخذكم في سفر بين سماء عالية وأرض خضراء. وكلاهما: السماء العالية والأرض الخضراء، علامتان غائبتان، حين تنزل الشمس كثيرًا ويرتفع الغيم وتصبح البلاد صفراء مثل مصل جريح. كنا نصدق كل ما تقوله النسوة الطاعنات في القسوة، ونكذب آباءنا.

في صيد الذئبة أيام البرد مرجاة نسوة، يتناهبن أعضاءها، قلبها، مخلبها الفاتك، كبدها، نابها، والأهم هنُها، يصررن العضو في تميمة أشبه بالسحر مع نبت صحراوي، يقلن: “للأمان والرجال خوانون ومزواجون”، وما يأتي من ذئبة ماتت جائعة، أو فتكت بطليان وانتزعت حناجرها ولم تظفر بوجبتها هانئة، سيكون دريئةً عن عين جائعة لا تنوس قريبًا من الجميلات، وهن يتعطرن بما يلفف مع عضو الحيوان من عشب يقال: بعضه من بلاد الهند، وبعضه من بلاد السند، وبعضه يربى نادرًا قرب مساقط المياه والشعبان المؤقتة وشبه الأنهار والآبار المعطلة عن الحياة.

البدويات بكل ما أوتينا أنفةً وبأسًا وحرارةً هن نزوفٌ صغيرةٌ تغذي سيرة الصحاري، وبطش القبائل فيما بينها، والبدويات مهيجات الشهوة بحيائهن، والبدويات أخوات الهيجا، منهن العماريات والنواحات، والنعايات، وقاطعات الضفيرة على أخوتهن وأزواجهن والحسن من القوم، ومنهن الحلابات يجلبن الحليب الطازج والماء، وسمين “الورادات”، ومن لا يرد وردهن يبقى عطشًا وحنينه أبدًا إلى بئر ومنقع ماء للدواب والقطا والعابرين، من فاته أن يكون هناك، سيكون مثل “أنا” مثلومًا كسكين وهشا كقش وغامضًا مثل زوبعة خريفية، اختبأ فيها المغامرون وسافروا إلى البعيد!

رفوف القطا قرب نزيز الماء:

قريباتٌ من الأصفر الكاكي، ويمكثن في الأزرق القليل، تظللهن السماء وماء الشتاء الضنين، إذ ترأف المنحدرات والسلوع بهن، والشعبان شبيهات الأنهار، (توني) البدويات حول بيت الشعر مخافة غدر المياه، ولا يبتن في السهل، وإذا ما أخذ الوحش منهن أحدًا؛ كن الصبورات صبر الجمال والصامدات صمود الجبال، وإذا ما حرضن على القتال؛ كن يطلبن الفارس إلى أخلاقه، فلا فجور في الخصومة. ومن شذ عن الرف؛ يسألن عن أمه وما فعلت، فلعل النطف اختلطت وبارت البيضة، فأعطت ما أعطت من الرجال أو شبه الرجل خنيثًا، عاقًا، ومتخلفًا عن الظعن السائر إلى حياة القساة!

يرمي فارسٌ التحية على فتنة البدو، قرب موضع ماء، كلامًا فيه موسيقا، كلوفًا وعطوفًا، بينما نظره في رف قطا يطير من الجنوب إلى الجنوب، الوقت وقت حنطة، والطائر الذي سيدرج إلى الرواء سيأخذ حصته من الحب والحب، أما فتنة تنظر في قلب الفرس وعينيها الواسعتين، فإن رأت خفقًا ورفة عين متعبة؛ قالت: جئت من بعيد وحرب يا فارس، فأين قتلت وأين، وهلّا ارتجف قلبك وارتعشت يدك على سيفك، فيقول الفارس: يا بنت، إنما أنا طلاب حق، واقفٌ على تخومه، فإن ارتجف قلبي، وارتعشت يدي؛ قلت هي علامةٌ، فألكد فرسي، وأصيح بمن معي، وأقفل. فإن كان الليل؛ قلت: “الصباح رباح”، وقلت: “كل مطرود ملحوكـ”. يحط سرب القطا بعيدًا فله فراخٌ يبعد عين الصياد عنها، تتعلم البدويات من الطائر درجه في الموسيقى وحيلته، وحب فارس جاءت به فرسٌ تعوبٌ، يروم الماء وعينه إلى مرتفع حيث تبيت الطيور الحرة، وحيث تمر ذئابٌ، وحيث يشرف القلب على سهل فسيح، تنام فيه الخلائق شاردةً إلى نجمتها، ملكها الوحيد في هذا المشاع!

الربابة زاجل البيد ومقام البين:

البدويات نشيدٌ طويلٌ على وزن وتر واحد، تئن الروح المهيأة من خشب وجلد ماعز وشعر من ذيل فرس شموص، الشاعر وحده بهذا الكائن يحوّل ليل البداة إلى حكاية، ويأتي بالرسالة ويأخذها، قد لا يفصح عنها فيرمي إليها، واللماحون هم الوحيدون يلتقطونها، فإن جاءت بخير، ردت بمثله، وإن حملت شرًا أخذت شرًا، والربابة زاجل البيد ومقام الشجن والبين، يجتمعن البدويات في الشاعر والوتر، ويندبن العاشق والفارس والابن والزوج والغائب، ثم ينسجنَ من الغبار القديم، الزوابع، حكايات الجنية، العطش المستديم، حكايات جديدة لغياب جدد، ذهبوا في دائرة الريح ولم يعودوا، تنزف البدويات الأغنيات، إذ يضيق الوتر ويعمى الشاعر في طريق العودة!

مقالات ذات صلة

إغلاق