هموم ثقافية

عقبات على طريق التنوير

 

“لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان”

قاعدة ذهبية في أساس كل طريقة أو منهج في البحث أو في التفسير أو في التأويل، كان يمكن أن تكون دليلًا ومنهجًا لفقهاء اليوم، على اختلاف مشاربهم، من أجل إعادة النظر في فهم وفي تفسير وفي تأويل النصوص التي تجري قراءتها اليوم، بمعزل عن زمانها ومكانها، اعتمادًا على نهج من قاموا بفهمها وبتفسيرها، في ضوء ما كان عصرهم يمليه من ضرورات واعتبارات.

ذلك لأنها قاعدة فقهية عريقة وجوهرية، كانت قد وضعت من أجل الاستجابة لما كان تطور الدولة الإسلامية، وتعدد الشعوب التي كانت تنضوي تحت رايتها، يفرضانه في فهم وتأويل النصوص الأصولية الأساس، مع الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الأزمنة التي كانت تُقرَأ خلالها هذه النصوص أو تُستَجوَبُ مضامينها. كانت هذه القاعدة، حتى قبل صوغها على هذا النحو، منذ عصر النبوة وعلى امتداد عصور الإسلام الأولى، دليل الفقهاء والعلماء في تأويل النص القرآني أو النصوص المنسوبة إلى رسول الإسلام. وكانت كذلك حجر الأساس في هذا البناء الهائل الذي أسهم خلالها كبارهم، على اختلاف طبقاتهم وأماكن تواجدهم، في رفعه وفي توطيده، ولا سيما على صعيد المنهج أو الطريقة في استخراج الدلالات أو استنباط الأحكام. وما دامت تربط التغيير بتغير الزمان، فلا بد أن مصدرها الأساس كان ما عُرف في الدراسات القرآنية تحت عنوان “الناسخ والمنسوخ” الذي لا يمكن فهمه -والحق يقال- بمعزل عن، أو في غياب مفهوم الزمان.

إلا أن هذه القاعدة، شأنها شأن كثير من نتاج هذا البناء من القواعد والأحكام الصريحة والواضحة، تعرضت لما لا يحصى من محاولات الشرح والتأويل، بل إلى سوء الفهم أيضًا، وصولًا إلى تناسيها أو تجاهلها أو طمسها. لا غرابة، في هذه الحال، أن نقرأ لباحث جامعي معاصر، وهو يقدم بين يدي دراسة تشريعية تاريخية ونقدية في ألف صفحة، كيف أنه، وهو يباشر العمل فيها، كان بين مخافتين: إما إغضاب الجامعة، إن لم يصنف بما ينتهي إليه فيه جديدًا في العلم، وإما أن يغضب بعض رجال الأزهر، إن خالف فيه القديم كما يفهمون القديم أو كما يتصورون مخالفته.

ولعله كان على حق في كلا المخافتين، لا سيما أنه، على هدي من سبقه، لن يغامر بالتعرض للدلالة الأساس في ثيمة “الناسخ والمنسوخ” في القرآن، موضوع دراسته، بل سيعرض الكيفية التي قرأها وفسرها بها مختلف الفقهاء على مدار العصور، نظرًا إلى أنَّ أحدًا ممن قارب القرآن تفسيرًا أو تأويلًا أو بحثًا، لم يتوان عن الكتابة فيها، وأنَّ ما وصلنا من مخطوطات وكتب حولها على كثرتها المذهلة، يكاد لا يمثل إلا غيضًا من فيض عددٍ لا يحصى من الكتب التي تناولتها، ولم نعرف إلا بعض عناوينها بعد فقدانها.

لن يغامر إذن في الحديث عن دلالة النسخ في القرآن، على صعيد غرضها التاريخي أو الزماني، مثلما لم يغامر أحدٌ من قبله في الحديث عنها، على الرغم من إقرار وتطبيق القاعدة الفقهية، التي لا تخرج في مبناها عن هذه الدلالة، حول ارتباط تغير الأحكام بتغير الأزمان. هل يمكن ألا نرى، في هذه الحالة، وجود رابطة بين مفهوم الناسخ والمنسوخ -وهي رابطة ذات علاقة بالزمان- وبين هذه القاعدة التي تربط التغير باختلاف الأزمنة؟ ألا يجب أن نبحث في الكيفية التي فهم بها معاصرو الرسول ما شهدوه، خلال ثلاثة وعشرين عامًا دام فيها الوحي القرآني، من الآيات المنسوخة والآيات الناسخة؟ ألا يمكن اعتبار هذه القاعدة دعوة لإعمال مفهوم النسخ القرآني نفسه في طريقة فهم أو تأويل الآيات غير المرتبطة بأسس العقيدة والإيمان، بقدر ارتباطها بشؤون الناس الدنيوية؟

المشكلة أنَّ عددًا كبيرًا من الفقهاء التالين سيبتعدون كل البعد عن الدلالة الصريحة التي تقولها في الأصل، الآية الخاصة بمبدأ النسخ في القرآن: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأتِ بخير منها أو مثلها} (سورة البقرة)، والتي تقول سببه في متنها. يفسر، مثلًا، أحد الفقهاء، وهو القاضي ابن العربي المالكي، في معرض الحديث عن النسخ، وبضرب من القطع، الآية القرآنية: {اليوم أكملت لكم دينكم} (سورة المائدة) على أنها تقول: “اليوم أكملت لكم الفرائض وانقطع النسخ”. في حين يذهب عالم مفسر آخر هو أبو مسلم الأصفهاني، إلى إنكار مفهوم النسخ من أساسه، حين يفسره على أنه مظهر لتبدل علم الله الذي {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} (سورة فصلت)، وأن النسخ بما هو إبطال، لا يمكن أن يَرِدَ على أحكام قرآنية.

كان إنكار مفهوم الناسخ والمنسوخ كليًا، وكذلك المضي في تفسيره تارة بالنقل وتارة بالإبطال أو بالتبديل أو بالتحويل، يؤديان بالضرورة إلى إنكار دلالته الزمنية التي تنبّه إليها أول من تنبه صحابة الرسول الأقربون، (وربما ذلك ما يفسر ما نراه حرية في فهمهم وفي تأويلهم النص القرآني، أو في تطبيق أحكامه) والتي وجدت من بعد تعبيرًا عنها في مفهوم آخر، تمثل في القاعدة الفقهية حول تغير الأحكام بتغير الأزمنة. وهو ما أسهم بصورة حاسمة في جعل مجمل البناء الفقهي مرجعًا لازمنيًا، بدا، على زمنيته البنيوية الأصلية، كما لو تم تحنيطه، ليكون مصدر كل فهمٍ يتم اليوم، لنصوص تعود إلى أربعة عشر قرنًا، وكانت في زمنها تستجيب بصورة ثورية إلى متطلبات مجتمعها.

كانت هذه الضروب من التفسير ومن التأويل، التي تلت العصر الذهبي الذي عرفه الفقه العربي الإسلامي، وراء ما عرفه العالم العربي خصوصًا، ومنذ الانهيار السياسي والثقافي للعواصم الإسلامية في بغداد ثم في قرطبة، من جمود وكسل شمل مجمل الفعاليات الثقافية والفكرية. وهو جمود لا يزال حتى اليوم، طابع معظم الدراسات والاجتهادات، في فهم وفي تفسير التراث الفقهي العربي الإسلامي. لكن الأخطر من هذا الجمود أنها أدت في الوقت نفسه، إلى صعود ورسوخ سلطات تنهل من معينه خارج إطار الدولة والسياسة، مؤلفة بذلك سلطات موازية، أو مرتبطة بهما مباشرة، بعد أن استحوذت على الشأن الديني، وأسست رقابة فكرية صارمة سرعان ما تجسّدت، تارة في شكل جماعات دينية ذات طابع سياسي، أو في أحزاب سياسية، تتخذ من الدين غطاءها أو رسالتها.

كما نرى، ليست المشكلة هنا حتى في محاولة قطيعة معرفية مع التراث أراد محاولتها، من قبلُ، عددٌ من مفكري التنوير من العرب خلال القرنين الماضيين، بل في تفعيل قاعدةٍ، كان يمكن لها أن تصل الماضي بالحاضر بصورة إبداعية، متيحة إمكانات القطيعة المعرفية مع جانب أساس من هذا التراث كان وراء هذا الجمود.

مقالات ذات صلة

إغلاق