هموم ثقافية

بيكت وأرسطو/ التنوع كمقياس

 

التنوع ضرورة للحياة، إنه إيقاعات مختلفة تفتح المجال أمام الأمل، بالتالي أمام معنى لوجودنا، فلولا التنوع؛ لكانت الحياة مسارًا واحدًا لا تغيير فيه، وبالتالي لا حاجة إلى أن نعيشه إلى نهايته، يكفي أن نجربه مرة ونموت بعدها؛ فنكون كأننا عشنا كل المسار؛ إذ تصبح الساعة الواحدة والمليار عام، واحدًا.

هذا في الحياة عمومًا، والفن جزء من الحياة، وما ينطبق على الكل، ينطبق على الجزء. لكن كي لا يبدو الكلام مجرد لغو وتأمل عاطفي، لنفكك هذا الكلام قليلًا، هل يمكننا القول إنه لا وجود للفن من دون وجود التنوع فيه؟ حسنٌ، دعونا نتخيل حفلة موسيقية لعازف عودٍ منفرد، يبدأ بضرب علامة واحدة بزمن واحد، ويستمر بضرب العلامة نفسها مدة دقيقة، دقيقتين، خمس دقائق، نصف ساعة… لن أقول ساعة كاملة! لأنني أعتقد أن الصالة ستفرغ من المستمعين، قبل ذلك.

أو لنتخيل راقصَين على الجليد، تمسك الراقصة بيد الراقص ثم تفلتها، ثم تمسكها ثم تفلتها، ولا شيء يُفعَل إلا هذا: تمسك يده ثم تفلتها… لقد خرج الجمهور من الصالة، مرة أخرى.

إذن، التنوع شرط تأسيسي بالضرورة لأي عمل فني –ولأي عمل كان- وإلا؛ فسيفقد العمل أو الفعل معناه وصفته الفنية، إلا إذا كان تكرار الفعل الفني يهدف إلى تنوع من نوع آخر، فمثلًا تعتمد نصوص مسرح الـ “لا معقول” أو ما فوق المعقول، على التكرار، نص كنص (ماذا/ أين؟) لـ صموِئيل بيكت، هو مقطع حواري واحد، يتكرر أربع مرات بشكل حرفي تقريبًا، أين التنوع في ذلك؟ إنه هذا التكرار نفسه، فمن جهة يجعل هذا التكرار من التغييرات الطفيفة –أي التنويعات- التي يجريها بيكت على المقاطع الأربعة؛ يجعلها تغييرات شديدة التأثير؛ فيصبح هذا التنوع هنا هو الأساس لندرته، فهو يشبه انفجارًا بين صمتين.

وهو من جهة أخرى تكرار لم يعتد عليه المسرح، بالتالي يصبح تنوعًا، ضمن نوع فني أوسع هو “المسرح”، ولكن هذا الأسلوب التكراري نفسه -حين أصبح مكرورًا- خرج عنه كتاب أواخر القرن العشرين -أيضًا- كما خرج هو عمّا قبله.

والتنوع في العمل الفني لا يأتي من فراغ على الأغلب، بل من تجربة منتجته أو منتجه، فإذا كان الفن في جزء منه تعبيرًا عن الذات؛ فلا بد أن يزداد تنوعًا بازدياد تنوع تجارب هذه الذات، لذلك ربما يقال إن المعاناة تصنع الفن، فالتجربة الناجحة الواحدة في الحياة -كما في الفن- تحتاج غالبًا إلى تجارب فاشلة كثيرة، بالتالي من دون معاناة الفشل المتكرر وآلامه؛ لن يُطِلَّ النجاح.

هذا كله لا يعني أن التنوع في حد ذاته قادر على النهوض بعمل فني، فقرينه الدائم هو التنظيم، أو ربما الأدق: التوجيه. قال لي المرحوم عادل الزايد ذات مرة، وهو فنان مسرحي: الغريق قد يستهلك طاقة كافية لرفع سفينة كي ينقذ نفسه، لكنها طاقة غير موجهة؛ ولذلك يغرق.

أعتقد أن هذا ينطبق على العمل الفني، وأعتقد أن هذا ما فات أرسطو، حين تحدث عن الحبكة الواحدة والبطل الواحد، في فن الشعر، فأرسطو يرى أن تكثير الحبكات يشتت توجهنا نحو التماهي مع قصة الشخصية الرئيسية، وتطويل المسرحية لا يسمح للمتلقي باستيعابها ككل مكتمل، لذلك يطالب ألا تكون المسرحية قصيرة، فلا ندرك تفاصيلها، ولا أن تكون طويلة؛ فلا تكتمل في أذهاننا. ولكن لو كان للمسرحية عشر بطلات، وتمّ توجيه قصصهن نحو هدف معين؛ فلا شك أننا سنصل إلى هدفهن، كما سيفعلن هنّ، وعندها نكون قد استقبلنا المسرحية ككل متكامل، بغض النظر عن طولها أو قصرها أو عدد حبكاتها، فالمهم هو التوجيه نحو الهدف الفني، كما فعل بيكت –وغيره طبعًا- وليس نحو الشخصية كما رأى أرسطو، والمسرح -في ما أعتقد- مثال وافٍ، لأنه عمل جماعي يحتاج إلى كثير من التنظيم والتوجيه معًا، ولأنه مؤلف من مجموع الفنون الأخرى أيضًا، وما ينطبق على الكل، ينطبق على الجزء.

الفنانة والفنان إذن ليسا مجرد موهبة نفحتها قوة في شخصهما الكريمين، بل هما تجارب متنوعة، وقدرة على توجيه خلاصات تلك التجارب في العمل الفني، أليس كذلك؟

بقي أن نشير إلى ملاحظة مهمة، لا بد منها، في الحديث عن التنوع: لكي تتنوع التجارب وبالتالي وسائل التعبير الفنية عنها، لا بد من الحرية، فلا حزب واحد، ولا دين واحد، ولا فكر واحد، ولا فن واحد، ولا شيء واحد، بإمكانه خلق هذه التجارب المتنوعة، وتمظهراتها الفنية الأكثر تنوعًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق