تحقيقات وتقارير سياسية

هل انتهى التكاذب بين العرب والأكراد في سورية؟

 

ليس واضحًا ما ستسفر عنه -سياسيًا وعسكريًا- المعركةُ الدائرة منذ ثلاثة أيام، بين فصائل من الجيش السوري الحر والجيش التركي من جهة، و(وحدات حماية الشعب) الكردية المنتشرة في منطقة عفرين بريف حلب الشمالي الغربي من جهة ثانية. إلّا أن ردات الأفعال التي سُجلت، خلال هذه الفترة القصيرة، تُنذر بتغيرات عميقة، على الصعيدين النفسي والاجتماعي، وتزيد من حدة التجاذبات والانقسامات العمودية داخل المجتمع السوري، في الداخل والشتات.

ولعل أول وأبرز نتائج معركة عفرين القائمة الآن هي زيادة الشرخ -على أساس قومي- بين العرب والأكراد السوريين، وانتهاء فترة طويلة من التكاذب المتبادل بين النخب السياسية والثقافية السورية، العربية والكردية. هذا التكاذب المتبادل شهد أكثر من محطة، منذ بدء الثورة السورية في 2011؛ إذ نجح أكثر من عشرة أحزاب كردية فاعلة داخل التجمعات الكردية في سورية، في إبعاد حراك شبابي كردي عن مجريات الثورة السورية في طورها السلمي؛ فشكلت في تشرين الأول/ أكتوبر 2011 ما يُسمى بـ “المجلس الوطني الكردي”، وتفاوضت كطرف سياسي مستقل مع المجلس الوطني السوري المُشكَّل حديثًا وقتها للتمثل فيه، كما بدأ المجلس الوطني الكردي يطرح تصوراته الخاصة، بخصوص شكل الدولة السورية العتيدة، تصورات بُنيت على أساس قومي كردي، تتجاوز تغيير النظام إلى تغيير بنية الدولة السورية المستقبلية، كما تطال تغيير اسم الدولة من “الجمهورية العربية السورية” إلى “الجمهورية السورية”، في إشارة واضحة إلى مسعى لتغيير هوية البلاد. وهذه مسائل لا تملك مؤسسات المعارضة: المجلس الوطني السوري ثم ائتلاف قوى الثورة والمعارضة، حقَّ أو حرية البت فيهما بالنيابة عن المجتمع؛ نظرًا إلى ضعف تمثيلهما وراهنية وشرطية دورهما في سياق الثورة، ناهيك عن أن النظام ما يزال قائمًا ومتمتعًا بالشرعية الدولية. لكن الأطراف السياسية العربية والكردية -على اختلاف تلاوينها التنظيمية والفكرية والسياسية- بقيت متساكنة داخل مؤسسات الثورة، دون توافق في ما بينها على رؤية أو برنامج سياسي وطني واحد وشامل.

لكن، ابتداءً من أواخر العام 2011، سرعان ما وجد “المجلس الوطني الكردي” نفسه دون قاعدة اجتماعية، في مناطق تواجد الأكراد في سورية، بعد صعود نفوذ ودور (حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردي في الساحتين الكردية والسورية عامة، حيث ظهرت فجأة إلى العلن، داخل معظم التجمعات الكردية الأساسية في القامشلي وعفرين، شراكة طالت تغطيتها بين نظام بشار الأسد و(حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردي، فرع (حزب العمال الكردستاني) التركي. تمثلت هذه الشراكة في مساهمة عناصر هذا الحزب في قمع الحراك الشبابي الكردي، كما في تجريف أي معارضة له وللنظام، في التجمعات الكردية في سورية. عمليًا، سلّح نظام بشار هذه الحزب وتسامح معه في تشكيل ميليشيا تحولت في ما بعد إلى ما يُعرف اليوم بـ (وحدات حماية الشعب) الكردي، وهي تتلطى وراء اسم (قوات سورية الديمقراطية) بعد أن نصح الأميركيون قادتها بتغيير اسمها، بغية تسويقها كقوة سورية متعددة الإثنيات.

لكن يبدو أن التكاذب والازدواجية، بين النظام وحليفه، انتهى أيضًا بزمن أقصر من انتهاء التكاذب بين أحزاب “المجلس الوطني الكردي” وبقية أطراف المعارضة السورية، إذ حدث تحول تاريخي بين السلطة في تركيا و(حزب العمال الكردستاني)، على إثر توصلهما إلى اتفاق سلامٍ، خرج مقاتلو الحزب بموجبه من الأراضي التركية، بعد عقدَين ونصف من القتال، إلى جبال قنديل في العراق بسلاحهم. ومن جبال قنديل، بدأ مقاتلو الحزب الكردي التسلل إلى مناطق سيطرة فرعه في سورية التي توسعت في هذه الأثناء على حساب النظام، لتشمل معظم مساحة محافظة الحسكة السورية، إضافة إلى منطقة عفرين وعين العرب ورأس العين.

انتهاء مرحلة التكاذب بين النظام وذراعه الكردي في سورية وصلت ابتداءً من عام 2014 إلى ما يشبه التضارب في الرؤى والمصالح، وبخاصة بعد اعتماد الولايات المتحدة الأميركية على ميليشيا (حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردي: (وحدات حماية الشعب) الكردية، إلى قوة أرضية في الحرب على الإرهاب. ومنذ ذلك الوقت بدأت أصوات كردية كثيرة تعلو مطالبة بخلق كيان كردي منفصل، وبدا أن الأكراد في سورية شرعوا في الانفصال نفسيًا عن سورية، وخاصة مع طرح مصطلح (روج آفا) الذي يعني كردستان الغربية، في التداول، كما طرحت خريطة تغطي معظم محافظة الحسكة ومنطقة تل أبيض في محافظة الرقة وكل الريف الشمالي لحلب، وصولًا إلى البحر الأبيض المتوسط.

في هذه المرحلة أيضًا ظهرت لغة جديدة بين الأكراد في سورية، في تسمية وتصنيف المجموعات البشرية، إذ بدأ يشيع استخدام تعبير “سوري وكردي”، بدلًا عن “عربي وكردي”، للإشارة إلى التمايزات الإثنية على أساس قومي في سورية.

الأرجح أن محطة معركة عفرين ستزيد في انفصال الأكراد نفسيًا عن سورية، وبخاصة مع مشاركة قوات معارضة في المعركة، وستساعد في إحراج المتكاذبين، وصياغة اصطفافات جديدة غير متوقعة بين السوريين عامة، لكن على أساس قومي هذه المرة.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق