مقالات الرأي

المجالس المحلية والتجارب المنقوصة

 

أفرزَت متغيّرات المشهد السياسي السوري العديدَ من التجارب والفعاليات التي لم يعرفها المجتمع السوري من قبل، والتي سيكون لها أثرها على المدى البعيد، ومن بينها تجربة “المجالس المحلية” التي تمّ تأسيسها، لسدّ الفراغ الكبير في عمل مؤسسات الدولة، وتقديم الخدمات المختلفة، وسط تحديات وتغيّرات مستمرة سياسية واقتصادية وعسكرية، في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة والمناطق الكردية الخارجة عن سيطرة النظام.

اتخذت المجالس المحلية مرتكزها القانوني من المرسوم 107 الذي أقرّه النظام في آب/ أغسطس 2011، ضمن رزمة إصلاحات تهدئة الاحتجاجات التي طالت قانون الإدارة المحلية، وتطبيق لامركزية السلطات والمسؤوليات، وتسليمها للشعب عبر مسؤولين منتخبين ومعيّنين يعملون على المستويَين: المناطقي والمحلّي، في المشاريع الخدمية والتنموية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تقوم بها الوحدات الإدارية، ضمن نطاق عملها، كما شكّل المرسوم 107 والإقرار ببعض اللامركزية جزءًا من مفاوضات جنيف، وحظي بدعم الفرقاء الداخليين “النظام والمعارضة”، والخارجيين كأميركا وروسيا التي ضمّنته في الدستور السوري المقترح من قبلها، في كانون الثاني/ يناير 2016، عبر ما أسمته “جمعية المناطق”، وهي الإدارات المحلية في شكلها الحالي، مع صلاحيات موسّعة تقيّد مركزية السلطات، عبر توليها مع “جمعية الشعب/ مجلس الشعب حاليًا” السلطة التشريعية في البلاد.

التركيز على المجالس والهيئات المحلية، والبنود القانونية المتعددة التي تحدّد آلية عملها، لم يعطها قوة النفاذ، في ما يتعلق بتطبيق مبدأ الديمقراطية، وجعل الشعب مصدر كل سلطة، أو تأدية اختصاصاتها ومهماتها في تطوير الوحدة الإدارية، اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا وعمرانيًا، فهي لا تتمتع بالتمكين والصلاحيات، على الأقل في “مناطق النظام”، فالمجالس -كغيرها من الدوائر الحكومية- خاضعة لسلسلة كبيرة من ملفات الفساد والمحسوبيات والتقصير في تأدية المهام التي تعوق عملها وفعاليتها، وتزيد من انتهاك حقوق المواطنين، بدل تقديم العون في ظل الوضع الكارثي الحالي، ويضاف إليه عدم تمتّعها بسلطة سياسية كافية للاستجابة بفاعلية للاحتياجات والمشاغل المحلية، بحيث لا يمكن النظر إليها على أنها تسليم السلطة إلى أيدي الشعب أو مدى تمثيل هذه المجالس لقواعدها الناخبة؛ ما يجعل هذا البند الدستوري مجرّد حبر على ورق، كما أن إعطاء صلاحيات كافية إلى الهيئات المحلية، في المناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد، سيعزّز تثبيت واقع إقليمهم الذاتي-علمًا أن المجالس في تلك المناطق استطاعت بناء مؤسسات بديلة للحكم ولإدارة مناطقها بدعم أميركي مباشر- وهذا ما يزال مرفوضًا بالنسبة إلى النظام الذي يعارض رغبة الأكراد في نظام الحكم الاتحادي اللامركزي، ويعدّ تلك المجالس المحلية “هياكل مؤقتة”، مع أن دستور سورية 2012 (المادة 131) أقرّ مبدأ اللامركزيّة الإدارية المحليّة، وأن سورية تتكون من كيانات إدارية مناطقية (وحدات إدارية) لها الحق في إدارة شؤونها ذاتيًا، إلا أنه فيما يخص منح درجة معيّنة من الحكم الذاتي للأكراد يبدو مرفوضًا من قبل النظام والمعارضة على السواء.

المجالس المحلية في مناطق النظام قابلتها تجربة مختلفة في مناطق المعارضة؛ حيث حققت مجالسها نسبة كبيرة وكثيفة من الحضور، واستطاعت توسيع مجال خدماتها، ولم يعد يقتصر دورها على الإغاثة الإنسانية، إنما شمل تقديم الكثير من الضروريات الحياتية للمواطنين ودعم سبل عيشهم، كتوفير المياه والتعليم وبناء وترميم البنية التحتية وغيرها، لتصبح كيانات أكثر رسمية مع أجهزة تنفيذية ومكاتب متخصصة تعدّ بمثابة حكومات مصغّرة، تعنى بتسيير شؤون القرى والمدن وتنظيم مناطقها، وفق صيغ تمثيلية انتخابية حينًا وتوافقية حينًا آخر؛ لتحوز على شرعية سياسية توازي أهمية قيامها بالخدمات المحلية، في ظل استمرار تأزّم المشهد وهامشية دور المعارضة السياسية وفشلها في امتحان القيادة والتمثيل، وذلك رغم الصعوبات التي تواجهها بسبب ظروف النزاع المسلّح التي تفرض نقصًا حادًا في الموارد والخبراء المؤهلين، إضافة إلى أن وجودها في مناطق تتعدد فيها الفصائل، ويغيب التنسيق وقواعد إدارة العلاقات بين المدني والعسكري والديني، يخلق بيئات شديدة التنافس وتضارب للمصالح على السلطة والموارد، فمعظم الفصائل الإسلامية تمتلك أذرعًا تنفيذية لإدارة الخدمات، ولها مجالس شورى وهيئات شرعية، تفرض إيقاعًا تنافسيًا على انتزاع الشرعية السياسية عبر السيطرة على تأمين الخدمات وإدارة الآليات القانونية، وهذا يحدّ من قدرة المجالس المدنية على إدارة شؤون المناطق، وذلك رغم محاولات المعارضة المتمثلة بـ “الائتلاف الوطني” و”الحكومة السورية المؤقتة” فرض أطر قانونية وتنظيمية مشتركة للمجالس المحلية، وتشكيل وزارة للإدارة المحلية تشرف على إدارة هذه الهيئات والمجالس، لكن تفاوت مستويات اعتراف المجالس بالحكومة المؤقتة، إلى جانب الخلافات بين المجالس المحلية والهيكليات الرسمية للمعارضة في الخارج، جعل تنسيق العمل وغياب النظام الموحّد للمجالس المحلية على الأرض جزءًا من تعثّر أدائها، واختلاف بنيتها وآلية إدارتها بين مجلس وآخر، فهي بقدر نجاحها في بعض المناطق، تعاني في العديد من المناطق من غياب الديمقراطية، والاعتماد على التمثيل العائلي والقبلي، والابتعاد عن مشاركة جميع الفئات المجتمعية، في وقتٍ تبدو الحاجة فيه ملحّة إلى الابتعاد عن المحسوبيات والولاءات والتوجّه نحو الكفاءات. تبقى المشكلة الأهم هي المشكلة المالية التي تواجه معظم المجالس المحلية، حيث لا يتوفر للمجالس الدعم المستمر اللازم محليًا في ظل الظروف المعيشية الصعبة، ويقع الاعتماد الأكبر على المنظمات الإنسانية والتمويل الخارجي للمشاريع الذي يؤدي إلى التنقل من مشروع إلى آخر، حسب أولويات المانحين بدل النظر في الأولويات المحلية من جهة، ومن جهة ثانية تحوّلت سورية إلى ميدان للصراع الإقليمي والدولي على تقاسم مناطق النفوذ وتسليمها لإدارات محلية أكثر طواعية وخضوعًا للفاعلين الدوليين والإقليميين، لكنها لن تكون حرّة بل ستكون جزءًا من أزمة مستقبلية، بغض النظر عن مقدار فعاليتها وضرورة وجودها حاليًا لتوفير العيش.

أمام ما يطرح من حلول تسعى لتحويل سورية إلى مجموعة من الكانتونات والأقاليم الصغيرة الخاضعة لوصاية الضامن أو الراعي وتقسيمها من الناحية العملية؛ فإن أي تعويل على اللجان والمجالس المحلية كتجربة سياسية يبنى عليها، لإدارة سورية والحفاظ على وحدتها وحكم المجتمع من خلالها، هو اكتفاء بصيغة منقوصة لحكم الشعب الذي يقرر مصيره، عبر المشاركة الشعبية العامة في رسم سياسة البلد ومحاسبة المسؤولين، وهدرًا للتضحيات التي قُدّمت للوصول إلى دولة تحترم مواطنيها وتؤمّن الحقوق والحريات للجميع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق