هموم ثقافية

أن تنقذ روحًا خير من أن تقتلها

 

الطائرات تقصف المدنيين في بيوتهم الآمنة، وعلى رؤوس الساكنين تتهاوى النوافذ والأبواب والحجارة، ويهرع المتطوعون لانتشال من بقي حيًا من تحت الأنقاض. إنها حلب الشرقية، في الشهر العاشر من عام 2015، تكتب مشهد ما قبل البداية في فيلم (الخوذ البيضاء)، من إنتاج (نتفليكس) أيلول 2016، وإخراج أورلاندو فون إينسيدل، وتصوير: فرانكلين دو، خالد الخطيب، فادي حلبي، وحسان قطان. وقد فاز الفيلم، العام الفائت، بجائزة الأوسكار عن أفضل موضوع فيلم وثائقي قصير.

تبدأ المأساة في الشتاء مع أول خيوط النهار، وثلاثة رجال في بيوتهم الفقيرة يمارسون طقوس صباحهم: البنّاء خالد فرح يوقد مدفئة الحطب ويداعب طفلته الصغيرة أمل، الحدّاد أبو عمر يطبع قبلة على يد أمه قبل أن يغادر سكنه، الخياط محمد فرح ينهي تلاوة القرآن، ويستعد للخروج، وهو يخبرنا أنه كان مقاتلًا في صفوف الثورة مدة ثلاثة أشهر، قبل أن يهب نفسه لنجدة الآخرين، ويقتنع بأن “إنقاذ الروح خير من قتلها”.

هؤلاء هم أبطال الفيلم الذين هجروا مهنهم السابقة، والتحقوا بمنظمة (الدفاع المدني السوري/ الخوذ البيضاء) لإنقاذ من أُصيب في حرب الإبادة التي بدأها نظام الأسد ضد الشعب السوري منذ عام 2011، وسوف يجتمع هؤلاء مع بقية رفاقهم في مركز الأنصاري التابع للمنظمة، وقبل أن يكملوا وجبة فطورهم، تبدأ الغارات الجوية، ويهرعون مسرعين إلى المناطق المستهدفة.

أمام عدسة التصوير، في مشهد داخلي شاحب الألوان ولقطة متوسطة، يقول أبو عمر: عند القصف نكون أول الموجودين، واجبي أن أنقذ أي شخص من تحت الأنقاض، بغض النظر عن انتمائه. ويقول خالد: أحاول أن أفعل كل ما بوسعي لأصل إلى العالقين، أتخيلهم إخوتي وأهلي، فيما يقول محمد: إن الوضع صعب جدًا هنا، لا سيّما بعد أن تدخل الطيران الروسي، يقولون إنهم يحاربون (داعش)، لكنهم لا يقصفون غير المدنيين، حمّام الدم لا يقف، ونحن خسرنا الكثير من رفاقنا، ويكمل أبو عمر: “خسرنا أكثر من ثلاثين منقذًا في حلب”.

هكذا ينسج المخرج إينسيدل تفاصيل مأساة واحدة من أكبر وأعرق المدن السورية، عبر التقطيع المشهدي، في ثلاثة مسارات متوازية: الأول قوامه أماكن التصوير الخارجية التي ترصد مناطق القصف وعمليات الإنقاذ في حلب الشرقية، أو موقع تدريب المتطوعين في جنوب تركيا، والمسار الثاني يحاور شخصيات الفيلم، ويكشف عن خلفياتها ومفردات حياتها في مشاهد داخلية، بينما تتولى الشاشة السوداء إلقاء الضوء على الإطار العام الذي تجري في ظله الأحداث.

تتناوب المسارات الثلاث، وتكتمل التفاصيل في صور تفيض بنبلها وجمالها الداخلي، وتخبرنا عن حياة المدينة المعذبة، وعن طبيعة وأهداف منظمة (الخوذ البيضاء) التي تأسست رسميًا عام 2014 بمبادرة مجموعة من المتطوعين، بعد أن بلغ عدد القتلى بالطيران السوري والروسي مئات الآلاف، والمهجرين بالملايين، وفي كل التفاصيل، يعتمد المخرج أسلوب الاختزال وعدم التكرار، بحيث تبدو الوثيقة البصرية وكأنها نبضات قلب في ساحة الخطر، نسمعها خلال 41 دقيقة هي مدة الفيلم.

الوثيقة البصرية تكشف أن مهمة عمّال الإنقاذ لا تقتصر على انتشال البشر من تحت الأنقاض، بل يقومون بإطفاء الحرائق وإسعاف المصابين، ودفن القتلى، وإخلاء المحاصرين، وتدريب المتطوعين الجدد، كما أن بينهم عددًا من الناشطين الذين يوثقون حجم الدمار وأعداد الضحايا بعدسات التصوير. إنهم منظمة مستقلة، تعمل وفق القانون الدولي والمواصفات العالمية، وتضم ما يزيد عن ثلاثة آلاف عامل، يرأسهم رائد الصالح.

لعل واحدة من أكثر المشاهد تأثيرًا تلك التي تروي قصة “الطفل المعجزة”، يقول محمد: تعرضت منطقة الأنصاري لقصف ببرميلين متفجرين: الأول أوقع عددًا من الجرحى، لكن البرميل الثاني أوقع الكثير من الشهداء، ويتابع خالد: حين وصلنا إلى المنطقة، كان هناك عشرة بيوت على الأرض، وكان العمل شاقًا استمر قرابة 16 ساعة، ويكمل أبو عمر: كنت أتخيل أني أبحث عن طفل ميت تحت الركام، لكني سمعت صوته. كان محمود الذي لم يمضِ أسبوع على ولادته ما يزال حيًا. وحين انتشلوه من تحت المبنى المنهار؛ بكوا جميعًا، وسوف يفرحون بلقائه ثانية، وهم يحضرون الدورة التدريبية في تركيا، بعد أن أصبح لاجئًا في الثانية من عمره.

ويخبرنا محمد أن ابنه في مثل عمر محمود، وعلى الرغم من صغر سنه، فهو قادر على تمييز الطيران الحربي، وحين يسمع صوته، يركض باتجاه أبيه ويضمه قائلًا: “بابا بوم”. ويتساءل أبو عمر: هل يعقل أن العالم الذي يتابع أخبار سورية كل يوم، لم يستطع أن يجد حلًا لإراقة الدماء؟

ينتهي الفيلم بشعار منظمة (الخوذ البيضاء): {من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا}، وعلى الشاشة نقرأ أنها فقدت 132 من أعضائها، وأنقذت 58 ألف شخص منذ قيامها. ينتهي الفيلم، ولا تنتهي مأساة المدينة المحاصرة التي خرجت عن سيطرة النظام، واستطاع إخضاعها ودخولها من جديد في الشهر الأخير من عام 2016، وأقام الأفراح على أشلائها، ولا تزال طائراته، بدعم روسي، تحرق المناطق الآهلة بالسكان واحدة بعد الأخرى، وتتعمد استهداف المشافي والكوادر الطبية وعمال الإنقاذ، على الرغم من كل المناشدات الدولية واتفاقات خفض التصعيد! وكان نصيب (الخوذ البيضاء) خلال عام 2017 من المجازر المستمرة، مقتل أربعة وأربعين شخصًا من كوادرها، والاعتداء على تسعة وخمسين من مراكزها، إلى جانب حملات التشهير والتشكيك التي انهالت عليها، فور فوزها بجائزة الأوسكار.

 

مقالات ذات صلة

إغلاق