أبحاث ودراسات

مظاهر توتر العلاقات الأميركية- التركية وآفاقها

المحتويات

مقدمة

أولًا: أهمية الموقع الاستراتيجي التركي

ثانيًا: أهم المحطات الحديثة في تاريخ العلاقات الأميركية- التركية

ثالثًا: موقع المسألة السورية وتداعياتها من توتر العلاقات الأميركية- التركية

رابعًا: تجذّر النزعة الاستقلالية التركية

خامسًا: معوّقات خروج تركيا من الحلف الغربي

سادسًا: آفاق العلاقات الأميركية- التركية

سابعًا: خاتمة

 

 

مقدمة

لم تشهد العلاقات الأميركية– التركية هذا القدر من التوتر منذ خمسة عشر عامًا، عندما رفض البرلمان التركي تحويل الأراضي والقواعد التركية إلى نقاط انطلاق للغزو الأميركي للعراق عام 2003. فتركيا التي كانت، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حليفة دائمة لأميركا وعضوًا في حلف الـ (ناتو)، تعيش، الآن، أسوأ أوقات علاقتها مع الغرب. ففي ميادين الشرق الأوسط، تقف واشنطن وأنقرة في جهتين متضادّتين، وهو أمر واضح للعيان في العراق، وبصورة أكثر وضوحًا في سورية.

يرجع الاستياء المتبادل إلى اختلاف مقاربة البلدين لقضايا منطقة الشرق الأوسط، والسياقات التي ينظر كل منهما إليها؛ فبينما تراها “الولايات المتحدة في سياق دولي، فإنّ تركيا، وحتى قبل الثورة السورية، تراها في سياق المصالح الإقليمية”.

 

أولًا: أهمية الموقع الاستراتيجي التركي

تركيا دولة كبيرة تشغل حيّزًا استراتيجيًا مهمًا، يُطل على رقعٍ استراتيجية مهمة: أوروبا والبلقان والبحر الأبيض المتوسط والعالم العربي من جهة، وروسيا وآسيا الوسطى ومنطقة القوقاز من جهة ثانية. وهي تُطل على البحرين المتوسط والأسود‏،‏ وتتحكم في بحر مرمرة (البوسفور والدردنيل‏)،‏ وتتنازع السيطرة على بحر إيجة‏،‏ وبذلك تتمتع بموقع استراتيجي فريد بين طرفي القارة الأوروبية والآسيوية‏.‏

تقع تركيا في منطقة متوترة تتقاطع فيها مصالح دول كبرى: إلى شمالها روسيا ودول منطقة القوقاز، وإلى شرقها بحر قزوين الغني بموارد الطاقة، وإيران المتوترة علاقتها مع محيطها العربي، وخلفها أفغانستان. وإلى جنوبها مباشرة العراق وسورية، الدولتان المثيرتان للجدل في المنطقة. وإلى كل هذا، تكتسب تركيا أهمية استراتيجية كونها جسرًا للعبور بين الشرق والغرب. وهي شكلت خلال الحرب الباردة الأساس الوطيد للأمن الأوروبي بانضمامها إلى حلف الـ (ناتو) عام 1952 وحمايتها الضفة الجنوبية الشرقية للقارة من الاتحاد السوفياتي السابق. ومنذ انضمامها إلى عضوية الحلف لعبت، بحكم موقعها الجيو- استراتيجي المهم وثقلها العسكري، دورًا وظيفيًا مهمًا في استراتيجية الحلف في مواجهة الاتحاد السوفياتي السابق، ولاحقًا تجاه إيران بعد ثورة الخميني عام 1979، ومن ثم الحرب على أفغانستان بعد تفجيرات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001.

 

ثانيًا: أهم المحطات الحديثة في تاريخ العلاقات الأميركية- التركية

منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية آمن قادة تركيا بأنّ عليها الحصول على مساعدة خارجية، وإدخال نفسها في منظومة عالمية. وهو ما حدث بمدّ يد المساعدة الأميركية إليها في عام 1947 تحت “مبدأ ترومان” وانضوائها تحت “خطة مارشال” لإعادة بناء أوروبا، إلى جانب انضمامها إلى حلف الـ (ناتو).

إلا أن هذه العلاقات الجيدة لم تمنع من حصول فتور بين البلدين في غير محطة، لعل أبرزها في عقب الاجتياح العسكري التركي شمالي قبرص عام 1974، وعندما انتهت الحرب الباردة حين وُضعت العلاقات التركية- الأميركية على محكّ امتحانات قاسية، وكان الغزو الأميركي للعراق أكبر دليل على ذلك. واليوم تشهد هذه العلاقات فتورًا لتناقض الأجندة إزاء أكثر من قضية.

ظلّت العلاقات التركية- الأميركية متوترة حتى بداية العام 2005، عندما بدأت عملية “ترميم” هذه العلاقات. وفي العام 2006 قام رئيس الوزراء التركي- آنذاك-، رجب طيب أردوغان بزيارة إلى واشنطن، جرى الاتفاق فيها على “وثيقة الرؤية المشتركة والحوار المؤسساتي” التي نصّت على أنّ البلدين “اتفقا على ترجمة رؤيتهما المشتركة عبر: الترويج للسلام والاستقرار في الشرق الأوسط الكبير من خلال الديمقراطية، ودعم الجهد الدولي للتوصل إلى تسوية دائمة للنزاع العربي- الإسرائيلي وحل النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي على أساس إقامة دولتين، وتعزيز الاستقرار والديمقراطية والازدهار في عراق موحد…”.

منذ توليه الرئاسة، اعتقد الرئيس الأميركي، باراك اوباما، أن السيناريو التركي الذي يُعنى بتولّي حزب إسلامي معتدل- مثل حزب العدالة والتنمية في تركيا- السلطة، قد يكون مناسبًا لدول الشرق الأوسط. لذلك راح يدعم الإخوان المسلمين، الأمر الذي عنى عرضًا أميركيًا لتركيا بأن تقوم بدور “الوكيل” الأميركي في المنطقة.

يبدو أنّ الشراكة الأميركية– التركية قد تعززت فيما يخصّ الشرق الأوسط عبر ثلاثة محاور: أولها، تسهيل الانسحاب الأميركي من العراق وضمان ألا يتحول قاعدة ارتكاز ضد المصالح الأميركية في المنطقة. وثانيها، إدماج سورية –آنذاك- في حراك إقليمي ملائم للمصالح الأميركية وليس في الاستقطاب مع المحور الذي تقوده إيران. وثالثها، أن تكون تركيا هي الطرف الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه عند الشروع في احتواء إيران. هكذا يمكن تشبيه دور تركيا بورقة “الجوكر” في لعبة التوازنات الاستراتيجية الأميركية في المنطقة.

بدا- آنذاك- أن الرؤية الاستراتيجية للرئيس أوباما في إدارة الأزمات ترتكز على فكرة “الحل الإقليمي” للأزمات، ما يعني الانسحاب الأميركي التدريجي من تحمّل مسؤوليات المشكلات والأزمات الدولية والتفرغ لمواجهة المشكلات الداخلية التي كانت جوهر برنامجه الانتخابي. ولكن، كثيرًا ما عانت هذه العلاقة من الإهمال من قِبَل الطرف الأميركي، خاصة حينما حوّل أوباما كل أنظاره واهتماماته وتطلعاته نحو إيران والاتفاق التاريخي النووي معها.

مع ظهور تنظيم (الدولة الإسلامية في العراق والشام) “داعش”، وإحراجه الولايات المتحدة عندما قطع رؤوس الرهائن الأميركيين، اندفع الرئيس أوباما لإعلان حرب جديدة على الإرهاب وإشراك بلدان كثيرة ضمن إطار تحالف دولي للقضاء على هذا التنظيم. وأرادت واشنطن أن تدخل تركيا في هذا التحالف لتساعدها على الأرض، على الحدود المتاخمة لها مع العراق وسورية، لضمان نجاح خطة التحالف الهشة؛ هذا الأمر جعل تركيا، بعد أن درست خياراتها، تتلمّس مدى حاجة الولايات المتحدة إليها، ومدى أهميتها في حل معظم مشكلات الشرق الأوسط وما حوله.

مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض علّقت الحكومة التركية آمالًا على تحسّن علاقتها بواشنطن، لكنّ العلاقات لم تتحسّن؛ إذ فشل الرئيس أردوغان في إقناع الرئيس الجديد بأنّ حزب “الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري” إنما هو امتداد لـ “حزب العمال الكردستاني الانفصالي التركي” الذي تصنفه أنقرة وواشنطن حزبًا إرهابيًا. ومع وصول أردوغان إلى واشنطن في أيار/ مايو 2017، كانت الإدارة الأميركية قد ضاعفت الدعم لـ “وحدات حماية الشعب” الكردية.

وبعد ساعات قليلة من قمة “سوتشي” الروسية– الإيرانية– التركية، بدأت تتمظهر حيثيات توجّه أميركي للدخول على الخط وتغيير المسار؛ كانت الخطوة الأولى مكالمة هاتفية يوم 24 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، أكد خلالها دونالد ترامب لنظيره التركي، أردوغان، أن واشنطن سوف تعلّق الدعم العسكري لحلفائها الأكراد في سورية، وهو الأمر الذي مثّل تطورًا كبيرًا. وفي محاولة لاحتواء ردّات الفعل المختلفة تجاه هذه المحادثة، قدّمت واشنطن وأنقرة روايتين متباينتين لما دار في المكالمة الهاتفية بين ترامب وأردوغان، حيث صرح وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو بأن الرئيس الأميركي وعد “بوضوح” بعدم تزويد الوحدات الكردية بالأسلحة، بينما نقل البيت الأبيض عن ترامب قوله إنه أبلغ الرئيس التركي بأن واشنطن بدأت “تُعدّل الدعم العسكري لشركائها على الأرض في سورية”، ولم يتضمن ذلك ذكرًا صريحًا لوقف تسليح الوحدات الكردية.

في 15 كانون الأول/ ديسمبر الماضي صدرت استراتيجية ترامب للأمن القومي، لكنّها- على عكس الاستراتيجيات التي صدرت في عهد الرؤساء السابقين- لم تتطرق أبدًا إلى تركيا، ولم يتم ذكرها ولو مرة في نص الوثيقة، وهو مؤشر سلبي جدًا في ظل التدهور غير المسبوق في العلاقات بين البلدين.

وهكذا، لم يعد صعبًا معرفة أسباب التوتر الأميركي- التركي، فالحكومة التركية ترفض التجاهل الأميركي لشروط الأمن القومي التركي، سواء داخل تركيا أو على حدودها الدولية مع جيرانها، أو في القضايا الدولية الشائكة.

 

ثالثًا: موقع المسألة السورية وتداعياتها من توتر العلاقات الأميركية- التركية

فرضت المسألة السورية ضغوطًا كبيرة على العلاقات الأميركية– التركية، وذلك للتباين الشديد بين أولوياتهما في سورية. هذا التباين في الرؤى قاد إلى تباين أكثر خطورة في اختيار الحلفاء لتحقيق الأهداف، مما وضعهما في موقعين متعارضين لا يتمكن أحدهما من تبنّي خيار الآخر من دون الإضرار بخياراته.

إدارة أوباما ظلّت تعدّ سورية، قبل ظهور “داعش”، قضية هامشية نظرًا إلى عدم وجود مصالح كبرى لها فيها. في المقابل، تعدّ تركيا الصراع في سورية أولوية، فهو الأكثر تأثيرًا في أمنها القومي، وتحديدًا في بعده الكردي الانفصالي، خصوصًا بعد أن أعلنت “قسد”، في منتصف آذار/ مارس 2016، نظامًا فدراليًا في شمال سورية على الحدود مع تركيا. ومن أجل ذلك، طالبت تركيا، من دون نجاح، بإنشاء منطقة آمنة على حدودها مع سورية، يحظر فيها الطيران، وتقام فيها مخيمات للاجئين السوريين، في سياق استراتيجية أوسع لإسقاط نظام الأسد، غير أنّ هذا المطلب التركي لم تتم الاستجابة الأميركية له.

وتنطلق الإدارة الأميركية في علاقاتها مع الكرد وتركيا من سياسة إدارة التوازنات مع الحليفين، وهي سياسة تتضمن ما يشبه ضمانات لتركيا بخصوص احتواء الصعود الكردي، وفي الوقت نفسه، الاستفادة من دور الكرد، سواء في محاربة “داعش” أو في الصراع على المسألة السورية، من دون أن يعني ما سبق التخلّي عن الحليف التركي لأسباب استراتيجية تتعلق بأهمية تركيا للسياسة الأميركية، ولا سيما في ظل نزاعها مع روسيا على الشرق الأوسط والقوقاز وأوكرانيا، وغيرها من الدوائر الاستراتيجية المهمة.

إذا كان ترامب حديث العهد في السياسة والعلاقات الدولية، يبقى أن نظيره التركي لا تنقصه الخبرة ولا الدراية، وهو يدرك جيدًا أن بعض العواصف تتطلّب الانحناء في وجهها قليلًا، على الرغم من خطابه الحادّ الذي قد يحدُّ من المرونة الضرورية. وبحسبة سريعة للمصالح التركية، وعلى رأسها إبعاد شبح دويلة كردية من على حدودها، ليس ما يمنع أن يطلب من واشنطن أن تكون هي الضامن الدولي لحصة تركيا من آستانة. فيستكمل الشريط الحدودي “العربي- السني” في الشمال السوري عبر ملء المناطق الآمنة باللاجئين والنازحين (منطقة درع الفرات)، ويدفع مناطق السيطرة الكردية إلى الداخل مع إبقائها تحت مظلة أميركية. فمع أن تركيا حققت مكاسب مهمة في سورية عبر البوابة الروسية، فإن استكمال هذه المكاسب سيكون من البوابة الأميركية، مع الحضور العسكري الأميركي على طول الحدود التركية مع محافظتي الحسكة والرقة، وأجزاء من ريف حلب الشمالي.

يبدو أن صانعي القرار الأميركي أصبحوا يميلون إلى أنقرة، لترسيخ وجودهم المستقبلي في سورية، بعدما لاحظوا أن أكراد سورية باتوا يشكلون عبئًا استراتيجيًا مكلفًا لهم. وهو الأمر الذي كشفه بوضوح السفير الأميركي السابق لدى أنقرة، جيمس جيفري، عندما أكد، لوكالة فرانس برس، أنه “لا يمكن للولايات المتحدة لعب دور على المدى الطويل في سورية من دون القواعد التركية والمجال الجوي التركي، وإلى حد ما الدعم الديبلوماسي التركي”. وبالتزامن مع ذلك، بدأت واشنطن تنظر بكثير من الترقب والقلق، إلى التقارب المتصاعد بين أنقرة وكل من موسكو وطهران، الأمر الذي قد يؤدي إلى خسارة تركيا لمصلحة إقامة تحالف ثلاثي، روسي- إيراني- تركي، في مواجهة السياسة الأميركية في المنطقة.

وعلى الرغم من الخلافات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وتركيا، إلّا أن الحكومتين تحتاجان إلى إيجاد أرضية مشتركة. ولكن طالما أن الخلافات بين تركيا والولايات المتحدة حول سوريا تبقى أساسية، فإن من الصعب رؤية كيف يمكن للطرفين أن يتوصلا إلى أي تسوية لخلافاتهما.

 

رابعًا: تجذّر النزعة الاستقلالية التركية

ثمة ما هو أبعد من التوتر الظرفي بين أنقرة وواشنطن، إنه الإرث السيادي الأتاتوركي، حيث ترفض تركيا التزامات واضحة مع الحلفاء التقليديين في الغرب، إلا حينما تعتقد بأن الالتزام رغبة حقيقية منها في المحافظة على مصالحها، وليس التزامًا مفروضًا عليها. ففي عام 2003، رفضت تركيا السماح للقوى العسكرية الأميركية غزو العراق من خلال الأراضي التركية، ومنذ ذلك الوقت، أصبحت العلاقات الأميركية- التركية معقدة ومضطربة.

لقد وضع حزب “العدالة والتنمية”، بعيد وصوله إلى السلطة في تركيا في عام 2002، حدودًا لتوظيف بلاده لخدمة المصالح والسياسات الأميركية في المنطقة، ورسّخ معادلة جديدة مع الولايات المتحدة تقوم على أساس المقايضة، وتجلّت هذه الحدود في خيبة أمل الولايات المتحدة في الاعتماد على تركيا في إعادة ترتيب بيت الشرق الأوسط الجديد، ما أدّى إلى تغيّر سياسة أميركا تجاه تركيا، وراحت تبحث عن شركاء بديلين لها في المنطقة، حيث أصبحت أنقرة أحد وكلاء واشنطن وليست وحيدتها، ومنذ ذلك الحين أهملت هذه العلاقة ولم تُعطَ تركيا الأهمية اللازمة التي من شأنها تحقيق المصالح القومية لأميركا.

مهما يقال عن كون تركيا حليفة للولايات المتحدة الأميركية، إلا أنه من الصعوبة الإقرار بخضوعها للسياسة الأميركية في كل سياساتها، ذلك أنها تنظر إلى نفسها كقوة إقليمية بحد ذاتها، بصرف النظر عن أميركا ودعمها؛ بل شرعت تبحث عن تنويع دوائر الانتماء، ورسم مسافة إزاء المحاور تمكِّنها من اكتساب قدر من الاستقلالية، والأكثر أنها راحت تتعامل مع كل قضية على حدة، ووفق ما تمليه عليها معطياتها الخاصة.

تعكس السياسة الخارجية التركية اليوم سعيًا واضحًا نحو ملء المناطق الرمادية في السياسة الشرق أوسطية، وعدم ترك الفرصة لأي فاعل دولي آخر لينوب عن دول المنطقة في ملء تلك الفراغات. ومع أن هذا التوجه يعكس محاولة واضحة، آخذة في التزايد، للحد من النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، فإنه يعكس كذلك الثقة الجديدة التي وجدتها تركيا بلعب دور نشط في قضايا المنطقة، وهو دور يجد بشكل عام، ولأول مرة، دعمًا لدى أغلب دولها.

إن وصول العلاقة التركية– الأميركية إلى هذا المستوى من التوتر، نابع من إدراك تركيا بأنها لم تعد مرتبطة استراتيجيًا بالغرب، بشقيه الأميركي والأوروبي، وأن لها مصالح استراتيجية مع روسيا وإيران لأسباب سياسية واقتصادية وأمنية. وعليه، باتت سياساتها أكثر جرأة على الصعيد الخارجي؛ وهي، أمام إحساسها بتوفر مروحة من الخيارات الاستراتيجية، باتت ترى أن السياسة الأميركية في موقع العدو المتربص بها، ولعل من يدقق فيما يكتبه الإعلام التركي، هذه الأيام، يرى حجم الإحساس التركي بالعداء تجاه الحليف الأميركي السابق.

لقد وصل التقارب التركي مع موسكو إلى حدّ عقد صفقات استراتيجية ضخمة في مجال النفط والغاز والأسلحة، التي كان آخر مؤشراتها إعلان وزير الدفاع التركي، نور الدين جانيكلي، أن بلاده تتوقع تَسلّم أول دفعة من صواريخ “إس- 400 أرض جو” الروسية في عام 2019. كما شهدت العلاقات التركية- الإيرانية أيضًا في الأشهر الأخيرة تقدمًا كبيرًا على وقع الزيارات المتبادلة لكبار المسؤولين، وتوصّلهم إلى تفاهمات مهمة بشأن مواجهة الصعود الكردي في المنطقة، وإقامة شراكة اقتصادية بين البلدين.

تتبع أميركا اليوم سياسة خشنة مع تركيا لسببين رئيسين: أولهما، ثني تركيا عن اتخاذ سياسات مستقلة، تعتبرها أميركا غير متوافقة مع مشاريعها في المنطقة، وبالأخص في سورية والعراق. وثانيهما، محاسبة تركيا على اتخاذها سياسة مستقلة عن أميركا وحلف الـ (ناتو) بتقاربها مع روسيا وتعاونها العسكري معها، وبالأخص شراء تركيا منظومة دفاع جوي روسي متطورة، إضافة إلى المشاريع الاقتصادية العملاقة التي تتعاون فيها تركيا مع روسيا والصين، وعدد من دول منظومة “شنغهاي” ومجموعة دول “أوراسيا” وغيرها.

 

خامسًا: معوّقات خروج تركيا من الحلف الغربي

ترى تركيا أن سياسات الغرب تجاهها خرجت عن إطارها المعتاد، المتمثل بانتقادات لفظية بشأن سجلها في مجال حقوق الإنسان، وباتت تمثل خطرًا على أمنها القومي. حصل هذا بالتوازي مع فرض الولايات المتحدة حظرًا غير معلن على تصدير السلاح الحديث إلى تركيا. لهذه الأسباب، بدأت ترى نفسها، للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، خارج المنظومة السياسية والأمنية الغربية، ومنجذبة نحو تحسين العلاقة مع خصميها التاريخيين (روسيا وإيران).

واقع الحال أن خيبة أمل تركيا الكبيرة بالغرب، وإمكانية قبولها عضوًا كاملًا في نواديه غير الأمنية، ودعمه الطموحات الكردية التي تمثل تهديدًا لأمنها القومي، إضافة إلى حاجاتها من الطاقة (60% من الغاز والنفط يأتي من روسيا و20% يأتي من إيران)، ومحاولات الحفاظ على معدلات نمو اقتصادية مرتفعة لتحقيق أهداف مئوية الجمهورية عام 2023، تمثل العوامل الرئيسة التي تدفع تركيا بعيدًا عن الغرب، وقريبًا من روسيا وإيران.

لكنّ هذا كله لا يكفي لجعل الطريق معبّدًا أمام خروج تركيا من الحلف الغربي، والانضمام إلى حلف روسي – إيراني، ما زالت تحول دون قيامه صعوبات جمّة. فتركيا تدرك أن علاقة طهران وموسكو بها تقوم على الابتزاز، ومحاولة استغلال أزمتها مع حلفائها التقليديين في الغرب لكسر دورها ونفوذها الإقليمي، عبر سورية خصوصًا. تؤكد هذا محاولة إظهار تركيا بمظهر العاجز عن فعل شيء تجاه الخروق المستمرة لمناطق خفض التصعيد، خصوصًا على الحدود معها في إدلب، وللضغط عليها لدفع “المعارضة السورية” للقبول بالشروط الروسية- الإيرانية للتسوية.

كما أن الاقتصاد والسياسة التركية، حتى قبل عهد إعلان الجمهورية، مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالغرب، أي بأميركا وأوروبا. وروسيا، شأن أميركا، تتعاون مع الأكراد في سورية و”قوات سورية الديموقراطية”. ولا يخفى على الرئيس أردوغان أن إدارة ظهر تركيا للغرب وأميركا، تترتب عليه فاتورة سياسية واقتصادية ثقيلة على المواطن التركي.

ثم إن العلاقات التركية مع روسيا لا يمكن أن تصل إلى درجة العلاقات الاستراتيجية لأسباب كثيرة، وهي مرشحة للبقاء في إطارها التكتيكي ليس إلا، إلا إذا قررت تركيا تغيير بوصلتها الاستراتيجية، وهذا غير ممكن لأسباب كثيرة، لذا فالثابت في العلاقات بين تركيا وأميركا هو استراتيجيتها مهما اعتراها من خلافات وتوترات.

 

سادسًا: آفاق العلاقات الأميركية- التركية

لا تلوح في الأفق القريب بوادر أي تحسّن محتمل يمكن أن يطرأ على طبيعة العلاقات بين البلدين، ولكن لا يرادف الجمود الدبلوماسي الطارئ على العلاقات التركية- الأميركية، حتى اللحظة الراهنة، نشوب أزمة دائمة، إذ لن تهجر تركيا حلف الـ (ناتو)، الذي لن يطردها من صفوف أعضائه. قد لا يعترف أردوغان بالأمر، لكنه على أتم اليقين بأن الحلف يشكل حليفًا مأمون الجانب، على نحو يتفوق بأشواط في المدى البعيد على روسيا، ولا سيما في ظل علم الكرملين بأن أنقرة لا تملك الكثير من الخيارات.

أضف إلى ذلك أن تركيا تحتل أهمية كبرى على الصعيد الاستراتيجي لا يمكن لكل من أميركا وأوروبا تجاهلها، خاصة أن الولايات المتحدة تعمل على خلق نظام تحالف يشمل البلقان وبولندا ورومانيا، ومصمَّم لاحتواء أي تقدم روسي عسكري لناحية الغرب. ويجمع تركيا هذا التحالف لأنها هي المرساة الجنوبية لتركيبته. ويبدو أن الأتراك منغمسون أكثر مما يبدو في القيام بمناورات عسكرية مع رومانيا والولايات المتحدة في البحر الأسود، على الرغم من تجنّب تركيا بحذر أي التزام للتحالف في الشرق الأوسط. كما بقيت تركيا غير واضحة في استراتيجية البحر الأسود، فمع أن أوضاع الشرق الأوسط لغز كبير، فإن الوضع الروسي أكثر خطرًا، ولكن بقي الغموض التركي مطابقًا في الحالتين.

يبدو أن تركيا تعتمد على استراتيجية ذات طبقات متعددة، حيث إنها متحالفة رسميًا مع بعض القوى، ومنفتحة بهدوء على قوى عدوة لحلفائها. وهذه العقيدة الدبلوماسية المتعددة الطبقات مصمّمة لتجنّب التدخل السابق لأوانه، الذي لم يصل إلى مستوى النضوج الاستراتيجي، مع الحفاظ على القدرة على تفهّم أخطارها المرافقة. وبمعنى آخر، تتوازى السياسة التركية مع السياسات الأميركية المصمّمة على توازن القوى الإقليمية للحفاظ على نفسها، على أن تتدخل واشنطن، حينما تشاء، وبقوة محدودة. لكن مشكلة الأتراك هي أن جغرافية بلادهم تربطهم بدور محوري في المناطق المتوترة، بينما يبقى هذا الدور اختياريًا للولايات المتحدة. ويبدو أن الأتراك لم يستطيعوا تحديد قرار متماسك، لذلك يُبقون استراتيجيتهم مبهمة باستمرار كلغز لا يُحلّ بسهولة، لكنها فاعلة، حتى تقوم القوى الخارجية بتغييرها، ليصبح مستحيلًا العمل بها كما هي.

إطار آخر يحكم العلاقات الأميركية– التركية، يتمثل في حاجة تركيا إلى الدعم الغربي، الأميركي خصوصًا، في مواجهة خصوم تركيا الكثر، ولا سيما أولئك الذين يُصنَّفون حضاريًا في المعسكر الغربي، كما في حالة القضية اليونانية والقبرصية والأرمنية. وتستفيد تركيا من استمرار حاجة الغرب إليها لمواجهة الاتحاد السوفياتي سابقًا وروسيا حاليًا، لضمان وقوفه إلى جانبها في مواجهة ضغوط الأرمن واليونانيين والقبارصة، ومن هذه الزاوية نظرت تركيا إلى العلاقات مع “إسرائيل” واعترافها بالتالي بها في العام 1949.

وهكذا، يصعب القول إننا نشهد نهاية التحالف التركي– الأميركي، في ضوء عدم وجود بديل أمام الطرفين في المرحلة الراهنة؛ فمن ناحية، ما زال الاقتصاد التركي يعتمد على المستثمرين الأجانب، وكثير منهم أميركيون؛ وما زالت تركيا، التي قامت عقيدتها الدفاعية، منذ أوائل خمسينيات القرن الماضي، على عضويتها في حلف الـ (ناتو)، غير قادرة على تركه في محيط مشتعل. ثمّ إن روسيا لا تستطيع التعويض عن الولايات المتحدة، ولا يمكن الاعتماد عليها حليفًا موثوقًا به، خصوصًا أن ثمة تفاوتًا في الرؤى التركية- الروسية حيال ملفات كثيرة. في المقابل، فإنّ الولايات المتحدة في حاجة إلى تركيا في منطقة الشرق الأوسط، فهي “دولة مسلمة” كبيرة، ترتبط مع واشنطن في عضوية حلف الـ (ناتو)، وتملك ثاني أكبر جيوشه، وللولايات المتحدة والحلف عدد من المنشآت العسكرية على أراضي تركيا، بما في ذلك قاعدتا “إنجرليك” و”إزمير” الجويتان. وبناء عليه، من شأن شرخ في العلاقات مع تركيا أن يؤثر في توازنات الشرق الأوسط، فضلًا عن تداعياته المحتملة على أمن أوروبا نفسها، بما في ذلك تدفق اللاجئين السوريين نحو حدودها، إذ تمثل تركيا نقطة الوصل بين آسيا وأوروبا. وبسبب حجم تركيا، وموقعها الاستراتيجي وقربها كذلك من سورية والعراق، فإن الولايات المتحدة تحتاج إليها في موازنة التمددين، الإيراني والروسي، في المنطقة.

خلال اجتماع في البيت الأبيض في أيار/ مايو الماضي قال ترامب وهو يقف إلى جوار أردوغان “بيننا علاقة رائعة وسنجعلها أفضل”، أما أردوغان فقال إن زيارته ستكون “نقطة تحول تاريخية”، وأثنى على “العلاقات الرائعة” بين البلدين عضوي حلف الـ (ناتو). وتُعتبر هذه النبرة شديدةَ الإيجابية في ظل التوترات في شأن قرار واشنطن تسليح “وحدات حماية الشعب”.

في هذا الإطار يبدو أن الحلول الوسط سوف تكون الخيار الأبرز للجانبين؛ فالإدارة الأميركية لن تتوقف عن دعم “الوحدات الكردية” وسوف تعتمد عليها، ولكنها سوف تلجأ، على الأغلب، إلى تقديم ضمانات إلى أنقرة بضبط طريق الأسلحة الثقيلة المقدمة إليها، وبسحب “الوحدات الكردية” من الرقة وإبقاء العناصر العربية هناك.

كما يتوقع الساسة الأتراك أنهم سوف يحصلون على وعود من واشنطن، تتعلق بتعزيز التعاون الاستخباري في الحرب على “تنظيم الدولة” الذي يحاول توسيع عملياته في تركيا. كما ستعزز واشنطن تعاونها الاستخباري فيما يتعلق بتنظيم العمال الكردستاني داخل وخارج الأراضي التركية، وربما تعطي الجيش التركي مساحة أوسع في تنفيذ عمليات عسكرية جوية، وربما برية، ضد التنظيم خارج الأراضي التركية.

يبدو من غير المعقول أن تضحّي أميركا بتحالفها التاريخي مع تركيا لمصلحة كرد سورية الذين لا يشكلون، بالنسبة إليها، وزنًا كبيرًا في ميزان المصالح والعلاقات الدولية، ولعل هذه الرؤية تنطلق من معادلة أساسية تقوم على أن السياسة الأميركية تنبني على المصالح قبل كل شيء.

لكن من الواضح أن العلاقات الأميركية– التركية، وعلى الرغم من بعدها الاستراتيجي والحيوي للطرفين، لم تعد محكومة بالقواعد الناظمة لها في فترة الحرب الباردة، فواشنطن لم تعد تتصرف وكأنها تقود حلفًا أو محورًا بقدر ما تتصرف انطلاقًا من مصالحها وأجندتها الخاصة، حتى لو تعارضت مع مصالح الحلفاء. كما أن تركيا اليوم ليست كما كانت في السابق، مجرد شرطي أو مخفر أمامي للولايات المتحدة والحلف الأطلسي، فلأردوغان تطلعاته وطموحاته التي تتجاوز حدود الرؤية الأميركية، وبين التحولات في الحالتين ثمة تفكيك لبنية العلاقة القديمة، من دون معرفة إن كان ما سبق سيؤدي إلى تفكيك هذه العلاقة التاريخية، لكن الثابت أنها انتقلت إلى مرحلة جديدة لجهة الدور والوظيفة.

ربما يكون لقاء قادة عسكريين أميركيين كبار، في 14 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، مع رئيسي أركان الجيشين التركي والعراقي في العاصمة التركية، أنقرة، في اجتماع “غامض”، بعد ساعات من تأكيد مجلس الأمن القومي الأميركي التزام واشنطن “الشراكة الاستراتيجية مع تركيا من أجل هزيمة الإرهاب”، تعبيرًا عن البحث الجدي عن دور ووظيفة العلاقات الأميركية– التركية في المرحلة المقبلة.

لا شك في أن الحكومتين، الأميركية والتركية، تحتاجان إلى إيجاد أرضية مشتركة، ولكن حيث إن الخلافات بينهما حول سورية تبقى أساسية، فإن من الصعب رؤية كيف يمكن للطرفين أن يتوصلا إلى أي تسوية لخلافاتهما.

 

سابعًا: خاتمة

ثمة توتر لا تخطئه العين في العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا، وهذا التوتر مرتبط باختلاف حسابات الطرفين الإقليمية وسياساتهما الخارجية، غير أن ذلك لا ينفي حاجة كل من البلدين إلى الآخر. ويمكن القول إننا نعيش إرهاصات علاقة جديدة آخذة في التشكل، تكون فيها تركيا أبعد عن الغرب، من دون قطيعة معه، وأقرب إلى روسيا من دون تحالف معها؛ فتركيا تعيش في محيط جيو- استراتيجي معقّد، وتحالفاتها الغربية، بصيغتها السابقة، لا تضمن لها المظلة الحمائية التي ترتجيها، ومن ثم فإنها تجد نفسها مضطرة إلى مجاراة تَبدّل التحالفات والخصومات في المنطقة. أما الولايات المتحدة، فلا يمكنها أن تتخلى عن تركيا، على الأقل في المدى المنظور، لأن البديل هو ترك فراغ يملؤه الحلف الروسي- الإيراني في المنطقة.

مقالات ذات صلة

إغلاق