ترجمات

صحيفة اللوموند: سورية: ممثلون علويون وسنّة يوقعون “ميثاق السلوك من أجل التعايش”

أجرى هؤلاء الممثلون للمجتمع المدني، طوال ثلاث سنوات، وفي سرّية تامة، مناقشات غير مسبوقة من أجل اقتراح حلٍّ سوري مئة بالمئة للحرب الدائرة منذ سبع سنوات.

في شقة بروما، وسط حلزونيات دخان السجائر، كان هناك عشرة ممثلين لعائلات وعشائر كبيرة، علوية وسنية ومسيحية وكردية، تتمتع بوزن سياسي واجتماعي وديني في سورية، يتناقشون ويتمازحون معًا، في هذا اليوم من كانون الثاني/ يناير. لم يكن المشهد متوقعًا بعد سبع سنوات من حرب صارت أخوية، لم تعد خلالها الأقلية العلوية مدينة إلى الرئيس بشار الأسد (المنحدر من عشيرة علوية)، ولا الأكثرية السنية مكتسبة للثورة.

فمنذ ثلاث سنوات، ضمن جو من السرّية الكاملة، في الوقت الذي كان النظام والمعارضة يستمران في المواجه بالسلاح أو بواسطة وسيط معيّن بينهما، من دون ارتسام أي مخرج، كان هؤلاء السوريون يجتمعون بصورة منتظمة في العواصم الأوربية من أجل صوغ رؤيتهم لحلٍّ ما. رؤية تريد أن تكون لا سياسية، وترفض كل رابطة مع النظام أو مع المعارضة. رؤية من الأسفل، “سورية مئة بالمئة”، للذين يعدّون أنفسهم ضحايا المعسكرين المسلحين، ولم يعودوا يؤمنون بالحلول المفروضة من القمة من قبل السياسيين السوريين ورعاتهم الأجانب في جنيف، أو أستانا أو سوتشي.

في منتصف كانون الثاني/ يناير، وقع الممثلون السوريون معًا (ميثاق السلوك من أجل التعايش السوري) المؤلف من إحدى عشرة نقطة. وهو إذ يستوحي الآباء المؤسسين لسورية الذين قادوا حركة الاستقلال ضد الانتداب الفرنسي (1920- 1946)، فإنه يطمح إلى بناء عقد اجتماعي جديد في سورية موحدة ومتعددة، تحترم فيها المساواة وحقوق كل إنسان، وإلى نظام سياسي واجتماعي يقوم على المواطنة، لا على الطائفية وهيمنة طائفة على أخرى.

إنهم لا يعترفون بغالب ولا ببريء بين الفصائل المتحاربة، ويدعون إلى تحديد المسؤوليات الفردية عن الأعمال الوحشية والانتهاكات المرتكبة خلال الحرب؛ وإلى تعويض الضحايا وحق عودة خمسة ملايين وأربعمئة ألف لاجئ، وستة ملايين ومئة ألف نازح في الداخل؛ وتوضيح مصير السجناء والمفقودين والضحايا منذ 2011 وقبل ذلك.

سجالات طويلة ومفاوضات قاسية.

لكن اتحادهم حول نص مشترك يؤلف في حدِّ ذاته حدثًا؛ فالخطر الذي يحيق بممثلي كبرى العشائر العلوية القادمين من سورية كبير جدًا. لكن إغفال أسمائهم أمر مفروغ منه؛ إذ إن بناء شبكتهم الخاصة بهم وخرق احتكار النظام في المفاوضات يعتبر خيانة. أما بالنسبة إلى الممثلين السنة، المضطرين إلى العيش في المنفى، فكان لا بد لهم من تجاوز الحذر إزاء طائفة باتت لا تنفصل، في أذهانهم، عن الأعمال الوحشية التي ارتكبها النظام.

كانت المبادئ التي اتفقوا عليها موضوع سجالات طويلة ومفاوضات قاسية. “كان هناك سجالات كثيفة حول: “من الذي يُلام؟” كان البعض يقول إن النظام، بوصفه المعسكر الرسمي، هو من يجب لومه على ما حدث لسورية، وكان عدد منهم يرون أن ثمة جماعات أخرى يجب أن تُلامَ أيضًا”، كما يوضح الشيخ ملحم الشبلي، من قبيلة (الفواريدي) السنية، الحمصية الأصل، والتي تعيش اليوم في منفاها في المملكة العربية السعودية.

وأضاف ممثل علوي: “يمكن أن يضم ذلك الكثير من الأفراد في النظام، ولكن ليس كلهم. تأتي هذه المبادرة هنا لتقول إنه لا يجب أن تعتبر الطائفة العلوية مسؤولة جماعيًا”. أبناء عشيرته، شأن الكثير ضمن الأقلية حاضرون على كل مستويات الجهاز الأمني السوري، بمن فيهم من هم في المراتب العليا. لكنهم ينحدرون من عشائر مختلفة عن عشيرة عائلة الأسد، ويشكون فقدان أقرباء لهم في سبيل استمرار هيمنة عشيرة يعتبرونها أدنى.

“ميدانيًا، يفكر الناس أن الطائفة العلوية والنظام هما وجهان لقطعة واحدة، كما يعترف الشيخ شبلي. لكن ذلك في طريقه إلى التغير. “إنهم يكثرون من الاجتماعات في مدنهم -دمشق، حلب، حمص، بقايا العلويين والطوائف المنفية- من أجل ضم الأعضاء. تابع الشيخ شبلي: “ناقشت النص مع عشرة مشايخ من الاتحاد القبلي لبني خالد وقبيلة تركي، وقد قبلوا بنسبة 90% بالمبادئ”. أما الذين فقدوا أقارب وممتلكات فمن الصعب إقناعهم. هناك من بين أعضاء القبائل، 30 بالمئة تحمسوا و70 بالمئة قالوا بأنهم لا يأملون أن يؤدي ذلك إلى نتيجة جادة. هؤلاء الـ 30 بالمئة هم أساس التفاؤل، إذا أخذنا بالحسبان ما فقدوه خلال سبع سنوات”.

مخطط درب ينتظر التنفيذ

ليس إعلان النيّات هذا إلا مخطط درب ينتظر التنفيذ. يعترف ممثل عشيرة علوية مهمة: “نحن مثل طبيب عام أمكنه أن يقوم بالتشخيص، لكنه لا يستطيع تقديم العلاج. نحن نبحث من الآن فصاعدًا عن الطبيب المختص الذي يمكنه أن يساعدنا على الشفاء من المرض”. لم توضع أي آلية عيانية من أجل تفعيل هذه المبادرة ميدانيًا. ثمة عدة أفكار قيد النقاش: إنشاء مجلس حكماء داخل وخارج سورية؛ توسيع المبادرة وإضفاء بعد سياسي عليها؛ أو الالتحاق بمفاوضات جنيف وسوتشي.

ثمة أكثرية ترفض المشاركة بالمفاوضات. قال ممثل علوي: “لقد دعينا إلى جنيف، لكننا فضلنا البقاء بعيدًا كي لا يتم إفسادنا أو استعادتنا من قبل النظام أو المعارضة الإسلامية. فالأطراف المتصارعة هي من تتناقش في أستانا أو جنيف، الأطراف التي تتنصل من الدم المسفوك من قبل السوريين. نحن الـ 80 بالمئة من السوريين الذين لم يشاركوا في الصراع”. ويوافق ممثل آخر من أجل استنكار “مهزلة” المفاوضات، و”إقصاء المجتمع المدني عن كل ما تمَّ تقريره في سورية منذ أربعين عامًا”.

يريدون اليوم الدعاية من الإعلام عن مبادرتهم، كي توجد في (سوق الأفكار). “إذ إن جنيف وأستانا سوف يفشلان، وهو في مصلحة مبادرتنا. في ذلك اليوم، سنكون في سوق الأفكار وسوف تعود المجموعة الدولية إلى مبادرة المجتمع المدني هذه”، كما يأمل محمود أبو الهدى الحسيني، ممثل الأوقاف السابق بحلب، الذي يعيش اليوم في المنفى. لقد رفضوا حتى الآن أن يكونوا تحت رعاية حكومات أجنبية، وإن كانت المبادرة -المدعومة من قبل وسطاء مستقلين في أوروبا- تجد تشجيعًا من قبل حكومات أوروبية.

“لم تساعد المجموعة الدولية السوريين للخروج من هذا الصراع؛ لكننا نأمل دومًا أن تساعدنا بالضغط على الأطراف المتصارعة”، يعترف الشيخ أبو هيلا الملحم من قبيلة (عنزة)، الحمصية الأصل، عبر (سكايب). “رأينا الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون يحاول أن يكون أكثر نشاطًا في سورية، وربما يستطيع أن يكون رافعة هذه المبادرة؟” كما يقترح بدوره مصطفى الكيالي، وهو طبيب أسنان ينحدر من واحدة من كبرى العائلات الحلبية، ويعيش اليوم في المنفى. وبخلاف بعض شركائه العلويين الذي يعتقدون أن المبادرة ذات مستقبل، سواء أبقي الأسد في السلطة أم لا، يرى من ناحيته أن “هذا النظام لن يستطيع البقاء في مكانه، إذا ما تم تفعيل قيمنا، لأنه غير قادر على تحقيق وحدة وسلامة سورية”.

 

العنوان الأصلي Syrie : des représentants alaouites et sunnites signent un « code de conduite pour la coexistencئe »
الكاتب هيلين ساللون، روما، مراسلة خاصة Hélène Sallon, envoyée spéciale
المصدر صحيفة اللوموند Le Monde
الرابط http://www.lemonde.fr/syrie/article/2018/01/17/syrie-des-representants-alaouites-et-sunnites-signent-un-code-de-conduite-pour-la-coexistence_5242696_1618247.html
المترجم بدرالدين عرودكي

 

مقالات ذات صلة

إغلاق