تحقيقات وتقارير سياسية

الانتظار المضاعف في الجولان

 

رغم الارتباط القوي بقضية شعبي: قضية الثورة السورية، فإني -بنت الجولان- دائمًا أقرأ وأكتب وأتابع، وأغضب على أحداث محافظات وطني كلّها، ولكن للجولان مكانة خاصة لا أستطيع أن أتخطاها؛ فأجد نفسي دائمًا عائدة للكتابة عن الجولان المحتل. أحاول في هذا المقال طرح حالة الانتظار المضاعف التي نعيشها في قرى الجولان السورية المتبقية، وإلقاء الضوء على دور الإعلام في المأساة السورية الجولانية.

لا شك، بأن قضية الجولان، القابع تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ نصف قرن، هي قضية مغيبة بشكل قسري في سورية الأسد، تحت حكم نظام حَرَسَ حدود العدو، وسلم له جزءًا استراتيجيًا من أرض سورية، تحت نظام حكم دكتاتوري بامتياز، يتكلم ويخطب كثيرًا عن “حرب تشرين التحريرية”، وعن الممانعة والمقاومة، بينما باتت واضحة لنا علاقاته المتخاذلة مع الاحتلال الإسرائيلي وسكوته عن احتلال طويل الأمد، وهو أمر واضح، طرح ووثق في الكثير من المواضع.

نشهد اليوم تغييبًا قاسيًا للقضية السورية وما يخصها، في الإعلام العربي والإعلام العالمي، فلا تصل قضية سورية إلى العناوين إلّا قليلًا، ولا تُحدِث المجازر المستمرة والقصف اليومي والنزوح أي ضجّة إعلامية، ولا تنطلق في مواقع التواصل الاجتماعي حملات عن سورية. وكأن الوضع السوري الدامي أمسى حقيقة عادية يومية. في وسط كل ما وصلت إليه سورية اليوم من دمار واحتلال أسدي وإيراني وروسي وتركي وأميركي، كيف لنا، وهل بوسعنا نحن -السوريين- أن نتذكّر أيضًا الاحتلال الصهيوني في الجولان؟ بينما يهمّش ما يحدث لنصف مليون مدني ومدنية في الغوطة الشرقية بالقرب من العاصمة، فكيف لا يهمش الجولان الريفي-الحدودي، الذي مر على احتلاله نصف قرن، والذي ما تزال فيه خمسة قرى سورية، من 163، تعاني من ممارسات يومية وضغوطات ومحاولات تهويد قاسية ومخططة بدهاء وحدّة.

في ظل هذه الظروف، التي لا يلام عليها أي سوري أو سورية، من مسؤولية أهل الجولان والواعيين لقضيته أن يساهموا في عدم ضياع هذه القضية، بين كثرة القضايا والأزمات والمشكلات. فالجولان المحتل هو قضية سورية كلها، قضية وطنية محقة أخلاقيًا وعالميًا، على مستوى سورية كلها والوطن العربي.

أمسى الجولان، أيضًا في الإعلام الفلسطيني (بغض النّظر عن موقفه من النّظام) مهمّشًا. لقد حاولتُ، مع بعض الأصدقاء الناشطين والناشطات، إيصال الكثير من الأحداث في الجولان إلى الإعلام الفلسطيني في السنوات الأخيرة. أعطينا مقابلات ومعلومات كثيرة للصحافيين والصحافيات عن الوضع في الجولان، في ظل الدمار والتراجيديا السورية، ولكن، لم يتم نشر أي من هذه المواد في نهاية المطاف، وهنا لا أودّ ذكر أسماء الشبكات الفلسطينية التي حاولنا العمل معها، والكتابة عن الجولان وقضيته، لأني أرى ما يحدث ظاهرة عامة غير متعلقة بأجندات أو بجهة إعلامية معينة ومحددة.

مثلًا، بعد أن توجّهت شخصيًا إلى إحدى الصحافيات الفلسطينيات التي أجرت معي ومع بعض الجولانيين مقابلة، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، على خلفية أحداث تخص معارك في بلدة “حضر” المحاذية لمجدل شمس المحتلّة، من الجانب الآخر لخط وقف إطلاق النار. المقابلة كانت غنية، حيث أعطينا من خلالها الكثير من المعلومات والآراء، وحاولنا طرح وضع الجولان الصّعب، ومع كل هذا، لم تنشر المقابلة. توجهت للصحافية شخصيًا مرارًا لأسألها متى ستنشر المقالة، وكانت تجيبني دائمًا بأن المقالة حاليًا قيد التحرير اللغوي، وعندما ينتهون منها سينشرونها.

بعد شهر من المقابلة والأحداث، توجهت مرة ثانية إلى الصحافية بسؤال عن المقالة، وقالت لي: “سأقول لك بوضوح وصراحة، لجنة التحرير لا تريد نشر المقالة؛ كونها تحتوي على آراء واضحة تجاه النظام السوري وحلفائه، ولا نريد أن نتخذ موقفًا واضحًا يبعد عنا القراء…”، واتّضح لي لاحقًا، عبر بعض الأصدقاء، أن بعض الآراء التي قلتها بما يخص “حزب الله” أزعجت القائمين على الصحيفة، فقرروا عدم نشر المقابلة، كي “لا يعطوا صورة خاطئة عن أهل الجولان ومواقفهم”.

صحافي آخر، كان قد توجه إليّ لكتابة مادة عن الإضراب الكبير في الجولان في ذكراه، الشهر الماضي، اعتذر لي، بعد أسبوعين من المقابلة، عن نشر المادة في الشبكة الإلكترونية الذي يعمل فيها، وقال لي: “إن معظم القراء الفلسطينيين ليسوا على معرفة بقضية الجولان، ولجنة التحرير يرون أن القضية هامشية وأن علينا الكتابة عن إعلان ترامب حاليًا، وأن لا ننشغل بأمور أخرى هامشية”. أتابع هذه الشبكة يوميًا، وأرى أنّها تنشغل عن الجولان والقدس، بالكتابة عن أمور سخيفة، كأخبار عن طبخات أو ملابس أو حاجات منزلية وإلى آخره.

صحافي ثالث، عرض عليّ أن أكتب مواد متتالية، ستكون بمثابة سلسلة تعريفية عن قضية الجولان، لكي ينشرها بشكل دوري في موقع الصحيفة الإلكتروني. بعد أن كتبت المادة الأولى، وأرسلتها له للمعاينة، عاد ليخبرني بأن الإدارة قررت أنها غير معنية بالمادة، مجددًا، لكونها “هامشية”.

يرتبط التهميش الإعلامي هذا، مقصودًا كان أم لا -برأيي- بالغياب العام التدريجي لفلسطينيي الداخل المحتل عن الساحة السياسية والاجتماعية في الجولان، منذ اندلاع ثورة الحرية في سورية. وذلك لعدة أسباب أهمها عدم الرغبة “باتّخاذ موقف”، وما جلبه ذلك من تعقيدات على الساحة الجولانية، يضاف إلى ذلك حالة “الخمول” الفلسطيني العام في الداخل المحتل وأسباب أخرى اجتماعية وسياسية.

أرى الكثير من وسائل الإعلام الفلسطيني اليوم، لا تتحدث عن الجولان عامةً، وإنْ تحدث بعضها عن الجولان؛ تحدث عن أمور سياحية، “كالثلج في جبل الشيخ – شمال فلسطين المحتلة”، لا أكثر من هذا. فباتت هذه المغالطة المخجلة، التي تنص على أن الجولان موجود في أقصى شمال فلسطين، شائعة في السنوات الأخيرة، في الإعلام، وفي التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي. ليس فقط الجولان مهمّشًا في الإعلام الفلسطيني، بل أيضًا القضية السورية ككل، وهو جزء لا يتجزأ منها. وكما ذكرت أعلاه، ليس فقط في الإعلام الفلسطيني، بل في الإعلام العربي والعالمي عامةً.

أصبحت المصادر الإعلامية الوحيدة التي تهتم في شأن الجولان، هي الصحافة المحلية الجولانية (غير الفعالة وغير المهنية بما فيه الكفاية، برأيي)، والإعلام السوري التابع للنظام الأسدي، الذي يتلاعب بقضية الجولان كما يشاء، ويشدها في أغلب الأحيان إلى أماكن طائفية بشعة وبعيدة عن الواقع على الأرض. إضافة إلى هؤلاء، الإعلام العبري، الذي هو أيضًا بدوره، كإعلام النظام، يعزز ويدعم خطابًا معيّنًا بكل ما يخصّ الجولان، أغلبه يتمحور حول “المشهد اللّيلي” في مجدل شمس، أو حول الهوية الدرزية، بمحاولة لإظهار الجولان “المنفتح والغربي”، في الطريق إلى “التَّأَسْرُل” والتّطبيع والتخلي عن الهوية السورية، لأجل هوية درزية – طائفيّة إسرائيلية. إعلام كهذا، هو إعلام استشراقي واستعماري بامتياز بكل ما يخصّ القضايا العربيّة عامةً، ولو كان في أقصى “اليسار” الإسرائيلي.

للأسف، تحت هذه الظروف، حيث الإعلام المحلي في الجولان ضعيف، والإعلام العربي والفلسطيني تحديدًا (والتشديد على الفلسطيني هنا هو طبعًا من باب الامتداد الجغرافي مع الشعب الفلسطيني)، لا يأبه بالجولان وقضيته، فالمدخل الوحيد، للشاب الجولاني أو للشابة الجولانية، ولأبناء شعبنا على العموم، إلى قضايا الجولان الآنية هو عبر “عدسة” أسدية، أو عبر نظيرتها الإسرائيلية، بكثير من الأحيان. في هذا الواقع خطورة كبيرة، حيث يتغلغل الخطاب الإسرائيلي إلى عقول شباب الجولان من جهة، ويُحْدِث إعلام النّظام ردّات فعل عنيفة وإقصائية وطائفية عند الشباب، أو في الحالة الغالبة، فهو يولّد ردّة فعل ضد كل ما هو “وطني” ويخص سورية، كون الشباب يرى أن هذا الإعلام لا يمثله حقًّا ولا يخاطبه، ويعمل فقط لأجل الدعاية لأسياده. أعتقد أن أزمة الإعلام هذه، وسياسات التهميش القسرية، تستطيع (إن لم تفعل بعد) المساهمة في تدمير الهوية لدى شبابنا، بمعنى أنها تجعلهم يرون أنفسهم ووطنهم عبر “عدسات” ذات أجندات مدمرة.

يضاف إلى ما تقدّم، أن قضية الجولان المحتل قد همّشت، ليس فقط تحت الحكم الأسدي، بل أيضًا في صفوف المعارضة السورية الرسمية، فقد تجنّبت فصائل المعارضة ومجموعاتها الحديث عن الجولان المحتل، وذهبت إلى “إسرائيل”. وفي ذلك خطأ أخلاقي ووطني كبير، بل خطأ سياسي واستراتيجي، يترك قضية الجولان المحتل ورقة رابحة في أيدي النظام السوري ليطرحها ويظهرها كما يشاء.

عند اندلاع الثّورة السّورية، لاقت الثورة صدى جولانيًا وتفاعلًا، على أمل أن تحرير سورية من الاستبداد سيشق طريقًا من طرق الحرية إلى الجولان، الذي كلّ وملّ أهله بانتظار التحرير من الاحتلال والعودة لحضن الوطن، ولم شمل عائلاتهم المشتّتة. ظننا -وما زلنا نظن- أن الثورة، عند انتصارها، ستكون تحريرًا أولًا، وعندها فقط يستطيع أن يكون التحرير من قبضة الاحتلال التحرير الثاني.

شباب وأطفال الجولان اليوم، يعانون من هذا التهميش على كل المستويات، ومن كل الجهات، فمن يحمل رايتهم ومن يرسم لهم مستقبلًا خاليًا من الاحتلال والاستبداد معًا؟ نحن في الانتظار، كأبناء شعبنا، لتحرير سورية من كل استبداد وظلم تعانيه، ولكننا بالإضافة للانتظار الأول، علينا الانتظار ثانيةً. فما أصعب الانتظار مرّة، وكيف عندما يكون مرّتين؟ كيف لا نفقد الأمل بالعودة يومًا ما؟

في ظلّ هذا التهميش، وفي ظلّ غياب أي مشروع تحرير، ما نستطيع فعله وما علينا -ربّما- فعله، هو أولًا تأسيس منابر إعلاميّة محلية مستقلة عن أي أجندة، تهدف إلى إنشاء مساحة تعبيرية وجدلية حرة، يستطيع عبرها الشاب الجولاني الاطلاع على أموره وقضاياه وتحليلها ونقدها عبر “عدسته” هو، أو عبر “عدسة” أقرانه، فنحن بحاجة إلى هذه المنابر أكثر من أي وقت مضى. وهنا، يجب الإشارة إلى ضرورة إعادة تفعيل موقع “الجولان” التابع للجمعية لتنمية القرى العربية في مجدل شمس، فقد كان منبرًا حرًّا وأرشيفًا مليئًا بالمعلومات والوثائق والإحصاءات ومقالات الرأي المهمة، التي تعبّر -برأيي- بصدق ومهنية عن الواقع الجولاني وامتداده السوري وتحاكيه. وثانيًا، ودائمًا، علينا الصمود والتمسك بهويتنا وبأرضنا قدر المستطاع، عبر التثقيف والتوعية ونشر قضية الجولان العادلة قدر المستطاع بيننا، على الصعيد الداخلي، وفي أوساط السوريين الأحرار، على الصعيد الوطني. علينا حمل قضيتنا إلى كل منصة تطالها يدنا، عربية كانت أم عالمية، كي لا تنطفئ شعلتها وتنطوي بين صفحات التاريخ. لعلنا هكذا نصمد خمسين عامًا آخر، ولربما مئة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق