كلمة جيرون

“مراجل” فارغة

 

يعرف كل السوريين، كبيرًا وصغيرًا، معارضة ونظامًا، من كل الطوائف والمذاهب والأعراق والقوميات، أن الحل في سورية لم ولن يكون عسكريًا، ولن تُتاح الفرصة لأي طرف أن ينتصر على الطرف الآخر عسكريًا، مهما حاول و”تمرجل”، وأن الحل سيكون سياسيًا بالدرجة الأولى، وفقًا لتأكيدات كل القوى، الإقليمية منها والدولية، تتبعه إجراءات عسكرية هدفها فقط دعم هذا الحل السياسي وتنفيذه وتثبيته، وعند الوصول إلى هذا المبتغى؛ لن يبقى في سورية أي “شبّيحة” وميليشيات غير سورية، أو مرتزقة أو حتى فصائل عسكرية لا تتبع للدولة، وهنا نعني الدولة الديمقراطية التعددية التداولية، لا دولة الأسد بالتأكيد.

يعرف السوريون ذلك، لكنهم لا يتصرفون وفقه، وليس مفاجئًا أن لا يفهم النظام ذلك أساسًا، فهو بالأساس نظام مأزوم، وصل إلى حد جنون العظمة، جنون أعمى بصره وبصيرته، حوّله إلى وحش لا إنساني، يريد الانتصار في حربٍ يستحيل أن ينتصر فيها، و”يتمرجل” على شعب مسكين، مستخدمًا كل ما في جعبته من عنف مفرط ووحشية وهمجية، لتحقيق ذلك، ولفرض انتصار يُبقي سورية مزرعة له، رغم أنه في العمق يُدرك أن ذلك بات مُحالًا.

لكن من غير المفهوم أن لا يستوعب السوريون الآخرون ذلك، وهم جميعهم -نظريًا على الأقل- يسعون لإنقاذ سورية من السقوط في وحل لا خروج لها منه، فالإسلاميون المتشددون وصلوا بدورهم إلى حد الجنون أيضًا، يريدون استعادة أنظمة حُكمٍ مرّ عليها ألف من الأعوام وأكثر، خلافة لا تصلح لا لهذا الزمن ولا للزمن القادم، لا في سورية ولا في غيرها، ويريدونها حربًا ضروسًا لتحقيق ذلك، “متمرجلين” مستندين إلى أموال وسلاح، يصلهم بلا حساب من داعميهم.

كذلك يفعل الأكراد، يريدونها معركة تقرير مصير، يريدون “كردستانهم” بأي ثمن، “يتمرجلون” على حساب كل البشر، وبأي وسيلة كانت، ولو شابهت وسائل النظام. وينسون أنهم سوريون أيضًا، هنا ولدوا وعاشوا وتقاسموا مع جيرانهم السوريين كل شيء، بما في ذلك الأماني والأحلام والآلام، مستندين إلى تحالف هشّ مصلحي مع وحشٍ أميركي لا يعرف الرحمة وقت يحين الحساب، يتخلى عن الصديق على حين غرّة، ولا يخطو ربع خطوة إلا إن كانت مفيدة لمصلحته، ومصلحته هو فقط.

ينطبق هذان المثالان على غالبية المقاتلين في سورية، المؤدلجين والطامحين، لكن طموحاتهم جميعًا لم تجعلهم يُدركون أن “مرجلتهم” لا تعني شيئًا، وأن قوتهم الحقيقية ليست بالداعمين، ولا بالأميركيين، ولن تأتي من الجهاديين والانتحاريين والأوجلانيين والانفصاليين، ولا يمكن أن يأتي النصر على يد رهط كهذا، وإنما قوتهم تكمن في وحدة مصيرهم وهدفهم ووسائلهم ومواقفهم.

لم يخطر ببال كردي أن “مرجلته” لا تعني شيئًا، وأن قوته بالعربي، والعكس، ولم يخطر ببال إسلامي أن قوته بالمسيحي الذي يدعم مطالبه وخطّه، ولم يخطر ببال الفصيل المعارض المسلح أن قوته تأتي من الفصيل الآخر الذي يدعم أهداف ثورته.

التوافق على الأهداف، والتصرف بانسجام معها، ووحدة المواقف والغايات، ووحدة والمصير، هي قوة السوريين الوحيدة، وهي القوة التي تفوق “المراجل الفارغة” بكثير، والتي يمكن لها أن تحقق لهم، في الحل السياسي المرتقب، أضعاف ما يحصلون عليه بالاعتماد على “مراجل”، سرعان ما تغيب وتزول مع أوهام دعم إقليمي أو أميركي أو عربي، أوهام نصر عسكري يمكن أن يتحقق لهم، وأوهام خلافة وانفصال وديكتاتوريات جديدة.

هذا ما ينبغي إدراكه، ودونه ستبقى “المراجل” مستمرةً، والأهداف أحلامًا مؤجلة، والمصير مجهولًا، والكرامة مُستباحة، والحرية بعيدة، ودولة المواطنة مؤجلة، وستبقى ثلّة من الموهومين تتحكم بمصير آلاف مؤلفة من الأتباع المخدوعين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق