تحقيقات وتقارير سياسية

المعارضة السورية والمراجعة الشاملة

 

اليوم، وأمام الاستحقاقات الكبرى، والضغوط الكثيفة لفرض مشاريع الآخرين، والانسداد المستمر في الحل السياسي، وعدم امتلاك المعارضة الإرادة لاتخاذ القرار الوطني المستقل، أما آن الأوان لوقفة طويلة، جدّية مع نتاج السنوات السبع؟ مع الواقع والوقائع؟ كي تقف على الحقائق التي وصلت إليها بفعلها، وعبر تدخل الآخرين القوي والمتشعب؟

نتائج ما يقرب من سبع سنوات تشير إلى خط انحداري في وضع المعارضة السورية وقوى الثورة، إن كان ذلك على الصعيد العسكري، أو السياسي، أو حصيلتهما في الأداء، والأوراق التي تمتلك، وفي قوتها الفعلية وليست الغوغائية والرغبوية.

يمكن الحديث طويلًا عن تفاصيل السنوات السبع، وعن الرهانات الخلّبية وآثارها المدمرة، والعَسكرة ومآلاتها، وما فعلته في حواضن الثورة وأهدافها، وفي الوقائع الميدانية، وذلك الانزياح درجة التلاشي في المواجهة والقدرة على استعادة المفقود من الأراضي والمدن التي كانت تحت السيطرة، في ما يُعرف بـ “المناطق المحررة”، وممارسات المعارضة فيها، وقوى وتنظيمات الإرهاب ووسائل تعاملها معها، وتأخر المعارضة الطويل في تحديد موقف واضح منها يؤدي إلى الفرز، وتوضيح التخوم بينهما.

الحديث الخصب عن الدور الخارجي، و”أصدقاء الشعب السوري” وما قدّموا، وما تخاذلوا فيه، وما خيبوا الآمال والتوقعات والرهانات، ووضوح الاستراتيجية الأميركية التي كانت عاملًا مهمًا في تراجع وتهميش دور الآخرين، ورفض الاستجابة لمطالبهم، ومقتضيات المعركة العسكرية وقابلية حسمها لصالح قوى المعارضة والثورة، والتي استمرت في خط بياني متراجع، عبر نهج “غشاش”، يُبيّن أن الأمر لا يتعلق بضعف شخصية الرئيس السابق أوباما، بل بوجود استراتيجية عملت الإدارة السابقة على تحقيقها، وهي المتواصلة في عهد الرئيس الجديد مع بعض القفشات، والمواقف المتضاربة والانفعالية.

لقد أدّى ذلك إلى غياب القرار الوطني تمامًا، وتحوّلت هياكل وهيئات المعارضة إلى متلق، وبعضها ينضوي في مشاريع الآخرين بشكل علني وصريح، أو عبر الأجهزة التي تسيّر الأمور هنا وهناك، كما أن مواقف ردّة الفعل التي تشبه “التناحة”، ومحاولات إثبات الوجود بعد ضياع الفرص المتاحة، أو تلك الشعبوية العائمة في بحار الاندفاع والعواطف الرغبوية، هي اليوم السمة الغالبة، بينما وقت الاستحقاقات الكبرى لا يرحم، ويتطلب مواقف واقعية، لا مكان فيها للانفعال والعواطف وردّات الفعل السلبية.

كررت المعارضة السورية المتمسكة بمسار جنيف مرغمة، لأنه لا سبيل غيره للحل السياسي، ولأنه برعاية أممية توفر شيئًا من التوازن، بأن جنيف يدور في الفراغ، وأنه يصل إلى الباب المسدود، ويقرعه كلاميًا من دون وجود أثر لفعل أو تقدّم، وأن السبب معروف، ويتعلق بمواقف النظام الرافضة لأي حل أو انتقال سياسي، والتي تواصل نهج الحل الأمني العسكري، بدعم روسي مفتوح، وإيراني غير محدود، وأنها -والحال هذه أمام التراجعات المتتالية- يجدر بها أن تقف مع الذات، وأن تقوم بمراجعة شاملة لهذا الواقع، بحثًا عن خيارات ممكنة لا تنسف التكتيك، بل تتقنه وتستخدمه، ولا البقاء في دائرة جولات جنيف، لكنها تعمل على استعادة القرار الوطني، عبر برنامج عمل واقعي يحدد المهمات والمراحل وفق أولوياتها وقابليات التنفيذ، وبتراكم تصاعدي يمكن أن يستغرق وقتًا ليس بالقصير، وأن تواجه الكثير من العقبات والصعاب، والضغوط، والموانع، لكنه الخيار الإجباري الوحيد للمؤمنين بالثورة فعلًا، وبتحقيق أهدافها، ولو عبر زمن متوسط.

تتكثف اليوم الضغوط لتأمين حضور المعارضة إلى لقاء سوتشي، والحق أن الإخوة الأتراك لهم منطقهم الذي يردّون به على خيارات مفاوضات جنيف، أو دور “أصدقاء الشعب السوري”، بأن جنيف بواقعه الحالي، وضمن المعطيات المتوفرة، وعبر غياب دور الولايات المتحدة المقصود، لن يُثمر شيئًا، وأن حقن ووعود الأصدقاء خارج الموضوع ولا تفعل شيئًا، وأن سوتشي رهان الاحتمالات التي يمكن أن تفعل شيئًا يوضع على سكة جنيف، كما فعلت جولات أستانا، وفق تصوراتهم، وأنهم ضامنون لعدم الانزلاق نحو تحويله إلى مسار خاص، أو تكريس بقاء النظام بمؤسساته، ورئيسه، ورموزه.

وللأتراك مجموعة مصالح في هذا اللقاء، بما فيها صياغة دستور لا يُشكّل حالة قابلة للتفجير وتهديد أمنهم، كما جرى الحال في الوضع العراقي، حيث إن الخشية من نظام فيدرالي يمنح الأكراد نوعًا من الاستقلالية، أو النظام البرلماني المفتوح ضمن ما يُعرف بالإدارات الذاتية، يمكن أن يحمل معه قنابل موقوتة تطيح بالوحدة الجغرافية والسياسية لسورية، وتفتح الأبواب لإقامة كيانات مستقلة، وفي مقدمها كيان كردي هو خط أحمر للحكومة التركية لا يمكن القبول به.

سوتشي، بنظر قوى المعارضة والثورة أو أغلبيتها الساحقة، حتى الآن، هو إعلان تصفية رسمية للثورة، من خلال فرض مصالحة تعسفية مع النظام تكرس وجوده كنظام، ومؤسساته الأمنية والعسكرية، وتضع قوى الثورة والمعارضة أسيرة القوى الضامنة للقاء، ومجردة من الفعل، ناهيك عن أن مصالحة، على الطريقة الروسية التي جرت في مناطق خفض التصعيد بواقع الحصار والمعاناة وحاجة الناس إلى الأمن والطعام، هي إذعانية بامتياز، وهي إنهاء فعلي لقرارات الشرعية الدولية، خاصة تلك المتعلقة بالانتقال السياسي، لأنه لن تكون هناك أي حاجة لعملية انتقالية، طالما تحققت المصالحة، وتمّ التوافق على الدستور، أو المبادئ الدستورية، ثم إجراء الانتخابات، مع الإشارة الواضحة إلى أن ثقل النظام سيكون طاغيًا في هذا المؤتمر عبر ممثليه الرسميين وتابعيه، والمحسوبين على أنهم معارضة داخلية، يجري كل يوم توليد الجديد منها في ظل قانون الأحزاب الذي أصدره النظام قبل بضعة أعوام، والانتخابات -ولو كانت برعاية دولية، ولو حضرتها مؤسسات الدنيا المختصة بالمراقبة- لن تغيّر من واقع النتائج المعروفة، طالما ظلت أجهزة الأمن هي المسيطرة، الفاعلة، وطالما أن الدولة العميقة لم تمس.

هذه اللوحة الواقعية تستدعي وقفة جدية معها، ومراجعة شاملة تنطلق من وعي أن المعركة طويلة، ولن تنتهي خلال مؤتمر أو لقاء، وأن حل المسألة السورية -ما لم يكن عادلًا ومتوازنًا ويحقق طموحات الشعب السوري، ويلبي تضحياته في إقامة نظام تعددي ديمقراطي بديل لنظام الفئوية والاستبداد- لن يعيش ويستقر، بما يعني واجب إعداد النفس لمرحلة أخرى قد تكون طويلة، وهي التي تفرض بناء العامل الذاتي، والاعتماد على النفس، وتحشيد الإمكانات المختلفة المشتتة، وفق برنامج واضح، بما في ذلك وحدة العمل العسكري، وبناء جيش وطني حر مهني يمكن أن ينتقل إلى أنواع من المقاومة الشعبية، وإلى قدرة استنزاف القوى الاحتلالية بما يجعلها تفكر بالانسحاب، وأقلها إنهاء هذه العنجهية التي تتعامل من منطلق المنتصر والمهزوم، وتحشيد القوى السياسية والفعاليات المجتمعية وهيئات المجتمع الوطني في إطار تحقيق شعار “الاصطفاف الوطني” الذي لا يُلغي التباينات ولا الخلافات وإنما يوظفها في المشروع الجمعي، ويمكن العامل الذاتي من استرداد جزء مهم من القرار الوطني، ومن دخول المعادلة بأوراق قوية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق