أدب وفنون

“عشبة ضارة في الفردوس”

 

يُعدّ الروائي والناقد السوري الكردي هيثم حسين، من أبرز الأصوات الأدبية، في المشهدين العربي والكردي، في العقد الأخير، وهو كاتب متعدد المواهب يمتاز بسلاسة أسلوبه وعمقه وبساطته في آن واحد.

(جيرون) التقته للحديث معه، حول روايته الجديدة (عشبة ضارة في الفردوس) الصادرة مؤخرًا عن “دار مسكيلياني للنشر” في تونس، والتي اختارها النقاد واحدة من أبرز الروايات عربيا في العام 2017. كما دار حديثنا مع صاحب (الروائي يقرع طبول الحرب) حول مجمل مشروعه الروائي، وكتابه الأخير (حكاية الرواية الأولى)، الأول من نوعه في الساحة الأدبية العربية.

– (عشبة ضارة في الفردوس) رواية تقتفي أثر الأكراد الذين نزحوا من مدنهم وقراهم البعيدة، في الشمال السوري إلى ضواحي العاصمة دمشق بعد سنة 2004. حدثنا عن هذه الرواية وظروف كتابتها ومضمونها.

= لهذه الرواية ظروفها الخاصة بالفعل، فقد شرعت بكتابة فصول منها أكثر من مرة، وفي أكثر من مدينة، حين كنت في القاهرة وإسطنبول، وحين وصلت إلى لندن، كنت أتوقف كل مرة لشهور، ثم أعاود الاشتغال على ما كنت قد أنجزته منها. لقد مررت بظروف عصيبة، خلال فترة انتظاري الحصول على الإقامة في بريطانيا، وكان بالي مشغولًا على أسرتي التي تركتها في إسطنبول، وكان يجب أن أستمر في الإيفاء بالتزاماتي والاستمرار في الكتابة الصحافية. وكان التأجيل من نصيب الرواية كل مرة، لأن الكتابة الصحافية تستنزف الطاقات.

في هذه الرواية، حرصت على توثيق جزء من معاناة شريحة من أبناء الشعب الكردي ممن اضطرتهم الظروف القاسية، بعد انتفاضة آذار/ مارس 2004، إلى النزوح إلى المدن الكبرى، كدمشق وحلب، فكانت صدمة كبرى لهم في تلك المدن، تعرض بعضهم للاستغلال وشعروا بأنهم غرباء في بلدهم. حاولت عرض وتأريخ جانب من تلك المعاناة، والتقاط جزء من مشاعر الاغتراب التي استوطنت أعماقهم، وكيف أن ذلك النزوح الداخلي كان بداية لنزوح سوري أشرس وأكثر قسوة ووحشية. أصبح أولئك النازحون لاجئين لاحقًا في دول الجوار، قضى قسم منهم في الحرب، واختار آخرون الانتقال إلى أمكنة أخرى.. وكأن النزوح واللجوء أصبحا جزءًا من شخصية الكردي والسوري تاليًا.

أعتقد أن كل رواية تختلف عن سابقتها في كثير من النقاط، سواء من ناحية الشكل أو المضمون، فتجربة أي كاتب تتطور وتنضج أكثر فأكثر بتراكم الخبرة والاطلاع. قضايا الهوية والانتماء والذاكرة هنا تتوازى مع الاشتغال على أعماق الإنسان، هذه الأعماق التي أعتبرها قارات مجهولة تضمن للروائيين رحلات إلى عوالم غرائبية كل مرة، أعماق محيطات لا تنضب، متجددة باستمرار. وهي التي أجدها عوالم مغرية للمقاربة والاشتغال.

 

– صدر لك مؤخرًا كتاب بعنوان (حكاية الرواية الأولى)، ما الذي يعنيه لك هذا العمل؟

= في الواقع، هذا الكتاب هو نتاج جهد جماعي، شارك فيه ثلاثون روائيًا وروائية بحكاياتهم وذكرياتهم عن رواياتهم الأولى، وتجاربهم في الكتابة الروائية، المشقات التي اعترضت سبلهم في رحلتهم الكتابية، والشغف الذي كان يقودهم للتغلب عليها. لذلك، فالكتاب هو كتاب مَن شارك فيه، اقتصر دوري على تقديمه وإعداده، إذ تواصلت مع الروائيين والروائيات على مدار عامين، للمشاركة في إثراء زاوية (حكاية الرواية الأولى) في موقع (الرواية نت)، وانتقيت لاحقًا ثلاثين حكاية ضمها هذا الكتاب. أعتقد أنه من أوائل الكتب في العالم العربي، من حيث موضوعه وجمعه روائيين من أجيال مختلفة، ومن كثير من الدول العربية، هناك روائيون مكرسون وآخرون يجتهدون لتحقيق نجاحات في عالم الرواية الثري.

 

– هل فعلًا أنت “كاتب وروائي كردي في طي النسيان”، إعلاميًا، على الساحة الكردية “الفضائية”. وما هي أسباب ذلك؟

= أعتقد أن الأمر نسبي، فهناك كتاب يظهرون على كثير من الشاشات كمحللين سياسيين للتعليق على أحداث يومية، يمنحهم الظهور المتكرر حضورًا ما، أو يعرف الناس إليهم. وأنا لست من هؤلاء طبعًا. لست كاتبًا استعراضيًا متهافتًا على اللقاءات في الفضائيات، وقد رفضت أو أجّلت أكثر من مرة عددًا من اللقاءات المتلفزة التي عرضتها قنوات كردية وعربية. أعتقد أن توصيف “طي النسيان” قد يعبر عن جانب من محنة الكرد عمومًا، إذ يمكنني القول إن غالبية الأدباء الكُرد في طي النسيان عمليًا، بقدر ما يكون النسيان في عدم القراءة، والرغبة عن الكتاب والعزوف عنه. وكما تعلم مَن لا يقرأ لك يجهلك. وللأسف الغالبية العظمى من الكُرد، كالعرب، تعتمد على الفضائيات، وتهمل الكتب والقراءة، لذلك فالكاتب الذي يستعرض آراءه السياسية التي يوظفها في خدمة هذا الطرف أو ذاك، أو يحرص على إبراز نفسه مشاركًا في كل تفصيل أو تعليق، يكون وجهًا مألوفًا للناس، لكنه لا يكون مقروءًا. يرونه بشكل متكرر لكن لا يقرؤون شيئًا من نتاجاته، لا هو ولا غيره للأسف.

أظن أن المشكلة الكبرى هي في عدم القراءة، هناك كثيرون يعتمدون على الفضائيات في بلورة تصوراتهم عن حاضرهم واستقاء الأخبار والأنشطة. والفضائيات -معظمها- تتلاعب بالعقول وتستعين بالتسطيح والوجبات المتلفزة الخفيفة السريعة، وتنقل أخبارًا مجتزأة، كما تصدر أناسًا يخدمون توجهاتها، أو يتقاطعون معها.. الخشية هنا من تسوّد نمط الشفاهة وتكريسه من جديد. القنوات الفضائية تقوم بتسطيح تجارب الكتابة، وتختصرها للقاء عابر تملأ به دقائق من بثها، وهي ممتازة للترويج والإشهار، لكنها لا تصنع الكاتب، ولا تكفل له الديمومة والاستمرار.

من جانب آخر، لا أعتقد أن هناك ساحة كردية فضائية واحدة بمعنى الكلمة. هناك ساحات فضائية كردية متحزبة متوزعة على الجغرافيا الكردية. هناك عشرات الفضائيات متركزة في كردستان العراق، من بينها قنوات تركز على اللهجة (السورانية)، وهي لهجة كردية بعيدة عن اللهجة (الكرمَنجية) التي يتحدث بها كُرد سورية.. وللسورانيين مكتبتهم الخاصة بالقراءة، قسم كبير منهم لا يقرأ بالعربية ولا بالكردية اللاتينية، يظنون أن اللهجة السورانية وحدها كافية لتشكيل عالمهم وتزيينه.. وهناك الفضائيات الكردية التابعة للأحزاب السياسية، وتركز بمجملها على ما يهمها ويقع ضمن سياساتها وتوجهاتها، وقد لا أتقاطع معها في تلك السياسات والتوجهات، لذا أنأى بنفسي عن الخوض معها في مآزقها الفضائية والأرضية.

 

– قلت في وقت سابق: إن “الكتابة هي أفضل وثيقة ضد النسيان”. هل لك أن تشرح الأمر أكثر؟

= حين يدون الكاتب تفاصيل من واقعه، أو جانبًا من الصور الحياتية المتناثرة هنا وهناك، فإنه يوثقها، يثبتها في أرشيف الحياة والمستقبل بطريقته الخاصة. قد يقول قائل إننا في عصر الصورة، والصورة تثبت الحالات والوقائع. هذا صحيح في جانب منه، لكن لكل فن سبله في التوثيق وتحدي النسيان والتغلب عليه. لكن الكتابة عابرة للأزمنة والأمكنة، نقلت لنا تجارب السابقين بدقائقها، وستنقل للاحقين تجاربنا. للنسيان قوة جبارة هادرة تطيح كثيرًا من الذكريات والأحداث، والكتابة وحدها تصمد أمام هذا الجبروت، لذا فهي محاولة لاكتساب الأبدية، أو البحث عن معنى الخلود نفسه بصيغته الإنسانية الأدبية والتاريخية.

 

– تعيش منذ فترة في أدنبرة، ماذا أعطتك هذه المدينة كلاجئ في ما يتعلق بالكتابة؟

= بالنسبة للاجئ كل المدن تبقى منافي له، مهما حاول تكييف نفسه. وكل مدينة يعيش فيها الإنسان تعطيه أشياء وتأخذ منه أخرى. بعد تنقلي بين عدد من المدن؛ فقدت انبهاري بالمدن، أو بمعنى آخر: لم تعد أي مدينة تدهشني. أحاول أن أكيف نفسي مع أي مدينة أقيم فيها. أجد في هذه المدينة الأمان، وهذا من أهم ما ينشده المرء، وبخاصة بعد التنقل بين عدد من الدول والمدن في سنوات قليلة. أدنبرة مدينة عريقة جدًا، وتعد من أهم المدن البريطانية والأوروبية على الصعيد الثقافي، كما أن المدينة القديمة فيها تشبه دمشق القديمة ببيوتها وأزقتها، وتشعرني بالدفء، رغم برودة الطقس. أدنبرة نموذج للتعايش العالمي، أهلها منفتحون على الغرباء، باعتبار أنها مدينة سياحية، كما أن هناك عددًا كبيرًا من الطلبة الأجانب في جامعاتها، لذلك فالناس هنا معتادون على رؤية الغرباء والتعاطي معهم، وهذا يمنحني أريحية في الإقامة..

 

– أنت كاتب متعدد، تتقاطع في تجربتك فروع المعرفة وأشكال الكتابة بين النقد والإبداع؟ ما هي أسباب هذا التعدد وأي نوع من الكتابة يمكنك من خلاله توصيف العالم وفهمه؟

= لكل عالم من هذه العوالم سبلها وأدواتها لمحاولة فهم العالم وتوصيفه، وأنا أسعى من خلال هذه المجالات فهم نفسي وعالمي أكثر. النقد وسيلة لاكتشاف الجديد والتعرف عليه، يمنحني تفكيك نصوص الآخرين قدرة على التغلغل في أعماق أصحابها، والتعرف إلى آليات تفكيرهم فيها. الكتابة وسيلة لاكتشاف الذات والآخر أيضًا. الشغف هو ما يقودني في عملي، وهو الذي يملي نوعًا من التعددية في طرائق التعبير لدي. هناك ظروف العمل في الصحافة أحيانًا تملي أنواعًا من الكتابة، وهي أدوات مساعدة لبناء عالمي الروائي. تتقاطع دروب الكتابة لتسير بي في رحلتي نحو الرواية التي أجدها حياة بالنسبة إليّ. لا أتخيل نفسي من دون أن أكتب. الكتابة بالنسبة إلي حياة موازية تجمل الحياة وتساهم بإبقائي متوازنًا –كما أزعم- وسط فوضى هذا العالم المجنون.

 

– هل من خيط رابط بين أصناف الإبداع كما تمارسها والكتابة النقدية لديك؟

= الخيط الرابط بين أصناف الكتابة هو الشغف، كما ذكرت. هناك حالات أحتاج فيها إلى التعبير عن آراء مباشرة في قضايا آنية، وهذه مجالها “مقال الرأي”، وهناك حالات أخرى أحتاج إلى تفكيك نصوص أو الإشارة إلى حالات أو ظواهر في عالم الفن والأدب، وهنا أستعين بالدراسة والتحليل والمقاربة النقدية، وبالتوازي مع مختلف الحالات يكون الاشتغال الدائم على بناء الرواية وإثرائها بالجديد الذي أكتسبه وأستفيد منه. الكتابة النقدية مدماك الكتابة بمختلف أصنافها وتفرعاتها، فالكاتب ناقد بطبيعته، ولولا ملكة النقد التي تحركه لما تجرأ على خرق أي محظور، أو تعرية أي سلطة.

 

– عشت بين ثقافتين العربية التي تكتب بها والكردية التي تنتمي إليها، فإلى أي مدى أثر ذلك في إثراء تجربتك الأدبية؟

= كغيري من المنتمين إلى أكثر من ثقافة ولغة وحضارة، أجد نفسي محظوظًا بهذا الثراء الإنساني، فأنتمي إلى العربية بقدر انتمائي إلى الكردية، وهذان الانتماءان يرسمان لوحة حياتي كلها. لا يمكنني فصل الجانب الكردي عن العربي في تكوين شخصيتي وبلورتها، لأنني نتاجهما معًا. في الجانب الروائي أسعى إلى تصوير المجتمع الكردي المتداخل مع العربي في زوايا ظلت قيد التعتيم، ويكون العالم الكردي الذي أتناوله قابلًا للتعميم على العربي بصيغة ما، وذلك لتشابه الظروف بينهما. يكون الكردي هنا جسرًا للإنساني الشامل الذي يشتمل على العربي كلون من ألوان بناء الصورة الكبيرة الشاملة. الآن أعيش في رحاب الثقافة البريطانية واللغة الإنكليزية، وهي بدورها تؤثر بحصتها في شخصيتي وكتابتي، لكن لا يمكنني الإشارة إلى موطن التأثير وتحديده بدقة، لأن ما أكتسبه يعيش في داخلي ويتجلى بصيغة ما في أعمالي.

 

– ثمة من يرى أن المشهد الأدبي السوري حاليًا هو الأكثر ثراءً مقارنة بأعوام ما قبل الثورة. ما تعليقك؟

= شكلت الثورة منعطفًا مهمًا في التاريخ السوري الحديث، وقلبت الطاولة على ثقافة الحزب الواحد، والقائد “الخالد”، منحت السوريين القدرة على الفعل والتعبير بطريقة مختلفة عما حرص النظام على تكريسه لعقود. أظهر هذا التفجر السوري قدرات السوريين ورغبتهم الملحة في التعبير عن ذواتهم وتجاربهم وحياتهم بين الأمس واليوم. لم يعد السوري الخارج من ربقة النظام وقيوده محكومًا بقوانينه الاستبدادية، بل امتلك زمام المبادرة والكتابة، شعر بحريته المسؤولة التي تطلق العنان لطاقاته الإبداعية بعيدًا عن الفرض والإجبار والتقييد والتدجين. أصبحت الفنون والآداب من أكثر وسائل السوريين لمواجهة العنف والوحشية، وإظهار الجانب الذي تهمشه الحرب وتسعى للقضاء عليه.

 

– من زاويتك كناقد، كيف ترى مستقبل الكتابة الإبداعية السورية في الأزمنة العاصفة؟

= الأدب ينتعش في ظل الحرية، وهناك كثير من السوريين وجدوا حريتهم في مغترباتهم وملاجئهم، عاشوا تجارب مريرة، عانوا كثيرًا من جراء البحث عن ملاذ آمن لهم، ودفعتهم التجارب الغنية والحكايات التي كانوا شهودًا عليها، إلى توثيق جوانب منها في أعمال أدبية. المفارقة هنا أن ما يمكن توصيفه بالأزمنة العاصفة هي نفسها الأزمنة التي عصفت بقيودنا كسوريين، حررتنا من دواخلنا المأسورة بالرعب والإرهاب، عصفت بالخوف وبددته إلى غير رجعة، وإن كان الثمن غاليًا من دمائنا ومدننا، فإنها تحمل تغييرًا كبيرًا مؤكدًا في المستقبل القريب. أصبحنا -السوريين- متناثرين في الشتات هنا وهناك، مر كثيرون منا بتجارب رهيبة في رحلاتهم نحو المجاهل والملاجئ، وهذه التجارب الحياتية الفريدة لا بد أن تنتج بالتراكم أدبًا مميزًا.

 

– بالنظر إلى تجربتك في تأسيس موقع إلكتروني خاص بالرواية العربية (الرواية نت). أسألك هل انخرط الروائيون العرب في المد الرقمي كما ينبغي؟ وهل يمكن لهذا أن يؤسس -برأيك- لتراكم إبداعي عربي في مجال الأدب الرقمي؟

= مزاج القراء العرب –على قلتهم- مزاج تقليدي في القراءة غالبًا، والأدب الرقمي ما يزال يحبو في العالم العربي، ولا يعثر على كثير من المتشجعين له. أعتقد أنه سيحتاج إلى سنوات قبل أن يتكرس حضورًا ومتابعة. هناك مَن يخلط بين قراءة كتب بصيغة إلكترونية، والأدب الرقمي. المواقع الإلكترونية لا تؤسس لأدب رقمي، بل تساهم في ترويجه بصيغة ما، لكن الصناعة مختلفة هنا، وجميع الروائيين تقريبًا يحرصون على الحضور بأعمال مطبوعة تقليدية، لأنها تحتفظ بألقها وتجددها ولم تفقد بريقها بعد. لا يخفى أن لكل جديد مجازفته، لكن كما يتبدى، حتى الآن، فإن الأدب الرقمي في العالم العربي مثقل بالمخاوف، ولم يستدل إلى طريق لإثبات نفسه وتكريس حضوره كمنافس للأدب المطبوع. حتى إن هناك جوائز تشجيعية خصصت لهذا النوع من الكتابة، إلا أنها تصبو إلى طباعة تلك الأعمال المفترضة بصيغ تقليدية، أي يكون الرقمي بوابة للتقليدي لا بديلًا عنه.

 

– هناك كتابٌ ونقاد ينتقدون الجوائز الأدبية (البوكر، كتارا، الشيخ زايد، الشارقة، نجيب محفوظ، وغيرها)، ويرون أنها خلقت حالة من هوس كتابة الرواية من أجل الجوائز فقط، ما تعليقك؟

= أعتقد أن الجوائز التي تخصص للرواية مفيدة من ناحية الترويج، وتخلق حراكًا تنافسيا، وتشجع كثيرين على طرْق أبواب هذا الجنس الأدبي، كما قد تخلق تهافتًا، وتدفع إلى إنتاج أعمال مسلوقة على عجل، باحثة عن الربح والشهرة. لا شك أن مَن يكتب من أجل الجوائز سيقع طي النسيان الحقيقي، وليس نسيان أو تناسي القنوات الفضائية، فالكتابة من أجل جائزة أشبه ما تكون بفقاعة مطلقة في أجواء عاصفة، قد تصيب هدفًا بطريقة عشوائية، لكنها ستخبو وتزول كأنها لم تكن. من الطرافة أن هناك مَن توجتهم المصادفات في الجوائز، أو ساهمت المصادفات في اختيار أعمالهم للفوز، فخمنوا أنهم الأكثر تميزًا وفرادة. هناك عدة عوالم تلعب أدوارًا في منح هذه الجائزة أو تلك. قد تصنع الجوائز مشاهير خلبيين يصدقون أنفسهم وأوهامهم عن أعمالهم، فيبدؤون بالتنظير لهذا الفن، وقد تقودهم أوهامهم إلى إصدار وصايا للكتاب الجدد، تشير إليهم بأفضل الطرق للحصول على جائزة ما. قد تصنع الجوائز أبطالًا، يستعذبون أوهام الصدارة والتفوق. هناك مَن ربح جائزة وكتب بعدها أعمالًا بائسة، وهناك آخرون تساعدهم الجائزة على الارتقاء بفنهم وعملهم وتصقل تجربتهم وتشعرهم بمزيد من المسؤولية تجاه أنفسهم وقرائهم.

الجوائز عمومًا مكسب للأدب، لكن التهافت عليها يجعلها عامل تشويه للأدب، ويخرجها عن مسارها، ويقوم بتلبيسها لبوسًا لا يناسبها، وهذا ليس إثمها أو عيبها، بل هو خطأ المتهافتين عليها.

أصبحت بعض الجوائز مثل المرأة الفاتنة المثيرة، راغبوها كثر، ومنتقدوها كثر بدورهم، وفي كثير من الأحيان عشاقها الراغبون فيها هم أنفسهم المبالغون في انتقادها. حين يتم اختيار أعمال بعينها للفوز بهذه الجائزة أو تلك؛ فهي تعكس وجهات نظر لجان التحكيم، وذائقتهم الأدبية والجمالية، وليس بالضرورة أن تكون هي الأعمال الأفضل، والخطورة تتأتى في التعاطي مع الأعمال الفائزة بالجوائز في كل دورة على أنها الأفضل، وهذا في الأدب تضليل وتحايل. كما أن هناك خطورة مرافقة تتمثل في إنتاج أعمال موسمية، تضيع وتندثر بعد إعلان نتائج الجوائز، كأنها لم تكن.

 

– هل تؤمن بما يسمى الإلهام؟ أم أنك من الذين يعتقدون أن الكتابة ممارسة شاقة وبذل مجهود جبار؟

= ربما الإلهام، في معنى من معانيه -بالنسبة إلي- هو الدافع المحرض للبحث عن الدرب في عالم الكتابة، وهو يفقد أي معنى حين لا يكون مدفوعًا بالصبر والجهد والتفاني. أجزم أن الرواية صنعة متفردة، لكنها صنعة لا تستقيم وتكتمل من دون جذوة الإلهام التي تشعلها في بدايتها. الكتابة ليس عملًا هينًا، فهي تحتاج إلى جهد جسدي ونفسي وفكري، وأعتقد أنها من الأعمال المرهقة، لذلك فالإلهام لا يكفي أبدًا لإنتاج أعمال أدبية. ربما يفيد الإلهام في التقاط صورة شعرية بالنسبة إلى الشاعر، أو يساهم في إثراء مقطع روائي بصورة أو جملة، لكنه لا يكفي أبدًا لصياغة عمل روائي كامل. ربما الإلهامُ مثار لهْج المبتدئين أكثر من كونه حقيقة واقعية بالنسبة إلى الكتاب المواظبين على الكتابة.

 

– سؤالي الأخير، ما هو موضوع كتابك القادم؟

= أعمل على كتاب يوميات، وأجد نفسي منغمسًا في حديث الذكريات في أثناء تدويني لبعض اليوميات، تأخذني اليوميات إلى الماضي، تحضر المقارنات والذكريات لترسم ملامح الواقع نفسه.. كما باشرت بكتابة رواية جديدة، أعتقد أنها ستحتاج إلى سنتين أو أكثر، لأنني أسرق الوقت الذي أخصصه لها، وأضعها قيد التأجيل كل مرة، تأخذني الالتزامات العملية بعيدًا عنها، وأجاهد لأحظى بوقت لها.

 

يذكر أن هيثم حسين كاتب وروائي سوري، من مواليد الحسكة، عامودا 1978، مقيم في المملكة المتحدة/ إدنبرة. عضو في جمعية المؤلفين في بريطانيا، و”نادي القلم الإسكتلندي”، ورابطة الكتاب السوريين. مؤسس ومدير موقع (الرواية نت). وقد نشر عددًا من الأعمال الروائية مثل (آرام سليل الأوجاع المكابرة)، و(رهائن الخطيئة) التي ترجمت إلى اللغة التشيكية، كما تم تحويلها إلى عمل مسرحي باللغة التشيكية، و(إبرة الرعب) منشورات ضفاف- بيروت، و(الاختلاف)، الجزائر 2013. وله –أيضًا- مؤلفات في النقد نذكر منها: (الرواية بين التلغيم والتلغيز)، و(الرواية والحياة)، و(الروائي يقرع طبول الحرب)، 2014، و(الشخصية الروائية.. مسبار الكشف والانطلاق)، 2015. وله في حقل الترجمة كتاب نقدي بعنوان (مَن يقتل ممو؟).

 

[av_gallery ids=’108287,108288,108289,108290′ style=’thumbnails’ preview_size=’portfolio’ crop_big_preview_thumbnail=’avia-gallery-big-crop-thumb’ thumb_size=’portfolio’ columns=’5′ imagelink=’lightbox’ lazyload=’avia_lazyload’ custom_class=”]

مقالات ذات صلة

إغلاق