ترجمات

مركز كارنيغي/ موسكو: كيف كان عام 2017 بالنسبة إلى السياسة الخارجية الروسية

القوات الروسية في قاعدة حميميم. الصورة: ميخائيل كليمينتييف/ الخدمة الصحافية للرئيس الروسي/ وكالة تاس.

سيُذكر عام 2017 في تاريخ السياسة الخارجية الروسية بأنه كان عام اختراقٍ في الشرق الأوسط، وعام تعمق المواجهة مع الولايات المتحدة الأميركية والغربة عن أوروبا، عام تقدمٍ تكتيكي في آسيا، وعام ثبات الواقع الراهن في المناطق ما بعد السوفييتية. في هذا العام، تمكنت روسيا من توسيع آليات سياستها الخارجية، ولكن يبقى الفارق شاسعًا، بين نطاق السياسة الخارجية وإمكانات الاقتصاد الروسي المحدودة، كما في السابق.

تميز عام 2017 من تاريخ السياسة الخارجية الروسية، بتحقيق نجاحاتٍ كبيرة وبخيبات أملٍ، على حد السواء. وكان النجاح الأوضح للسياسة الخارجية الروسية إتمام المرحلة الأساسية من العملية العسكرية في سورية. وعلى عكس الكثير من التوقعات التي وزعت بسخاءٍ خريف عام 2015، لم تتورط موسكو في “أفغانستان شرق أوسطي”، ولم يلحقها العار على أرض المعركة، ولم تتعرض لخسائر ثقيلة في العناصر والعتاد، كما لم تتحول إلى مسرحٍ لعلمياتٍ انتقامية إرهابية مكثفة. وفي الوقت نفسه، لم تفقد القدرة على لعب دور رسول السلام، بين الأطراف المتصارعة.

على العكس من ذلك، كانت العمليات الحربية متناغمةً مع الجهود الدبلوماسية. واستطاعت قيادة البلاد السياسية التنسيق بينهما بشكلٍ فعال، لتتمكن من إقامة تحالفٍ غير مسبوق مع إيران وتركيا، وعلى التوازي تعزيز التعاون مع المملكة العربية السعودية والأردن، مصر و”إسرائيل”.

وهكذا، تم بنجاح حل ليس فقط المهمات القريبة: أي الإبقاء على بشار الأسد في السلطة، ومن خلال ذلك، المحافظة على وحدة وسلامة الأراضي السورية، إضافة إلى تحطيم القوة القتالية للمتطرفين (تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش)، ولكن تم أيضًا حل مهمات من المستوى المتوسط المدى، تمثلت بعودة روسيا إلى الشرق الأوسط كلاعبٍ مؤثر، وأخيرًا الوصول إلى الهدف الرئيس للعملية برمتها: تعزيز وضع روسيا كدولة عالمية عظمى.

في التسعينيات من القرن الماضي، أكد القادة الروس أن روسيا، حتى بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، ستبقى دولةً عظمى. ولكن الآن فقط، أصبحت تلك التأكيدات حقيقةً تحظى باعترافٍ عام. قبل وقتٍ قريبٍ نسبيا، تحدث الرئيس الأميركي السابق باراك أوباها بتحفظٍ عن روسيا كدولةٍ إقليميةٍ. والآن، يُنظر إلى هذه التصريحات بسخريةٍ، حتى في الولايات المتحدة الأميركية نفسها. على الأرجح، أصبحت روسيا بالفعل دولةً إقليمية، والآن أيضًا في الشرق الأوسط والأدنى.

الاتجاه الغربي

من النجاحات إلى خيبات الأمل. فالآمال التي عُلقت على رئيس الولايات المتحدة الأميركية الجديد دونالد ترامب لإغلاق ملف المواجهة، والشروع بإبرام اتفاق شامل مع روسيا، على أساس المصالح القومية المتقاطعة بين البلدين، اتضح ليس فقط أنها انهارت، بل حل مكانها توقعات أكثر قتامةً، بشأن مستقبل العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية.

عام 2017، أصبحت روسيا عاملًا من عوامل السياسة الأميركية الداخلية، التي تمر في الآونة الأخيرة بأصعب أزماتها. وهذا الوضع يجعل من غير الممكن -عمليًا- تحسين العلاقات في عهد الرئيس ترامب، مهما طالت فترة رئاسته. والآن، على العكس من ذلك، أصبح الحديث يدور عن تدهورٍ آخر في العلاقات.

فتحقيقات المدعي العام الخاص روبرت ميوللر، الهادفة إلى البحث عن أثر الخيانة القومية في تصرفات ترامب وفريقه، تثير في الولايات المتحدة الأميركية مناخًا نفسيًا، دفع الكونغرس إلى توسيع العقوبات المفروضة على روسيا، كرد انتقامي من التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية، في حين تصور وسائل الإعلام روسيا كأسوأ عدو لأميركا، حتى أكثر من الاتحاد السوفيتي في أيامه. في ظل هذه الظروف، لن تؤدي جهود الرئيس بوتين الهادفة إلى إقامة علاقاتٍ خاصة مع ترامب إلا إلى نتائج جد متواضعة.

كما أصبحت أوروبا خيبة أملٍ أخرى بالنسبة إلى روسيا. فالانتخابات الفرنسية لم يكسبها المفضل لدى موسكو: فرانسوا فيون، بل رجلٌ آخر لا يكِنّ الكثير من الود لموسكو: إيمانويل ماكرون. وبهذا تكون آمال موسكو في أن تصبح باريس عاملًا مساعدًا في إضعاف، ومن ثم رفع العقوبات عن روسيا، قد تبخرت تمامًا. عدا ذلك، اكتسبت السياسة الخارجية الفرنسية في ظل حكم ماكرون ديناميكيةً، تجعلها عامل تباعدٍ أكثر مما هو عليه الوضع الحالي بين موسكو وباريس.

العلاقات الروسية-الألمانية، التي يُنظر إليها كأحد حصون الاستقرار في القارة الأوروبية، تسودها ديناميكيةٌ مماثلة، إذ تحولت إلى عامل توترٍ وريبةٍ متبادلة. وأصبحت أوروبا اليوم -باستثناء جناحها الشرقي-  تهم روسيا بدرجةٍ أقل من أي وقتٍ مضى. وبالنتيجة، لم تتمكن موسكو من موازنة الحصار الفعلي الذي تفرضه الولايات المتحدة الأميركية، بنشاطٍ إيجابي على الاتجاه الأوروبي.

يعود السبب الرئيس لفشل العلاقات مع أوروبا إلى استمرار النزاع المسلح في الدونباس وعدم قدرة الأطراف حتى على تأمين وقف إطلاق النار على خطوط التماس. من الواضح، أن القصف المتبادل بين الجانبين الذي يتسبب بسقوط الضحايا بين المدنيين لا يناسب موسكو، بل على العكس يعزز موقف كييف كـ “ضحية العدوان”. وقد أدرك فلاديمير بوتين هذا الأمر، وربما، قد يكون توصل إلى قناعةٍ بعدم واقعية تغيير السلطة في أوكرانيا، بشكلٍ يصب في مصلحة الكرملين. ولهذا تقدم بمبادرةٍ لإشراك قوات حفظ الأمن تابعة للأمم المتحدة إلى المنطقة. ولكن، وكما كان متوقعًا، رفضت أوكرانيا والولايات المتحدة الأميركية فكرة تجميد النزاع وفق النموذج القبرصي. أما المحاولات الأوروبية لتعميم فكرة بوتين على كامل منطقة النزاع، فقد جاء رفضها من الجانب الروسي.

ربما تكون موسكو قد أصبحت تفهم، على نحو أكثر وضوحًا، أن خروج أوكرانيا من منطقة النفوذ الروسي وتوجهها صوب الغرب هو أمرٌ واقع، له نتائج عدة، من بينها نتائج إيجابية بالنسبة إلى موسكو (توقف الإعانات التي تقدمها موسكو لكييف منذ سنوات طويلة، استبعاد ابتزاز أوكرانيا لموضوع الغاز). وفي الوقت نفسه، فإن اللحظة التي ندرك فيها أن وجود عداوة، تطول إلى أمد غير معروف، مع دولةٍ جارة يبلغ سكانها قرابة 40 مليون، وتطالب باستمرار بإنهاء الاحتلال والتعويض عن الخسائر والأضرار، لن تكون قريبةً. وفي الوقت عينه، فإن هذا الإدراك هو ضرورةٌ مطلقة لنفهم ما يلزم، وماذا يمكن القيام به في علاقتنا مع أوكرانيا. ويبقى علينا فقط أن نؤكد: إذا كانت سورية قمة السياسة الروسية الخارجية؛ فإن أوكرانيا، بلا شك، هي قعرها.

الاتجاه الشرقي وفي مناطق ما بعد العهد السوفيتي

على خلفية النجاح الباهر وخيبات الأمل المريرة، لا تبدو بقية اتجاهات السياسة الخارجية الروسية مأسوية إلى هذه الدرجة. فالتحالف الجيوسياسي الروسي–الصيني يزداد صلابة، إذ إنه مبني على أساس طموح بكين وموسكو المشترك، والهادف إلى إقامة نظامٍ عالمي جديد، متعدد الأقطاب. ففي حين تستمر الصين بالحصول على إمكانات متطورة للوصول إلى موارد الطاقة والتقنية العسكرية الروسية، فإن موسكو تنسق مواقفها مع بكين، في الأزمة المثارة حول برنامج كوريا الشمالية الصاروخي-النووي.

في الوقت نفسه، يتقدم التعاون الاقتصادي الواسع بين البلدين بسرعةٍ غير كافية، لأن تجاوب الجانب الروسي مع المقترح الصيني، بشأن مشروعها المسمى” الحزام والطريق”، لم يكن إيجابيًا بالدرجة الكافية، في حين يزداد عدم التناسق بين الصين المفعمة بالديناميكية، والتي تكتسب قوةً كل يوم، وبين روسيا التي لم تطلق بعد استراتيجيتها للتطور الاقتصادي والعلمي-التقني.

وما زالت عملية صياغة الاستراتيجية الأوراسية الكبرى لموسكو تسير بصورةٍ غير منتظمة. فتعزيز العلاقات بين موسكو وبكين يتم على التوازي مع جمودٍ طال أمده في العلاقات الروسية-الهندية. وبلا شك، كان انضمام الهند وباكستان في عام 2017 إلى اتفاقية شنغهاي للتعاون خطوةً مهمةً على طريق إقامة نظام أوراسيا الكبرى الجيو-سياسي والجيو-اقتصادي، غير أن عملية توسيع منظمة شنغهاي للتعاون ما تزال تبدو، حتى الآن، عملًا رسميًا، أكثر منه عملًا حقيقيًا يقوي المنظمة.

ومن ناحيةٍ أخرى، يجب تهنئة موسكو على تمكنها من إدارة الأمور مع دلهي وإسلام آباد، في الوقت نفسه. وبشكلٍ عام، يبدو أن سياسة روسيا الاتحادية الخارجية في عام 2017 قد شهدت جمودًا على اتجاه منطقة جنوب شرق آسيا. ربما، يرجع ذلك إلى النقص في الموارد، بما فيها الموارد البشرية، ولكن سيكون من المحزن، أن يستمر الجمود ويبقى الحديث عن أولوية العلاقات مع الهند خطابيًا فقط، وأن تقتصر علاقاتنا مع باكستان على الشؤون الأفغانية.

وبالمناسبة، قامت موسكو عام 2017 بخطوةٍ مهمة باتجاه منطقة جنوب-شرق آسيا، التي تعتبر جزءًا مهمًا من مكونات أوراسيا الكبرى إلى جانب نواتها: دول منظمة شنغهاي للتعاون. كما ساعدت في الأمر قمة الـ 20 (G20) التي عقدت في مدينة (دانانغ) الفيتنامية وقمة أسيان في الفيلبين. ففيتنام بوابة روسيا على منطقة آسيان، حيث الشريك الكبير المحتمل: إندونيسيا. وبالنسبة إلى روسيا، يعدّ الولوج إلى هذه المنطقة، حيث يعيش 500 مليون إنسان، أمرًا مرغوبًا وصعبًا في الآن نفسه؛ بسبب ضعف القدرة التنافسية للمنتجات الروسية، وبسبب نقص الخبرة الروسية بتلك المنطقة من العالم. المهم الآن، بالنسبة إلى روسيا، أن تعزز الرغبة بالإمكانات والإرادة، لتتمكن من تجاوز الصعوبات.

أما في منطقة شمال-شرق آسيا، فإن الدبلوماسية الروسية في عام 2017، إضافة إلى الخطوات المشتركة مع الصين بشأن المشكلة النووية الكورية، قد تابعت الحوار المكثف مع اليابان. وقد فتح هذا الحوار الطريق للاتفاق بشأن مسائل التعاون الاقتصادي، بما في ذلك حول جزر الكوريل*. وإذا أخذنا بالحسبان تطورات الوضع حول شبه الجزيرة الكورية، فإن بالإمكان القول إن موضوع توجه الحوار السياسي–العسكري قد أصبح الموضوع الأكثر أهميةً. وبالتدريج، يتعمق التفاهم المتبادل، بين الرئيس بوتين ورئيس الوزراء الياباني آبيه، وتتعزز الثقة بينهما. عمليًا، اقتربت روسيا واليابان من مناقشة أكثر القضايا حساسيةً في العلاقات بينهما، وهي مسألة الاتفاق السلمي حول الحدود بين البلدين. ويبين الجدول السياسي لموسكو وطوكيو، أن فسحة الوقت المتاحة لحل هذه المسألة تتناقص إلى حدود 2018-2020.

وأخيرًا، تستمر سياسة روسيا الخارجية في العمل على مسائل تكتيكية كثيرة في الطوق المجاور لروسيا الذي نشأ بعد الحقبة السوفيتية. بقي الاتحاد الاقتصادي الأوراسي مفيدًا في عام 2017، ولكنه بقي اتحادًا قليل القيمة، كما هو حال منظمة اتفاق الأمن الجماعي (بين روسيا ودول التحاد السوفيتي السابق، باستثناء دول بحر البلطيق). تتراجع أهمية كومنولث الدول المستقلة (الذي ما زالت أوكرانيا ضمنه رسميًا)، تدريجيًا إلى الدرجة الثانية- الثالثة، أو حتى إنه يتلاشى بهدوء.

في مجال العلاقات الثنائية، تراقب السياسة الخارجية الروسية بهدوء عملية التنويع الهادئة -باتجاه تطوير العلاقات مع الاتحاد الأوروبي- للساسة الحاليين في بيلاروسيا وأرمينيا، محاولةً في الوقت نفسه الحفاظ على/ وتقوية العلاقات الوثيقة مع منسك ويريفان. وتولي موسكو في الوقت ذاته اهتمامًا أكبر بعملية التنوع التي تجري منذ زمنٍ، في كازاخستان وجيرانها في آسيا الوسطى، بما فيهم أوزبكستان.

وسائل جديدة

وهكذا، سيذكر عام 2017 في تاريخ السياسة الخارجية الروسية أنه كان عامَ اختراقٍ في الشرق الأوسط، وعام تعمق المواجهة مع الولايات المتحدة الأميركية والغربة عن أوروبا، عام تقدمٍ تكتيكي في آسيا وثبات الوضع الراهن في المناطق ما بعد السوفييتية. تمكنت روسيا من توسيع آليات سياستها الخارجية، ولكن الفارق الشاسع بين نطاق السياسة الخارجية وإمكانات الاقتصاد الروسي المحدودة، يبقى قائمًا، كما في السابق.

في الفترة الأخيرة، وسعت روسيا بشكلٍ واضح آليات سياستها الخارجية. ففي حين كان يعتقد أن الدعاية ماتت مع الاتحاد السوفيتي، أصبحت الدعاية الإعلامية تشكل أهم مكونات السياسة الخارجية الروسية. وفي الوقت نفسه، تتخذ الدعاية الإعلامية المنبعثة شكلًا جديدًا أكثر ديناميكية.

لا ينصب مجهود الدعاية على إنجازات النظام السياسي، الاقتصاد، العلوم والتكنولوجيا، الثقافة أو الأيدولوجيا والقيم الروسية. كما لا تركز نسخة الدعاية الحالية على الجزء المتعلق بتطور برنامج (أجندة) السياسة الخارجية الروسية. وبدلًا من هذا، كان تركيزها منصبًا على انتقاد مجتمعات الدول الغربية المعاصرة، ولكن ليس من الخارج، بل من الداخل، بخلع الديمقراطية الغربية (كما هي في واقع الأمر)، والتركيز على تشكيل بديلٍ مقنعٍ عبر انتهاج وسائل الإعلام مقاربةً موحدة. وبشكلٍ ما، يذكر هذا النهج بالدعاية الغربية عبر الراديو، التي كانت مشهورة زمن الاتحاد السوفيتي.

ربما يكون التقييم الأكثر موضوعيةً لجهود موسكو الحالية على هذا الاتجاه، هو الخوف من “دعاية الكرملين” الذي ظهر للمرة الأولى منذ كمونترن زينوفيفسكي**. ولم يكن عبثيًا، أن تكون غالبية مواد الجزء المعلن من تقرير أجهزة الاستخبارات الأميركية، حول التدخل الروسي بانتخابات عام 2016 الرئاسية قد خُصصت لإدانة نشاط قناة (RT) التلفزيونية.

الأمر الجديد الآخر، أصبح تنوع علاقات موسكو السياسية. ففي بعض الأحيان، كانت هذه العلاقات مقتصرةً على التواصل مع السلطات الحاكمة والمعارضة المعترف بها من قِبل النظام الأميركي. وقد أصبحت دعوة الكرملين المرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية مارين لي، بين لزيارة موسكو في خضم الحملة الانتخابية، علامةً فارقة على هذا الاتجاه.

يمدّ الساسة الروس قنوات اتصالٍ مع القوى الأوروبية التي تعدّ في أوروبا شديدة التطرف- سواء منها اليمينية أو اليسارية- عبر وسائل الإعلام الحكومية، من دون أن يخفوا ميولهم ورغباتهم في هذه الانتخابات أو تلك، معربين عن استعدادهم للعمل مع كل من يمتلك قدرًا ما من التأثير والنفوذ في بلدانهم.

على الأرجح، اكتسب موظفو الكرملين الخبرة، وهم يرون كيف يتواصل كبار المسؤولين الغربيين مع المعارضة من خارج النظام في الدول ذات الحكم الشمولي. من المعروف، أن التواصل من هذا النوع يرتبط في بعض الأحيان بالدعم المادي، سواء المعلن منه أم السري. إلى جانب تنشيط الدعاية (بروباغندا) التي تخدم السياسة الخارجية، فإن الإطار الجديد للتعامل سبب صدمةً عميقة، في أوساط النُخب الغربية التي غاب عنها، طوال 30 عامًا الماضية، نشاط موسكو السياسي على الساحات السياسية الغريبة.

وأخيرًا، التجديد الثالث، تمثل في مشاركة المواطنين، فرادى أو مجموعاتٍ، غير المرتبطين رسميًا بالحكومة في السياسة الخارجية؛ فقد تحدث فلاديمير بوتين عن “القراصنة الوطنيين”، والذين يعترفون علنًا بوجود متطوعين روس في الدونباس، كما تتوارد الأنباء من سورية عن وجود نشاط لشركاتٍ عسكريةٍ روسية خاصة. هنالك رعاةٌ من القطاع الخاص، لكن تربطهم علاقة صداقة مع السلطات، ينفذون مختلف المشاريع التي تهم موسكو؛ وهناك وسائل إعلامٍ خاصة، ولكنها على علاقة طيبة بالكرملين؛ كما أن هنالك أفرادًا –وإن كان عددهم قليلًا- لا يقتصر عملهم على الإدلاء فقط بتصريحات مهمة بشأن السياسة الخارجية، ولكنهم ينفذون أيضًا مشاريع خارج حدود البلاد، وكل ذلك باسمهم فقط!

يتيح التوسع في آليات سياسة روسيا الخارجية إمكانية تنفيذ الأعمال من دون أن تتحمل مسؤوليتها رسميًا. وفي هذه الحالة، ربما، تقوم القيادة الروسية، بشكلٍ أو بآخر، بتنسيق نشاطاتها، متبعةً في ذلك ليس النموذج السوفيتي، بل النموذج الغربي المعاصر، مع كل تعدد لاعبيه، العاملين أحيانًا في مجال السياسة الخارجية، يدًا بيد مع السلطات الرسمية على أساس مبادئ خاصة من قبيل الشراكة الحكومية-الخاصة.

يتعارض نشاط ونطاق السياسة الخارجية الروسية، بشكلٍ حاد، مع إمكانات روسيا المعاصرة ومواردها الاقتصادية والمالية المحدودة. إذا حكمنا من خلال تصريحات رأس الدولة، نجد أن الكرملين يدرك مخاطر زيادة مثل هذه الأعباء المحتمل، فدروس الاتحاد السوفيتي ما زالت حيةً في ذاكرة الكثيرين. وانطلاقًا من المؤشرات غير المباشرة، استطاعت روسيا حصر الحملة السورية في إطار الإمكانات المالية المقبولة. إضافةً إلى ذلك، حصلت روسيا على تعويض مقبول، وستستمر بالحصول على تعويضات لنفقاتها على الحملة السورية، نتيجة ازدياد هيبة روسيا ومبيعات أسلحتها في أحد أهم أسواق السلاح في العالم: الشرق الأوسط.

من جانبٍ آخر، كانت بعض الإجراءات -على سبيل المثال- دعوة لي بين إلى الكرملين تهدف، على الأرجح، إلى القيام بتصريحاتٍ مدوية، أكثر من الحصول على نتيجةٍ محددة. وقد أغضبت أعمال “القراصنة الروس” المفترضة في الولايات المتحدة، النخبَ السياسية لدرجةٍ جعلها تتخذ سياسةً قاسيةً موحدة معاديةً لروسيا، عبر عنه من خلال العقوبات المشددة التي فُرضت مؤخرًا. المشكلة الرئيسية هنا، كما نتصور، تكمن في المبالغة بالأثر التكتيكي والجانب العملياتي للأمر من دون وضع أهدافٍ استراتيجية ودون تحديد سبلٍ لتحقيقها. وفي حقيقة الأمر، لم تظهر هذه المشكلة في عام 2017، بل قبل ذلك.

 

*جزر الكوريل كانت تتبع قبل الحرب العالمية الثانية لليابان، ولكن الاتحاد السوفيتي ضمها إلى أراضيه بعد هزيمة اليابان. الأمر الذي لا تعترف اليابان بشرعيته وتطالب باستعادتها.

 

** كومونترن زينوفسكي: كان زينوفسكي حليفًا لتروتسكي، وطُردا معًا من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الروسي، ومن الحركة الشيوعية العالمية. عام 1924 قبل أيامٍ من الانتخابات البرلمانية البريطانية، اتهمت بريطانيا زينوفسكي بأنه وجّه -بصفته رئيسًا للكومينترن- رسالةً إلى الحزب الشيوعي البريطاني يدعوه فيها إلى تنظيم خلايا في الجيش والأسطول وتهيئة الكوادر؛ استعدادًا للحرب الأهلية في بريطانيا.

 

اسم المقالة الأصلية Каким был 2017 год для внешней политики России
كاتب المقالة ديمتري ترينين
مكان وتاريخ النشر مركز كارنيغي / موسكو. 27 كانون أول 2017
رابط المقالة http://carnegie.ru/commentary/75112
ترجمة سمير رمان

 

مقالات ذات صلة

إغلاق