مقالات الرأي

نقاش مع برهان غليون حول “إيران والعرب”

 

يُعدّ برهان غليون من أهمّ المفكرين والأكاديميين السوريين، لكتاباته واجتهاداته، ولاهتماماته وهواجسه، ومقاربته الصادقة لقضايا شعبه، ولا سيما في كتبه: (بيان من أجل الديمقراطية) 1976، و(اغتيال العقل) 1989، و(المحنة العربية-الدولة ضد الأمة) 1993.

بَيد أن هذا التقدير لا يعفي من مساجلة الرجل في ما يطرحه، بل يحضّ على ذلك، للتشجيع على التفكير النقدي، وإضفاء حيوية على الأفكار المطروحة والإسهام في إغنائها، وتطويرها، كما أن ذلك ينطوي على مسؤولية أخلاقية، إزاء الكاتب وأفكاره، وإزاء الواقع والحقيقة. هذه المقدمة تمهيدية لنقاش المادة التي نشرها غليون في صحيفة “العربي الجديد” (18/1) وعنوانها: “إيران والعرب… الحرب ليست قدرًا”، للتأكيد على ضرورة النقاش، وتبادل الآراء، وطرح وجهات نظر أخرى، في وضعٍ لم يعد فيه أحد يناقش أحدًا.

على ذلك، وبغضّ النظر عن عنوان المادة، أو السؤال: مَن يحارب مَن؟ فإن الكاتب بدأ مقالته بالجزم بأنه “كان من الممكن لإيران أن تكون أهم دولة في الإقليم المشرقي، وأكثرها حظًا في تزعّم المنطقة”، وأنها “كانت مؤهلة”، بما تتمتع به من ميزات وقدرات وموارد، لأن تؤدي “دورًا رائدًا في عملية تحديث دول المشرق وتنميتها؛ لو أنها اختارت طريقًا آخر غير الذي هدرت فيه بلدان المشرق الكبرى مواردها…”. الآن، لنتجاوز التفكير اليقيني المتضمّن في الفقرة المذكورة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: إلى أي أساس استند الكاتب في اعتباره أن بإمكان دولةٍ ما أن تسهم بتحديث دولٍ أخرى في جوارها؟ ثم ألا يحتاج ذلك قبلًا إلى تقبّل تلك الدول لذلك وقابليتها له؟ وحتى بالنسبة إلى إيران ذاتها، فإن الحديث عنها على هذا النحو لا ينطوي على واقعية، حتى لو لم تنتهج تلك السياسات الخارجية المتعلقة، بـ “سياسة القوة، والسعي المحموم إلى السيطرة الإقليمية”.

ثمة مسألتان أساسيتان هنا، لا بد أن أستاذ العلوم السياسية يدركهما جيدًا: أولاهما أن المعضلة في البلدان العربية، أو استعصاء التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي فيها، نابع من داخلها أساسًا، من الافتقاد للدولة، بما هي دولة مؤسسات وقانون، وتاليًا من الافتقاد للمواطنة، أي للمكانة الحقوقية والسياسية لمواطنين أحرار ومتساوين. والمعنى أن الأنظمة التسلطية، أو الاستبدادية، في النظم الملكية أو الجمهورية، التي عوّقت قيامة الدولة، ومنعت تشكّل مجتمع المواطنين (إذ مشكلتنا ما زالت قبل الديمقراطية)، هي بالذات سبب تأخّر العالم العربي، وليست السياسات الخاطئة التي انتهجتها، من دون التقليل من أهمية هذه السياسات أو آثارها الكارثية.

أما المسألة الثانية، فتتعلق بعدم ملاحظة الكاتب أن الجمهورية الإسلامية في إيران، قامت منذ البداية على الإسلام السياسي، وليس القصد من ذلك أن هذا يضعها على الضد من الحداثة بالضرورة، لأن في ذلك اتجاهات مختلفة، ولو أنها نظرية، وإنما القصد أن النظام الإيراني الذي قام على نظرية “الولي الفقيه” الخمينية، وعلى طبقة رجال الدين، بكل ما في المذهب الشيعي من تراتبية، ناهيك عن التغطّي بالبعد الطائفي والعصبية المذهبية والقومية، لا يمكن أن يضع الدولة في إطار تنويري أو تحديثي، ولا أن يمكنها من التحول إلى نموذج يحتذى لجوارها، حتى لو افترضنا تخليها عن أي دور إقليمي.

المشكلة، أيضًا، أن الكاتب يحيل المسؤولية، في عدم قدرة إيران على التزعّم، إلى العوامل الخارجية، لا الداخلية، بالرغم من ملاحظته ما أضافته “الخامنئية، من عناصر تفجيرية، مثل تسييس الخلافات المذهبية والدينية”، والجري وراء وهم استعادة عظمة الإمبراطورية.. إلخ.

لا تتوقّف المشكلة في الأفكار المطروحة على تغليب السياسات أو العوامل الخارجية على الداخلية، إذ هي تشمل، أيضًا، تغليب الظاهر أو العارض على الباطن أو الجوهر، إذ يمكن تفهم تعاطف كثر مع تلك الثورة التي أسقطت نظامَ الشاه، لكن لا يمكن تفهّم ذلك من صاحب الكتب التي ذكرناها، والذي يفترض فيه ملاحظة أن إطاحة “الديكتاتورية الشاهنشاهية” شيء، وتحرّر الشعب الإيراني شيء آخر. وأن نقل إيران “من كفة التحالف الغربي الإسرائيلي إلى كفة المقاومة العربية والفلسطينية”، لا يبرّر ولا يغطّي قيام استبداد آخر، وهذا كان واضحًا منذ البدايات، حتى في التعامل مع رموز الثورة ذاتها، مع آية الله طالقاني وآية الله منتظري وبني صدر، ومجاهدي (خلق). بل إن غليون يضيف: “حققت إيران الثورية، في نهاية القرن الماضي، نفوذًا وإشعاعًا سياسيًا لم يحصل لأي نظام آخر في المنطقة، باستثناء مصر الناصرية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي”، من دون مساءلة نفسه عن معنى هذا النفوذ أو هذا الإشعاع والتداعيات الكارثية التي نجمت عنه، على شعب إيران، وعلى مجتمعات دول المشرق العربي.

في المقال ذاته، كرّر غليون تفسير سياسات إيران وسلوكياتها، بفكرة “شرق ضد غرب”، وعنده أن “الحصارَ الذي فرضه الغرب على إيران الجديدة، وتراجع آمال التقدم والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، وتنامي روح التحدّي والصراع التي غذّتها استفزازات الغرب، وحصار الولايات المتحدة، وعداءها أي نزعة استقلالية في المنطقة، دفع -شيئًا فشيئًا- نظامَ طهران الجديد إلى تبنيّ خيارات تدخّلية وتوسّعية، قائمة على حشد القوى، وتنظيم الأنصار، واستتباع الجماعات الضعيفة، في البلاد العربية، لاستعراض قوتها وتهديد المصالح الأميركية والإسرائيلية”. هنا يحار المرء، فهل الغرب هو المسؤول عن السياسات التي انتهجها النظام الإيراني، أم أن النظام ذاته هو المسؤول؟ وهل النزعة التدخلية والتوسعية جزء من طبيعة نظام الولي الفقيه، أم هي مجرد ردة فعل إزاء الغرب؟ ثم أين هي المصالح الأميركية والإسرائيلية التي هدّدتها إيران من الناحية العملية؟ أهي في تقويضها البني الدولتية والمجتمعية في المشرق العربي؟ والأهم: هل عوائد تلك السياسات الإيرانية أضرت بـ “إسرائيل” أم أفادتها وقوّتها؟ وإذا كان الأمر على ما يذهب الكاتب؛ فكيف إذًا سلمت الولايات المتحدة العراق لإيران وميليشياتها، بعد إسقاطها نظام صدام في 2003؟ وماذا عن إيران غيت؟ أو تواطؤ نظام إيران مع الولايات المتحدة على غزو أفغانستان والعراق؟ ولماذا سمحت الولايات المتحدة لإيران بالانخراط في الصراع السوري؟ وكيف تساهلت معها في برنامجها النووي (وهو ما لم يفت الكاتب)، في حين تم تدمير العراق وبرنامجه؟

في مكان آخر، يتحدث الكاتب عن “صعود القوى الإيرانية الدينية والقومية المتطرّفة، في هرم السلطة”، علمًا أنها هي التي كانت في السلطة منذ البداية، كما ذكرنا سابقًا. كما يتحدث عن تأجيج “سياسات النظام الإيراني التدخلّية، باسم الإسلام أو مقاومة النفوذ الغربي والغطرسة الإسرائيلية، مخاوف الدول العربية والخليجية..”. ويتابع: “جاءت شعارات تصدير الثورة، والعمل على تعميم تجربة (حزب الله) في دول عربية عديدة، لتجعل من إيران مصدر الخطر الأول على الأمن الداخلي للنظم التي تعاني من الهرم والتقادم”… بحيث إن ذلك دفع دول الخليج في “محاولةٍ استباقية، إلى وقف مخاطر انتقال العدوى، أو تصدير الثورة”، عبر “سلسلة الحروب العربية الإيرانية، بهجوم عراقي مدعوم من الغرب، ومن بلدان الخليج العربية”. وهنا، أيضًا، يخرج الكاتب عن تحليل طبيعة النظام، ويذهب إلى تحميل المسؤولية عن سياساته إلى الخارج، بل وضع مسؤولية الحرب على نظام صدام، الذي يتحمل مسؤولية قضايا أخرى أخطر وأكبر.

بعدئذ، ينتقل الكاتب إلى بداية القرن الحالي، في حديثه عن إسقاط “نظام صدام، وتسليم السلطة للميليشيات الشيعية، التي عاشت وتلقت تدريباتها وتوجيهاتها العقائدية والسياسية، في إيران”، من دون أن يقول من الذي سلمها السلطة! بل يتابع القول إن هذه الميليشيات كانت بمثابة “حصان طروادتها (أي لإيران) لقلب الطاولة على الأميركيين، وتكريس سيطرتها شبه المطلقة على بلاد الرافدين”، وهذا استنتاج غير موفق، لا أعرف كيف مرّ على أستاذنا، مثلما مرّ استنتاجه بأن النظام “كان على وشك السقوط في دمشق”، ولا أعرف كيف أو بمن؟ وهو استنتاج داعب أوهام كثر، لكنه مرّ أيضًا على كاتبنا، مع كل تقديرنا له.

أخيرًا، يختزل الكاتب السياسات الإيرانية الإقليمية، باعتباره أن إيران “تخوض حربها ضد الغرب، لكن على الأرض العربية، وعلى حساب العرب، وبأياد عربية… تهدّد بالقضاء على الدولة، ونشر الخراب والفوضى في المشرق بأكمله.” ولا يغيب عنه هنا اتخاذ دور الناصح بمخاطبته إيران بأن “المشرق العربي هو حاضنتها الإقليمية الطبيعية، ومجال استثماراتها وتوسعها ونفوذها، وبالتالي استقرارها وازدهارها…”. لكن المشكلة أن آيات الله، ومعهم الحرس الثوري وميليشياته لا يصغون إلى ذلك على ما يبدو!

مقالات ذات صلة

إغلاق