مقالات الرأي

اصطفافات سورية… من التمويل إلى التبعية السياسية

 

بداية لن نكون بحاجة إلى سَوق كثيرٍ من الأدلة، لنثبت أن المسألة السورية خرجت من حدود سورية مبكرًا، وتحوّلت -كما تشير التواريخ المتلاحقة- إلى لعبة أممية كبرى، يمثل فيها السوريون هامشًا ضيقًا لا أكثر، ولا تمثل مأساتهم ولا معاناتهم اليومية سوى تفاصيل إضافية، كما أننا لن نكون بحاجة إلى توريط أنفسنا في لعبة تبرئة طرف خارجي واتهام طرف آخر؛ فالجميع متورطون، بشكل متساوٍ، وقد اندفعوا جميعًا، في توقيت واحد تقريبًا، ليدلوا بدلائهم في تلك المسألة، ويغنموا منها بحضور يحقق لاحقًا مكاسب اقتصادية وسياسية، كل حسب غايته. انسحب بعضهم بسبب طول المدة، وربما بسبب تغير السياسات الخارجية لدولهم، كما حدث مع بعض الدول الأوروبية التي كانت في البدايات أكثر فاعلية، ثم غابت شيئًا فشيئًا، حتى لم تعد موجودة تقريبًا، فرنسا مثلًا، وهي التي دفعت في وقت من الأوقات -غداة الهجوم الكيميائي الذي شنه نظام دمشق، وفق أدلة دولية، على غوطة دمشق، وراح ضحيته مئات المدنيين معظمهم من الأطفال، في شهر آب/ أغسطس 2013- إلى شن حملة عسكرية على غرار ما حدث في ليبيا، وقد حركت باريس بعض بوارجها الحربية وكانت على أهبة الاستعداد حقًا، لكن تراخي الشريك الأميركي، إبان فترة حكم الرئيس أوباما، قلب المعادلة الفرنسية، وسيتراجع الدور الفرنسي تباعًا وصولًا إلى يومنا هذا، حيث لا يمكن أبدًا القول إن ثمة موقفًا فرنسيًا واضحًا تجاه النظام السوري، بل يظهر في بعض الأحيان أن الإليزيه ليس لديه مانع من إعادة تأهيل نظام دمشق، ما دام هذا الأمر كفيلًا بإسكات اليمين الفرنسي المتطرف، الذي دأب على تخويف الفرنسيين من إرهاب إسلامي لن يلبث أن يجتاح بلادهم، في حال سقطت النظم الديكتاتورية في الشرق.

عربيًا أيضًا، غابت مصر عن المشهد السوري؛ فبعد أن كانت إبان فترة حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي رأس حربة ضد نظام دمشق، بل إن الرئيس مرسي دعا إلى “الجهاد” لأجل سورية، لكن القاهرة تحولت، بعد الانقلاب العسكري صيف العام 2013 الذي أطاح الرئيس مرسي، إلى حليف غير مباشر للنظام، بل إن ثمة اتهامات أن النظام المصري قد يكون قدّم دعمًا عسكريًا محدودًا لدمشق، وأن طيارين مصريين شاركوا فعليًا في قصف بعض المناطق السورية.

في ضوء هذه المعمعة من المواقف الدولية والإقليمية؛ نستطيع أن نرصد تقلبًا في المواقف الداخلية أيضًا، وسوف نسميها داخلية تجاوزًا، وقد تركت أثرًا كبيرًا على مسار الثورة السورية، وحدَث هذا تمامًا في عام 2013 الذي يمكن النظر إليه باعتباره عام التحول الكبير، ففي حين ظل نظام دمشق وفيًا للأوصياء عليه، والمقصود هنا روسيا وإيران، ولم يحدث أن فكّر بتغيير ولائه لهما، بل إنه ذهب بعيدًا في ولائه بأن سلم قياد أمره تمامًا لهما، واختفى من المشهد تمامًا، سياسيًا وعسكريًا، وفيما لعب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف دوره السياسي، فإن عشرات الجنرالات الإيرانيين ظهروا في الصورة، باعتبارهم هم فقط من يقودون المعارك ومن يديرون اللعبة العسكرية، طبعًا سوف يتغير الدور الإيراني لاحقًا، عندما تقرر موسكو أن لا بدّ من تدخلها عسكريًا، عام 2015. بينما بدأت المعارضة عسكرية وسياسية تعيش مرحلة من انعدام الوزن، وهي توزع ولاءاتها بين الداعمين الذين تتغير أمزجتهم وفقًا لتغيرات السياسة الدولية، حتى تحول الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة إلى حقل تجارب لتلك الولاءات، فشهد بدوره تغييرات دراماتيكية، لم يستطع خلالها أن يظهر بمظهر القادر على تولي مسؤولية الأمور، في حال سقط نظام دمشق، وشهد داخله تجاذبات أفقدته أي قدرة على إدارة أي من الملفات الصغيرة التي كان يمكن أن تكسبه بعض الثقة في الشارع السوري، مثل ملفات الإغاثة والإعلام وسواها، أما الملفات السياسية كملف التفاوض، فقد أطيح بالائتلاف خارجه، حين أصرت الدول الداعمة للمعارضة على تشكيل هيئة للمفاوضات خارج جسم ذلك الائتلاف، وقد صرّح أحد الأعضاء البارزين في الائتلاف الوطني بأنه يطلع على نتائج المفاوضات عبر شاشات التلفزة، شأنه شأن من يتابعون، وهذا التصريح بمقدار ما قد يبدو عابرًا، لكنه يحمل أكثر من إشارة إلى أن خلافات الداعمين والممولين خلقت شرخًا كبيرًا في كيان المعارضة السورية، طبعًا دون أن ننسى أن المعارضات المختلفة لم تعد مضطرة إلى إخفاء ولاءاتها، وصار يطلق عليها تسمية تحيلها إلى من تتبع لهم علانية ودون مواربة، فنحن نتحدث عن منصة القاهرة ومنصة موسكو وسواها من المنصات، وكل واحدة من تلك المنصات تحمل رؤية مختلفة عن الأخرى، بل نستطيع أن نجزم أنهم لا يتفقون على أي شيء فيما بينهم، ويمكن قول الأمر نفسه على بعض الفصائل المسلحة في الداخل السوري فهي، وهذا أمر لم يعد خفيًا، تتحرك وفق ما يخطط له داعموها، وتنفذ خططًا عسكرية ترسم خارج الحدود السورية، فتنسحب بتوجيهات وتتقدم بتوجيهات أيضًا، وتتقاتل فيما بينها بتوجيهات أيضًا، وقد ترك الخلاف الخليجي أثره واضحًا على تلك الفصائل، وهو أمر ينبغي الاعتراف به وعدم إنكاره، وإلا؛ فسوف نكون كمن يخفي وجه الشمس بغربال، وقد زاد كل ما تقدم المسألة تعقيدًا شيئًا فشيئًا، وصولًا إلى ما وصلنا إليه هذه الأيام من حديث عن نهاية الثورة، وعن أن نظام دمشق يستطيع القول إنه خرج منتصرًا، بخاصة في ضوء التحضير لمؤتمر سوتشي الروسي الذي يمكن النظر إليه على أنه لن يخرج إلا بوثيقة استسلام سوف يوقعها الذاهبون إليه.

ولكن مهلًا، أتواصل منذ فترة مع عدد من الناشطين في غوطة دمشق المحاصرة التي تتعرض لقصف يومي، يعمل أولئك الناشطون على بعث روح الثورة داخل مجتمعاتهم، وهم ينجحون في مقاومة جميع ما يتعرضون له، بإصرارهم على فكرة أن الثورة سوف تنتصر عاجلًا أم آجلًا، وما علينا سوى حمايتها والسهر عليها، يرفضون أن يغادروا، أو أن يساوموا، وهم لا يقاومون نظام دمشق والميليشيات الموالية له، لكنهم أيضًا يقاومون تلك الفصائل المسلحة التي يقولون إنها تخضع لأوامر غير سورية، ويتعرضون لضغوط كبيرة كي يتوقفوا عن المقاومة ويعلنوا أنهم هزموا، لكنهم لم يفعلوا، ولن يفعلوا… تلك هي الثورة التي لا يعلم عنها السياسيون أو مرتزقة الحروب… تلك هي الثورة التي بدأت بصرخة حرية، ولن تتوقف حتى تحصل على الحرية، ولن يهمها أبدًا لا ممولون ولا داعمون ولا سواهم.

مقالات ذات صلة

إغلاق