أدب وفنون

“هكذا أكتب قصيدتي”

 

يذكرنا عنوان الكتاب الجديد للشاعر إبراهيم اليوسف (هكذا أكتب قصيدتي)، بمجموعته الشعرية الثانية (هكذا تصل القصيدة) والتي كتبها أواخر ثمانينيات القرن الماضي، تحت هاجس حرص إيصال نصوصها إلى المتلقي.

لعله يحاول في كتابه الذي صدر بعد ثلاثين سنة من طباعة مجموعته تلك -وإن على استحياء- تناول ونقد تجربته الشعرية، وهو ما يدخل في إطار نقد الذات الذي طالما يتجنبه المشتغلون بالإبداع، لسبب أو لآخر، تاركين تلك المهمة للناقد المختص!

لن يجد قارئ الكتاب، ما قد يوحي عنوانه به ما يتعلق بطريقة كتابة المؤلف لقصيدته، إلا أنه يشير إلى تلك العلاقة التي تربطه بعالم الشعر، من خلال محاولته التنظير لذلك، بطريقة يكون فيها هذا التنظير محض شعري، بعد إشاراته إلى وقوع نصه في فخاخ الأيديولوجيا، في بداياتها، قبل أن تتبلور رؤاه، يقول: “ليس لي –وأنا في حضرة الشعر- إلا أن أروي ذكرياتي معه، أنى خذلني التنظير، أو أنى خذلته في الحقيقة. لأن الأصل هو الشعر، والنظرية مجرد هامش آيل للقبول أو الرفض أو التطور”.

ومن جملة نقده لعلاقته بالشعر، اعترافه -في متن أكثر من فصل من الكتاب- بأنه لطالما أرجأ كتابة قصيدته، وهو يغوص في لجة العمل الصحافي والسياسي، مشغولًا بالهموم العامة الكبيرة والصغيرة، إلى أن حاول استدراك ذلك -ربما بعد فوات الأوان- ليتفرغ لقصيدته. يقول: “أجل، من حق الشعر أن يتخذ هو الآخر موقفه مني، شأن تلك الأنثى التي تجد نفسها مهمشة في منزل عاشق محب، انصرف عنها إلى قضايا يراها مهمة، من قبيل الذود عنها إلى درجة النسيان. هكذا، أصفني الآن!”.

قدّم للكتاب المفكر السوري المعروف إبراهيم محمود. إذ يقول عن الكتاب والكاتب: واليوسف في (هكذا أكتب قصيدتي) يتحدث عن نفسه، عن صلاته بالشعر، في لوحات يصل فيها الذوقي بالوجداني بالعقلي بالانطباعي بالاستيهامي، بهجنة تؤاخي بين أجناس كتابية، كما لو أنه أحيانًا في عجلة من أمره، كأني به يستبق الآتي فيه، حرصًا على معنى يلمحه في ما يقول، فيسارع إليه ويودعه نصه، منطلقًا من الكتابة الفعلية وهي موجزة، فن اللحظة المكثفة بالتأكيد”.

ربَّ سائل يسأل: وما شأننا وهو يتحدث عن قصيدته؟ وربما كان الجواب: ثمة فخ هو لعب كتابة تعانق الشعر: عندما تقرأ العنوان يصبح عنوانك، وإن لم تكن كاتبًا أو شاعرًا، وأنت تسمّي نوعية الشعر الذي يعنيك. هنا تكاد المسافة تنعدم، فتساير الكاتب أو توازيه في معايشة ما يركّز عليه، حتى بالنسبة لمفردة “هكذا” ثمة ما يستدعي التوقف، حتى لا ينخدعن أحد بالمفردة، بدءًا من “هاء” القارة في العمق، هاء التنبيه”، وما يلي الحرف “كذا”، كما لو أننا إزاء مقطعين، لكل منهما بدعة في القول، وربما أكثر، إن سايرنا جمالية التقطيع في الكلمة الواحدة أحيانًا “هـ- كـ- ذا “، واستدلال المعنى في كل ثلث، وما يكون من أمر “الثالوث” في المفردة الواحدة، لنتذكر (هكذا تكلم زرادشت)، لـ نيتشه، (هكذا تكلم ابن عربي)، لنصر حامد أبو زيد..” سوى أن اليوسف لا يشير إلى أحد، إنما يسمّي نفسه الكاتبة، وما في الخطاب الذاتي من مسار تدفقي، وضلوع في الإثم المشرعَن للشعر، فهو الشاعر أولًا، وهو متذوَّق الشاعر والكاتب فيه، عنه تاليًا، وفي الحالات كافة، لا يساوي اليوسف ما تردد بين دفتي كتاب، إنما هو شيء ما، آخر ما، من الكتابة في الشعر، أو من باب الدقة في “قصيدته” ولحظة القراءة تصبح قصيدة القارئ، كما لو أنه يقول: أيها القارئ: شريكي في الإثم “على طريقة بودليرية” ما إن تبادر إلى قراءة هذا العنوان، حتى تكون ميممًا صوب ما لم تدركه، أن تكون أنت في موقعي، لتكون “هكذا”، و”أكتب” خاصتك، و”قصيدتي” رصيدك في تفعيل الأثر أو التفاعل مع العنوان.

صدر الكتاب عن (دار أوراق) للطباعة والنشر في القاهرة، أواخر2017، ويقع في 216 صفحة من القطع الوسط، بطباعة أنيقة، وغلافه للفنان أكرم سيتي، تصميم أحمد بلال. والجدير بالذكر أن اليوسف يقيم حاليًا في ألمانيا، وهو من شعراء الثمانينيات في القرن الماضي، وقد اشتغل في مجال الصحافة والنقد والقصة، كما صدرت له مؤخرًا بعض الأعمال الأدبية في مجال السيرة والرواية.

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق