أدب وفنون

عندليب الأندلس “لوركا”

“مَاذا سيحدُث إذا تَحولت الوسادة تحت رؤوسنا إلى صدر من نُحب!”

 

يُعدّ الشاعر الإسباني “لوركا” من أشهر شعراء القرن العشرين، ومن أعظم شعراء الحرية والكرامة الإنسانية في عصره. ولد الشاعر والفنان والمسرحي والأديب الإسباني فيدريكو غارسيا لوركا، في غرناطة يوم الخامس من حزيران 1898 بـ (فونت باكيروس)، وهي قرية صغيرة تبعد عن غرناطة عشرين كيلومترًا، من أب فلاح وأم معلمة، أدخلته إلى فضاءات المعرفة في سن مبكرة.

لم يكن لوركا ميالًا للدراسات الأكاديمية، فقد توقف عن دراسة الحقوق في جامعة غرناطة، ورسب في امتحان مادة اللغة الإسبانية، متقلبًا بين الشعر والرسم والموسيقى، وتتلمذ على يد الفنان إيمانويل دي فالا -أكبر موسيقيي إسبانيا في عصره- وأخذ لديه دروسًا في الموسيقى، تركت آثارًا واضحة في موسيقاه وشعره الغنائي، كما أظهر اهتمامًا بمسرح العرائس والدمى، وقام بعمل كبير وهو في الجامعة، وضع فيه خلاصه تجاربه ورحلاته، وبدأ التردد على المنتديات الأدبية، وقد أقام في سكن الطلبة في مدريد بين عامي 1919 و1928، تردد خلالها على غرناطة، وتعرفَّ هناك إلى (سلفادور دالي، وألكسندر رافييل ألبرت، وبابلو نيرودا)، حيث أسَّس صحيفة مع أصدقائه لم يصدر منها سوى عددين.

سافر بين عامي 1929 و1930، إلى أميركا وكوبا، وصُدم بحضارة أميركا، ليكتب فور عودته، مجموعته الشعرية (شاعر في نيويورك) التي عَرَّفت الناس على شخصية مغايرة للوركا الشاعر، قبل أسفاره خارج إسبانيا. كان سبب هذه الرحلة في العمق، هو هروبه وابتعاده عن جوّ المهاترات والمشاحنات الذي أصبح سائدًا في الأوساط الدراسية في مدريد، حيث كان لوركا قد أصيب من جرّاء ذلك بكآبة شديدة، كدّرت حياته في العاصمة الإسبانية، وقد كان للمجتمع الأميركي تأثيرٌ حاسم على الشاعر، إلا أنّه أحسّ بنفور كبير من الرأسمالية، والتصنيع المبالغ فيه، كما أنه شعر باشمئزاز بليغ من المعاملة التي كان يسم بها الأميركيون البيض، الأقليّةَ المهمّشة من السّود.

لقد كان هذا الديوان (شاعر في نيويورك) صرخةً مدويّة ضد الرّعب، للتنديد بالظلم والتمييز العنصري وإدانتهما، في هذا المجتمع الغارق في التصنيع المادي، والاغتراب القاتل للجنس البشري، والمناشدة بضرورة احترام البعد الإنساني للبشر، وصوْن حقوق الإنسان، وسيادة الحرية والعدالة والحبّ، وربّما هذا ما حدا بالنقّاد إلى اعتبار هذا الديوان من أهمّ الأعمال الشّعرية التي ظهرت وواكبت عصرَ التحوّل الاقتصادي، والتطوّر الاجتماعي، بين عامي 1933-1934.

بعد عودته من الأرجنتين والأورغواي؛ عَرَّف لوركا الفلاحين والبسطاءَ على فن المسرح، بعد أن كوَّن مسرح الكوخ، وأنشأ العديد من نوادي الثقافة، حيث نظَّم في غرناطة مهرجانات للأغاني الشعبية وللأطفال، تدعمه معارض لوحاته ورسوم موهبته التي أضافت تميزًا لشخصيته وتفردها، فهو الموسيقي والمسرحي والمحاضر في الأدب والفن لتأتي أعماله دعمًا لمبدئه… “في هذا الزمن المأسوي من العالم، يجب على الفنان أن يُضحك ويُبكي جمهوره، ويجب أن يترك الزنبق الأبيض مغمورًا حتى وسطه بالوحل، وذلك لمساندة الذين يبحثون عنه”.

كان مسرح لوركا الفولكلوري يجري في أجواء أسطورية أو واقعية شائقة، تواجه مشكلات الوجود الجوهرية، لتتشابك بشكل محكم، مع عناصر الموسيقى والتشكيل والديكور والرقص.

كانت مسرحياته إما هزليات، أو كوميديات غير قابلة للتمثيل، أو تراجيديات، ودراما تأثرت بشكل واضح بالحياة العربية والريف الأندلسي. وقد تجلى ذلك من خلال تركيزه على معاني (طلب الثأر والعِرض والشرف)، كما ركزت على عزلة المرأة ومنعها من الاختلاط بالرجال، وتأثير هذه العزلة على النساء، وما تبعثه فيهن من توقٍ إلى الحب.

كان لوركا مقلًا بكتابته للمسرح. لكن ما كتبه من مسرحيات، مكنته من بلوغ سلم الشهرة، وجعلته من أفضل كتاب المسرح، في إسبانيا على وجه الخصوص. فمسرحية (بيت برناردا ألبا) نُشرت وعرضت بعد وفاته، وهي مسرحية واقعية، عنيفة، كان قد كتب معظمها نثرًا.

أما الشعر، فقد بدأ لوركا بكتابته عام 1916، واستمرت مسيرته الأدبية طيلة ثماني عشرة سنة، ومن مؤلفاته (انطباعات ومناظر طبيعية، 1918) وهو كتاب نثري فيه حضور قوي لغرناطة، وللماضي العربي الإسلامي، الذي قام بإهدائه إلى معلم الموسيقى.

أما أول ديوانِ شعرٍ له، فقد صدر في عام 1921 وعنوانه (كتاب القصائد)، وهو مجموعة مختارات شعرية من الأعمال المتراكمة حتى ذلك التاريخ، وقد تجلى فيه إحساسه الغنائي واهتمامه بالمحتوى الأندلسي للشعر، واستخدم فيه رموزًا كثيرة، مثل: الغيتار، والغجر، والقمر الأخضر، والريح والماء، والزيتون، والنهر، حتى أصبحت مفرداته هذه تدلُّ على مدى ارتباطه ببيئته الأندلسية. “أردت أن أطرز علمي بحروفي الشعرية المضرمة، فغمست مداد قلمي، بواقع بلادي التي كانت تجيش في مطاوي قلبي”.

ترجمت أعماله إلى أكثر من عشرين لغة، وكانت مجموعاته الشعرية زاخرة بالألحان الشعبية الراقصة، والأجواء الفولكلورية والأزجال الأندلسية.

تغنى بـ “لوركا” عددٌ كبير من الشعراء العرب مثل العراقيين: بدر شاكر السياب، وسعدي يوسف، وعبد الوهاب البياتي. كما تجلى تأثير لوركا اللافت والقوي في الشعر الفلسطيني، لا سيما أشعار محمود درويش وسميح القاسم.

كان لوركا مهووسًا بالموت، دائمَ الحديث عنه، وعن هواجسه، وقدَره: “فليمت قلبي، وهو يغنّي في هدوء، عن السّماء الجريحة الزّرقاء” ثم نجده يطلب ما لم يمنحه إيّاه الزّمن، وما لم تهيئه له حياتُه، وظروفُه، وقدَرُه، حيث يقول في قصيدة أخرى: “خليلي، أريد أن أموت، بريئًا على سريري الفولاذي إذا أمكن، ذي الملاءات الهولندية”. إلاّ أن القدر كان واقفًا له بالمرصاد، ولم تتحقّق له هذه الأمنية، فقد مات لوركا مغتالًا، مقتولًا، صريعًا برصاص خصوم الحريّة والانعتاق، وأعداء الشّعر والحياة.

قيل إن لوركا كان مثليًا جنسيًا، ولم يكن يتكتّم على ذلك، وكل المحيطين به كانوا يعرفون عنه هذا، وقيل –أيضًا- إن قوات اليمين الكاثوليكي المتعصب، المتحالفة مع الجنرال فرانكو قتلته لهذا السبب.

لم يُقتل لوركا لأنه شاعر وشاعر عظيم، فـ “القتلَة لا يقرؤون”، بل قُتل لأنه مثليّ. وكان ثمة شكوك بأن عائلة لوركا تقف وراء عملية القتل، بسبب ثأرٍ عائلي! كما قيل –آنذاك- إن اليمين الديني المتزمت قتل المئات، وربما الألوف من المثليين الجنسيين، وكان من بينهم لوركا!

ربما، لم يُقتل لوركا بأي دافع سياسي، وعليه فإن الجنرال فرانكو، وحزب (الفلانخ) -وهما المتهمان الرئيسيان- يصبحان بريئين من دمه. وربما اتُخِذ مَقتلُه -أيامها- سلاحًا سياسيًا، رفعه خصوم نظام الجنرال فرانكو في الشرق والغرب على السواء، وألقيت التهمة على النظام، ولقد جعله انتماؤه للتيار الجمهوري اليساري، وكذلك نجاحه، ضحيةً مشؤومة للحرب الأهلية في غرناطة. لكن الموسيقي العبقري دوفايا، في التاسع عشر من آب/ أغسطس 1936، هبّ من عزلته حين وصله خبر اعتقال لوركا، قائلًا: “يا ويلهم، إنهم لا يعرفون، سيفتكون بأكبر شاعرٍ إسباني”، ومضى “دوفايا” كالمجنون، هنا وهناك، مجازفًا بحياته، لإنقاذ صديقه الشاعر، في الوقت الذي كانت سيارة الموت قد مضت به، في فجر ذلك اليوم، إلى ضاحية فيزنار المشؤومة؛ حيث سقط لوركا خارج غرناطة؛ حيث حقول الزيتون وبيارات البرتقال، برصاصات آثمة، رمته بها بنادق كتائبية فرانكوية حاقدة، فقتلته في عز الخصب والعطاء، وهو لم يكمل عقده الرابع.

تم استدعاء الشاعر، بعد منتصف الليل، وكان ينتظرهم. لم يقل لهم أكثر من إنه لا يريد لذلك (الموت) أن يحدث في المقبرة (إنها فقط للصمت والأزهار)، ولكنهم في طريقٍ مجاور لمجرى ساقية؛ حين ظهر الأفق أمامه وسلسلة جبال (لاسييرا)، وقد غطاها الضباب الليلي الأزرق، وقُربها غابة حورٍ سوداء، هناك… طلبوا من الشاعر أن يركض (ركض ويداه تهتزان، ورأسه يتداعى)، وانطلقت الرصاصات؛ فسقط على وجهه معفرًا بالتراب الأحمر. في اللحظة نفسها ذعرت حمامات غرناطة، وبدا لون الطيور والحدائق والعيون متشحًا بالسواد، غير أن القتلة -كما في أي زمان ومكان- كانوا يرقصون على موت بائع زهور البنفسج الغجري، وفرحوا بانتصارهم على غسق متوهج وعشب.

كانت اللحظات الأخيرة في حياة شاعر غرناطة مزيجًا من الألم، والخوف، والحزن، وعدم القدرة على مواصلة الإبداع. لقد أعدم شاعر الأساطير والجنون، وهو الذي كان دائم الحديث عن الموت في شعره.

يقول مجيبًا عن سؤال الصّغار:

امتلأ قلبي الحريري بالأضواء، والنواقيس الضائعة

والزنابق والنحل، سأذهب بعيدًا بعيدًا

ما وراء تلك الجبال، ما وراء تلك البحار

قريبًا من النجوم.

كانت جريمة قتل لوركا، التي انسكبت من أجلها أنهار من الدموع والحبر على حد سواء، تطرح دائمًا عددًا غير متناهٍ من القصص التي يلفها الغموض والصمت بفعل اللحظة التي وقع فيها. لكن لا بد لنا أن نعي جيدًا أن قتل الأصالة مستحيل، لأن الجسد ينتهي يومًا كالزجاج، لكن الصوت يبقى، وأن الموت التافه هو أقبح موت لإنسان عظيم.

مقالات ذات صلة

إغلاق