مقالات الرأي

مؤتمر سوتشي الموعود

 

كما أفشلوا “جنيف 8″، حاول الروس والنظام السوري تأجيل انعقاد “جنيف 9″، إلى ما بعد عقد “مؤتمر الحوار الوطني السوري” في سوتشي، لكن هذه الجهود فشلت، وأصر دي ميستورا والولايات المتحدة على عقده قُبيل مؤتمر سوتشي.

من الواضح أنها رسالة سياسية، مفادها أن الولايات المتحدة لا تمانع من عقد مسارات تفاوضية فرعية، شرط أن تخدم عملية التفاوض الأساسية في جنيف، لا أن تكون محاولة للالتفاف عليها، لأجل طرح مشاريع سياسية تخدم موسكو ودمشق، وهذا ما بدا واضحًا من تركيز الروس على مسألة الدستور: السلة نفسها التي يجهد دي ميستورا لإحداث خرق فيها.

لكن إذا عقد “جنيف 9” من دون أن يتم إحراز تقدم؛ فإن ذلك يكشف عجز الأمم المتحدة، ويكشف أن الراعيَين الكبيرَين لعملية السلام السوري ما زالا بعيدين من التوصل إلى رؤية سياسية مشتركة، وهذا أمر يخدم مخطط موسكو التي يبدو أنها قد رتبت مسبقًا صيغة سياسية للمؤتمر، فلا يعقل أن يناقش نحو 1500 شخص، في يوم واحد، مسألةَ الدستور.

تتفق موسكو وواشنطن على ضرورة إحداث اختراق سياسي يؤدي إلى نظام حُكمٍ ديمقراطي، وتتفقان على أن الأسد سيكون جزءًا من مشهد الإصلاح السياسي، وتعتقد العاصمتان أن أي صيغة إصلاحية ستنتهي بتخفيض من صلاحيات مؤسسة الرئاسة ومن المؤسسة الأمنية لصالح المعارضة، دون أن تحصل الأخيرة على الغلبة السياسية. لكن بين العاصمتين خلافات حادة، لم تظهر طبيعتها بوضوح، فما هي حدود الإصلاح السياسي والإداري؟ وما هو مصير الأسد بعد إنجاز هذا الإصلاح؟

بالنسبة إلى موسكو، فإن الإصلاح السياسي لا يجب أن يقوّض هيمنة النظام، ولا أن يمنحه القوة الكافية للاستمرار في بسط هيمنته، فهي تعتقد أن تحقيق حكمٍ ديمقراطي، من نوع ما، ينسجم مع البيئة السورية، دون أن تنتهي الأمور إلى انقلاب ديمقراطي؛ فتدخل البلاد في فوضى، بسبب ضعف البنى الاجتماعية والسياسية في سورية، وثمة تجارب كثيرة حصلت في عدة بلدان.

أما الولايات المتحدة، فهي -وإن كانت تتفق مع الرؤية الروسية- تعتقد أن المسار الإصلاحي الطويل والشائك لا بد أن ينتهي بانتخابات حرة، تكون بمثابة القطيعة التاريخية بين مرحلتين، وهذا ما يفسر كثرة التصريحات الأميركية، حيال الانتخابات وضرورة تنفيذها وفق القرار الدولي 2254.

مؤتمر سوتشي سيكون أداة إجرائية ضرورية في مسار الحل الذي يجب أن يكون بطيئًا، على مراحل، في ظل انعدام الإمكانية للوصول إلى تسوية كاملة دفعة واحدة، وهذا المسار الفرعي يبدو أنه يحظى بدعم دوائر صناع القرار في الولايات المتحدة.

وكما كان حال (أستانا)، سيكون حال مؤتمر سوتشي، فالأمم المتحدة والولايات المتحدة لن تُشرعنا المؤتمر، لكنهما لن تمنعانه أو تعرقلانه، لأنه سيحقق خطوات مهمة، سواء على صعيد جمع أطراف من مختلف مكونات الشعب السوري، أو على صعيد إدخال فرقاء موجودين على الأرض بقوة، وسيكون لهم دورٌ مهمٌ في المرحلة المقبلة، في تعزيز سلطة الشبكات المحلية.

ومع ذلك، يواجه الروس بعض التحديات:

1- رفض تركيا أي مشاركة لـ “حزب الاتحاد الديمقراطي” وأذرعه العسكرية، ورفضها مشاركة مقربين منه مثل شخصيات تتبع الإدارة الذاتية من العرب، وهذه عقدة كبيرة تواجه روسيا لم تستطع حلها بعد. ولا تستطيع روسيا تجاهل المكون الكردي الفاعل على الأرض، حيث تسيطر “قوات سوريا الديمقراطية” على 25 بالمئة من الجغرافيا السورية، ومن شأن مؤتمرٍ، يراد له أن يشمل كافة مكونات الشعبي السوري، أن يضمن مشاركة القوى الكردية.

كما أن إدخال الأكراد إلى الحلبة السياسية من البوابة الروسية يعني الكثير للكرملين، لأنه سيسمح لهم بتعزيز صلاتهم مع المكون الكردي الذي سيكون عنوان المرحلة المقبلة في سورية، وفضلًا عن ذلك، فإن إشراكهم في المؤتمر سيحظى بدعم أميركي، ينعكس بالإيجاب على عموم المؤتمر.

2- الرفض الحاد من قبل المعارضة للمشاركة في المؤتمر، ويبدو أن الأتراك لم ينجحوا بعد في إقناع القوى الرئيسية في المعارضة السياسية والعسكرية، ومن دون حضور المعارضة الوازنة؛ سيتحول المؤتمر إلى طرف واحد.

3- خلاف روسي-تركي على الحل السياسي في سورية، ومع أن الأتراك قد خفضوا من سقف خطابهم السياسي حيال النظام، فإن رؤيتهم للحل ما تزال بعيدة عن الرؤية الروسية. وتخشى تركيا في هذا الصدد أن تساهم في القضاء على المعارضة ومطالبها، إن وافقت على كامل الرؤية الروسية.

4- محاولات دمشق وطهران خفض الآمال المرجوة من المؤتمر، بحيث تأتي مخرجاته مطابقة لرأي دمشق؛ ذلك أن العاصمتين ترفضان إلى الآن قبول أي طروحات سياسية تؤدي، ولو في المستقبل، إلى تغيير في بنية الحكم.

لا يهم روسيا من عقد المؤتمر التوصل إلى صيغة شاملة لمسألة الدستور، وإنما وضع إطار ناظم يسمح باستمرار الاجتماعات، بحيث تتحول سوتشي إلى مسار تفاوضي على غرار (أستانا)، وقد أعلن أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي شمخاني أن هدف المؤتمر هو “تشكيل جمعية وطنية سورية لتقرير مصير الدستور الحالي ومستقبل سورية”.

لكن حتى يحصل ذلك، سيكون سوتشي محل اختبار حقيقي للقدرة الروسية، على المستوى السياسي، بعدما بينت تطورات الأزمة السورية أن القدرة السياسية لروسيا لا تساوي قدرتها العسكرية، وأنها بحاجة إلى فرقاء إقليميين لدعم جهودها السياسية، وبحاجة إلى تنازل سياسي من دمشق، ما يزال إلى الآن مجهولًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق