هموم ثقافية

عن الالتزام في الأدب

 

إذا كانت مسألة الالتزام في الأدب، كمفهوم سياسي، مرفوضة بمعنى ارتباط الأدب بأيديولوجيات الأحزاب والنزعات القومية أو الإقليمية والدفاع عن هذه الأيديولوجيا، على طريقة “انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا”؛ فإن مسألة الالتزام، كمفهوم أخلاقي، تبقى قائمة. فلا قيمة للأدب، إن لم يقف بجانب حق الإنسان بالحياة الحرة الكريمة، بعيدًا عن عسف السلطات الحاكمة، التي تشيّئ الإنسان، وتحوّله إلى رقم في حسابات الربح والخسارة.

بهذا المعنى، فإن الأدب، حينما ينحاز إلى الإنسان، كقوة فاعلة في تقدم المجتمعات، يتفاعل مع الآخرين، ويساهم في دفع عجلة التقدم؛ فإنه من هذا المنظور يكون قد حقّق وقوفه مع القيم الخالدة: الحق والخير والجمال. فما من قيمة من هذه القيم التي يتطلع الأدب إلى تحقيقها، إلا يتجسّد جانب من جوانبها بمناصرة الإنسان الذي يسعى بدوره لتحقيق هذه القيم، والدفاع عنها، باذلًا في ذلك الدمَ، في كثير من الأحيان.

فقيمة الحق تتجلّى في نضال الإنسان، أينما كان، لينال حقه في الحرية، والوقوف في وجه الظلم والطغيان، وعسف الأنظمة الشمولية. وقيمة الخير تتجلّى في رفض أساليب الأنظمة القمعية التي تمارس القتل والتعذيب وزج الأحرار في السجون، وحصر أنفاس المواطنين، ومحاسبتهم على شهقة الهواء. وقيمة الجمال تتجلّى في تقديس كل ما هو جميل، أينما وجد هذا الجمال. ليس في الأدب بأشكاله كافة فحسب، ولا في الفنون بأشكالها كافة فقط، بل في الحياة بشكل عام، في البيت والشارع والحديقة والمدينة والقرية والغابات، وقبل كل شيء في النفس البشرية.

سأحاول أن أبحث عن هذه القيم الثلاث: الحق والخير والجمال، في ما يُنشر من أدبٍ في الدوريات الثقافية التي تصدر عن مؤسساتنا الثقافية الرسمية، ومدى وقوف الأديب السوري مع هذه القيم، وسعيه لتحقيقها، باعتبارنا نعيش في سورية هذه الآونة حالة استثنائية، ومحنة آلت إلى معركة وجود، واجهتها شعوب كثيرة، وكان للأدب دور مهم في تلك المعارك، والخروج من تلك المحن.

قبل الخوض في هذا الجانب، لا بد من أن نميّز ما حصل في سورية، منذ بدء الحراك الشعبي أوائل 2011، من فرز واضح في المشهد الثقافي السوري؛ حيث تشكلت في سورية فئتان، أنتج كل منهما نوعًا من الأدب: أدب وقف مع تطلع الشعب السوري إلى الحرية والمواطنة الحقّة، وصولًا إلى سورية الديمقراطية التعددية، وبالتالي نبذ كل أشكال الممارسات التي نكّلت بالشعب السوري، وفككت بنيته الاجتماعية ونسيجه الاجتماعي. وقد مثل هذا الأدب مجموعة من الأدباء، بعضهم آل إلى الشتات هاربًا بكلمته حفاظًا على حياته، وبعضهم الآخر التزم البقاء في داخل الوطن عاضًا على أسنانه، مع محاولة تهميش دوره. غير أنه لم يألُ جهدًا في فضح ما يجري في الداخل من خراب ودمار للبنى العمرانية والاجتماعية والنفسية، بوسائل نشر متعددة. وأدب آخر آثر الوقوف مع ممارسات قمع هذا التطلع، وأسبغ صفة الشرعية على هذه الممارسات، كما أسبغ صفة الخيانة العظمى على كل أديبٍ، لم يهلل للقتل والتهجير والبراميل المتفجرة وصواريخ السكود، ويفتش عن القرار الوطني الذي استباحته القوى الخارجية؛ من جيوش منظمة، وميليشيات طائفية، وحولت البلاد إلى ساحة لتصفية حساباتها. وقد مثّل هذه الفئة مجموعة الأدباء الذين تبوؤا مناصب في المنافذ الثقافية، فمارسوا دور الشرطي على كل كلمة تنشر في الدوريات الرسمية. أو الذين ارتبطوا مصلحيًا أو طائفيًا مع النظام.

وكي لا نكون ظالمين أو متعسفين في أحكامنا، فلدينا نماذج ممّا كتب بعض هؤلاء الكتبة المنتمين إلى أدباء السلطان. وسأنقل الآن بالنص ما جاء في بعض هذه الكتابات، منشورًا في دوريات اتحاد الكتاب: (الموقف الأدبي) و(الأسبوع الأدبي) بعيدًا عن الشخصنة وتناول هؤلاء الكتبة بالأسماء.

1- جاء في قصة أحد هؤلاء الكتبة، وهي منشورة في ملف القصة القصيرة، في العدد المزدوج 533-534 بعنوان (اللوحة): أن “مسابقة عالمية جرت لانتقاء أفضل لوحة فنية، اشترك فيها كبار الفنانين العالميين: سلفادور دالي، ليوناردو ديفنشي، وبيكاسو. وحكّم المسابقة (أنشتاين) صاحب النظرية النسبية، و(دارون) صاحب نظرية النشوء والارتقاء. وقد عجز المحكمون عن انتقاء أجمل لوحة من بين اللوحات المشاركة؛ فانبرت طفلة شامية، وقالت: “أفضل لوحة هي لوحة الحذاء العسكري”!

هكذا اختصر هذا الأديب قيمة الجمال، بالحذاء العسكري الذي يدوس على رقاب طالبي الحرية.

2- جاء في صحيفة (الأسبوع الأدبي) العدد 1456 تاريخ 13/ 9 / 2015 أن أحد هؤلاء الكتبة حصر مشكلة التخلف في المجتمع السوري بما يلي: “لقد أعطيتم الأولوية للتحصيل العلمي على حساب التحصيل الثقافي القومي؛ إذ يقتصر اهتمام الطالب اليوم على تحصيل علامات في الرياضيات والفيزياء والكيمياء وغيرها من العلوم؛ فيما غدت الثقافة القومية في الدرك الأسفل”. لكأن الاهتمام بدراسة العلوم بأنواعها كانت سببًا في هزائمنا المتلاحقة.

3- جاء في الصفحة الأخيرة من (الأسبوع الأدبي) “آخر الكلام”، تحت عنوان “وطن تليق به الحياة” ما يلي: “لم يبق أمامنا إلا التشبث بالحياة الكريمة حتى ولو كان على حساب دم يهرق، أو فئة تشرّد، أو مدينة تدمّر”. ولست أدري ما قيمة الحياة في ظل الدم المراق، والتشرد والتدمير. وأي حياة كريمة في ظل التدمير والتشرد إلا أن يكون الحفاظ على العروش هو ثمن هذه الحياة.

4- جاء في مجلة (الموقف الأدبي) العدد 518 تحت عنوان “إيصال الصوت الوطني” ما يلي: “أرى أن تعمل الدولة على إيصال الصوت الوطني إلى مواطنيها، ولا سيما داخل سورية. وذلك من خلال اقتناء التجهيزات المطلوبة لالتقاط البث الوطني. وربما توزعها مجانًا للذين يرغبون، وذلك خلال مدة محدودة. وبعدها يتم فرض غرامة على من لم يركب هذه التجهيزات، حتى يصله صوت بلده الحبيب سورية”. لكن فات هذا الأديبَ أن يحدد مقدار الغرامة الواجب دفعها لخزينة الدولة، لقاء عدم وصول الصوت الوطني إليه. وهل الدفع بالليرة السورية أم بالدولار أو اليورو!

ختامًا، إن هذه النماذج التي قدمتها هي غيض من فيض، مما يكتبه كتبة السلطان في الأزمة السورية التي نعيشها.

مقالات ذات صلة

إغلاق