هموم ثقافية

ترويض الصورة السينمائية

 

لم يكن بحسبان الأخوَين لومير الفرنسيين، أن اختراعهما المذهل في تحريك الصورة، سيكون القيمة المكثفة لكافة الفنون. يخيّل إليّ أنهما قد لعبا لعبة تقنية خالصة، وهذه اللعبة قد غيّرت وجه العالم؛ فقد تجسدت هذه الصورة الواقعية للوهلة الأولى اختراعًا مدهشًا، ثم ما فتئت أن تم تحميلها وتجسيدها في دلالات ووظائف لا نهاية لها.

من الصورة المذهلة إلى الصورة المدهشة إلى الصورة ذات المغزى، حمّالة الأوجه، فنًا وإبداعًا وتوثيقًا. ومن التوثيق لما حدث ويحدث، واعتقال الزمن في صندوق، وعلى شريط خامٍ صامت، ما إن تضعه على آلة العرض حتى تدب فيه الحياة بكل المشاعر والمعاني. ومن التوثيق واقعيًا إلى التجسيد دراميًا، لكن ثمة صنوف وعقول واحتياجات في الحياة، تترقب هذا المولود المدهش، لتوظفه في كل ما يخطر في بال. ومن التوثيق الفج إلى الفن الرفيع، إلى كل ما تحتاج إليه الحياة من الصورة، الصورة التي تشبه الحياة تمامًا.

العلم لم ينفصل عن هذا الاختراع الفريد كونيًا، ولم يقف متفرجًا، بل جعل هذه الصورة أكثر واقعية، عندما تدرج في اختراعات مساعدة لها، من انتقال حركة الصورة الأولية (8 صور/ الثانية)، حتى أصبحت الصورة الطبيعية التي ترى فيها عين الإنسان (24 صورة/ الثانية). ثم واصل العلم إكساء هذه الصورة الصامتة بالأبيض والأسود، لتصبح بألوان الطبيعة/ الحياة، والصوت ومؤثراته المتعددة.

لم يتوقف العلم والعلماء، بحيث واصل في تطوير وتنمية هذه المولود، وخلال نصف قرن، لتصبح الصورة في كل بيت، عن طريق شاشة ساحرة اسمها التلفزيون. وهنا بدأت الثورة الثانية لهذه الصورة المتحررة من جمود الفوتوغراف: ثورة حملها الأثير على شكل موجات، تشبه المذياع الذي كان الوسيلة الوحيدة التي يلتف حولها الناس أثيريًا. وبالتحالف مع العلماء، شارك أساطين الإعلام الذين كانوا يتمركزون في الصحفية والمذياع، ليحوز التلفزيون وصورته السينمائية المركز الأول، في الاستحواذ على الجمهور، كإعلام وتسلية وإدهاش، وتواصل بين الجماهير. الصورة السينمائية، قبل نهاية قرن من عمرها، تستحوذ على أفئدة الناس، وأصبحت عاملًا مقنعًا في المرتبة الأولى لهم، في المعلومة والرفاهية.

توالت الاختراعات العلمية، وثورة تكنولوجيا المعلومات، لكنها بقيت مأسورة للصورة المتحركة/ السينما؛ كونها ساحرة وواقعية ومقنعة ومضللة، وتمكن الإعلام -من خلالها- من أن يقوم بثورته الجديدة/ ما بعد الإعلام المكتوب، الذي كان مقتصرًا على المطبوعات، والمحكي من خلال الإذاعة. جاءت الصورة تحمل دلالات خفية وظاهرة، لتجعل الإعلامَ قائدَ الكون الأول.

ولأن الفن السينمائي الدرامي هو المطور الأول لمعنى الصورة؛ لم يوفر الإعلام وقتًا، فاستفاد من كل تفاصيل درامية الصورة، لتصبح في خدمة الإعلام وأفكاره الإيجابية والمدمرة معًا، وكأنه في حالة تربص في تطوير القيمة الذهنية والفنية للصورة، كي تصبح هذه الصورة المتحركة الأداةَ الأولى في لعبة الأعلام الكونية.

قيمة الصورة والسيطرة على بثها وإدخالها كل بيت، ثم في كل كف إنسان، في جهازه المتحرك: الموبايل. لذلك يمكن وضع عنوان وبحث خاص عن دور استخدامات الصورة الدرامية، وليس الصورة في الإعلام وحسب. فكلما تماهى الفن وعباقرة أصحاب المخيال الصوري، من فنانين ورسامين وغيرهم؛ سطى الإعلام على كل ذلك، وتم استعارته، من تشويق وإبهار، ولعبة المونتاج، والمؤثر الصوتي، والألوان والدلالات وغيرها. جميعها كانت في خدمة التقارير والأخبار الإعلامية، والترويج للأفكار والأحداث، وربما يتم خلق كل ذلك من العدم، من دون أساس لذلك.

اختلطت سلطة الفن السينمائي للصورة المتحركة، مع سلطة الإعلام، مع سلطة السياسي، ورجال الاقتصاد، والعسكر، حتى العصابات أصبح لها حصة في هذا المخلوق الجديد، الذي لم يزد عمره عن مئة عامٍ ونيف.

لقد أصبح للسينما/ الصورة المتحركة، مواقع خارج وظيفة الفيلم السينمائي صاحب المتعة والإدهاش، ليصبح له أمكنة مظلمة ومضيئة، كالعلم تمامًا، كاختراع الديناميت الذي بواسطته تم تفجير الجبال للحصول على الحجر لإعمار الكون، وفي الوقت ذاته، الديناميت ذاته هو الذي يقوم بتدمير الإعمار في الكون وتشريد وقتل الناس أيضًا.

الحديث عن درامية الصورة وتأثيراتها في/ على رأي الجمهور، يحتاج إلى بحث مستقل، في استخدامات لا حصر لها. الصورة لم تبق ضمن إطار التلفزيون بل هناك كل صنوف “الميديا” الصورية كـ (يوتيوب) ووسائل التواصل الاجتماعي. واحتلت الصورة السينمائية مكانًا في الأرشفة وأبحاث التاريخ والمكتبات المصورة، والطب والرياضة والإعلان، والكثير الكثير.

ربما نستطيع القول إن الحياة، وعلومها وإمكانية اكتشافاتها واختراعاتها الجديدة، أصبحت مستحيلة خارج ثورة السينما بصورتها المتحركة الساحرة. باعتقادي، أستطيع القول -بالرغم من كل ذلك- إن الصورة السينمائية ما زالت في مرحلة الطفولة، وثمة نضوج أكثر وأكبر قادم، من الصعب تخيله. ويمكن القول إن الصورة قد توحشت، وحان ترويضها، من خلال ثورة جمالية إنسانية معقدة.

مقالات ذات صلة

إغلاق