تحقيقات وتقارير سياسية

“غصن الزيتون” هل تتمخض عن منطقة آمنة؟

 

بعد انطلاق عملية (غصن الزيتون)، وتحقيق هذا التقدم السريع والملحوظ، عبر دعم كبير تقدمه تركيا للجيش السوري الحر، وهذا التوافق الواضح التركي الروسي حول عملية من هذا القبيل، وانكشاف ظهر (ب ي د)، بخاصة بعد تصريحات واشنطن أن عفرين ليست مسألة تهم الأميركيين كثيرًا. ضمن هذه المفاعيل؛ كان لا بد من سؤال بعض الساسة والكتّاب عن تحليلهم لما يرونه من إمكانية تركية لفرض أو إقامة منطقة آمنة؟ وبالتالي نظرتهم إلى المزاج الدولي حيال هذه العملية؟ وهل ستتمكن (غصن الزيتون) من إحداث تغييرات في مستقبل المشهد السياسي السوري بشكل عام؟

في هذا الموضوع، تحدث الباحث السوري محمد خليفة ​قائلًا: “بإمكان تركيا إقامة منطقة أمنية في عفرين أو في إدلب؛ فهي تحظى بقبول وتأييد شعبي ورصيد إيجابي كبير بين السوريين، حققته بوقوفها مع الثورة واستضافتها ثلاثة ملايين سوري، ودعمها الثابت لحقوق الشعب السوري، وعلاقاتها الوثيقة مع المعارضة السياسية بكل أطيافها، وبالفصائل المقاتلة. دخول القوات التركية إلى إدلب وعفرين يمثل ضمانة سياسية قوية، لإحباط مخططات التقسيم، سواء صدرت عن إيران وروسيا والنظام، أو عن الأكراد الانفصاليين، أو عن الولايات المتحدة”.

أكد خليفة أن “عملية عفرين أزعجت الأميركيين؛ لأنها تهدد الترتيبات التي تتخذها واشنطن، وهناك دول أوروبية سارعت إلى دعوة مجلس الأمن الدولي للانعقاد، بحيل مكشوفة، لتعبر عن اعتراضها على العملية. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الدول المستاءة من عملية عفرين هي نفسها الدول التي تتبنى تسليح الانفصاليين الأكراد ودعمهم، على حساب الدول العربية. ولكن لا بد من القول إن هناك دولًا مهمة أيّدت العملية أو تفهمت مبرراتها، كألمانيا وبريطانيا. لعملية عفرين نتائج إيجابية على الساحة السورية، ولكنها في مستواها ونطاقها الحالي محدودة، وليست ذات نتائج كبيرة. إنها توجه ضربة قوية للمشروع الكردي الانفصالي في شمال حلب، وتقطع تمدده باتجاه إدلب والساحل، ولكن هذا المشروع ما يزال قويًا في شرق سورية، في الرقة والطبقة وعين العرب ومنبج، وصولًا إلى رأس العين والحسكة والقامشلي، ولذلك لا بد من توجيه ضربات عديدة له، في كل مناطقه ومرتكزاته؛ لكيلا يتكرس ويترسخ على الأرض، ويسهم في تقسيم الجغرافية السورية، ويصبح معلمًا أساسيًا ثابتًا، خصوصًا أن الأميركيين سيرسلون دبلوماسيين ويقيمون بعثات دبلوماسية في تلك المناطق. الضربة التركية-السورية لكانتون عفرين الانفصالي الكردي يجب أن تكون جزءًا من عملية استراتيجية، تقوّض المشروع الانفصالي الكردي، في جميع مفاصله ومناطقه الأساسية”.

الكاتب السوري محمود الوهب له رأي مختلف، حيث قال لـ (جيرون): “منذ أن اخترع الروس أستانا، وجلبوا إليها الأطراف المتدخلة بالشأن السوري؛ لم يعد بالإمكان توقع شيء محدد. فما يجري على الأرض السورية، منذ عام مضى، لا دخل فيه على الإطلاق للقوى السورية، نظامًا ومعارضة، وفصائل عسكرية فاعلة. كلّ تحوُّل نراه على الأرض إنما يجري بموجب اتفاقات يجهلها الشارع السوري، مع كل أسف. أعتقد، وفق التصريحات الرمادية الروسية والأميركية، أنَّ الجانب التركي ماضٍ نحو تحقيق بسط نفوذه على المنطقة الشمالية والشرقية إلى حد ما، تحت مسمى (المنطقة الآمنة)”.

وأضاف: “إذا قدِّر للاجئين السوريين في تركيا اليوم أن يعودوا إلى وطنهم؛ فسوف تكون هناك متغيرات في المشهد السوري حتمًا. ولكن من منا يعرف فحوى الترتيبات التي أعدتها الأطراف الدولية والإقليمية، تجاه ما بات يعرفه الجميع حول مناطق النفوذ أو الفيدراليات أو التقسيم أيضًا. تلك الترتيبات ستقف حائلًا دون تحقيق طموحات الشعب السوري؛ فما يجري على الأرض السورية من عسكرة متعددة الجنسيات أمرٌ مرعب، وبعيد كل البعد عن الشعارات التي يرفعها الشعب السوري والتي تتعلق بوحدة البلاد السورية، واستقلالها، وديمقراطية حكمها المقبل، وحرية شعبها. إنَّ كل ما أخشاه أن نفاجأ مستقبلًا باتفاقية أو اتفاقيات شبيهة بـ (سايكس-بيكو)، تعيد الشعب السوري إلى عشرينيات القرن الماضي، وتلقي على عاتقه مهمات شبيهة بأهداف حركات التحرر الوطني”.

الكاتب والمحامي الفلسطيني أيمن أبو هاشم قال: “من الواضح أن عملية (غصن الزيتون) تمت باتفاق تركي روسي، وضمن تفاهمات تتعلق بتبادل المصالح وتحديد مناطق النفوذ بينهما، ولا أستبعد أن تكون هذه العملية لفرض ترتيبات مستقبلية لمناطق شمال حلب وإدلب، ومنها إقامة منطقة آمنة، وهو ما سيتوقف على شمول هذه التفاهمات مدينة إدلب وريفها أيضًا، وعلينا أن ندرك مدى حاجة الطرفين: التركي والروسي، إلى التنسيق على الصعيدين: السياسي والميداني، في ضوء مخاوفهما المشتركة من السياسات الأميركية في سورية، سواء على صعيد الدعم الأميركي للأكراد، أو رفض الأميركيين انفراد روسيا في القضية السورية، وسيكون لقرار تركيا مواجهة قوات (ب ي د) في عفرين وشمال حلب، تداعيات على المشهد السياسي بالتأكيد، حيث سيقرب نقاطَ الخلاف العالقة بين تركيا وروسيا، فيما يتعلق بـ (سوتشي) وخطوات الحل السياسي، ولن يدفع الأميركيين إلى التخلي عن حليفهم الكردي، بقدر ما سيزيد من تمسكهم بدعمه في مناطق شرق سورية؛ ما سيضعنا أمام مرحلة جديدة تحاول فيها أميركا الشروع في التقسيم الفعلي للأرض السورية وتقوية النزعة الانفصالية لدى الأكراد، واتخاذ المخاوف من عودة (داعش) والتمدد الإيراني ذريعة، لتغطية هيمنتها السياسية والعسكرية والاقتصادية على شرق سورية”.

وأضاف: “في المقابل، أعتقد أن التحالف التركي الروسي سيتعزز لمواجهة تلك السياسات، أما تأثير كل ذلك على الوضع السوري، فهو الاستمرار في الضغوط على قوى الثورة والمعارضة، للقبول بحل لا يكون فيه مصير بشار الأسد هو الأولوية، وإنما ترسيم مناطق النفوذ بين القوى المتدخلة، والتي ستكون على حساب المصالح الإيرانية، وبالتالي نحن أمام مرحلة أكثر تعقيدًا مما مضى، وتحتاج إلى متابعة التطورات المتسارعة في ضوء عملية (غصن الزيتون) ومؤتمر (سوتشي)، وردات الأفعال الأميركية على هذه التطورات”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق