ترجمات

صحيفة فزغلياد: البنتاغون والاستخبارات المركزية الأميركية يحشران ترامب في المصيدة السورية

الصورة: رودي سعيد/ وكالة رويترز

تلقت دمشق وأنقرة بغضبٍ خبرَ عزم الأميركيين إنشاء “جيش حماية حدود سورية” من الأكراد والبدو. وإذا لم يكن بمقدور حكومة دمشق القيام بخطواتٍ عاجلة؛ فإن الأتراك يضعون نصب أعينهم القيام بعمليةٍ عسكريةٍ ضخمة. وبما أن هذه الفكرة الغريبة محكومة بالفشل؛ فإن ترامب سيجد نفسه في نهاية الأمر في المصيدة.

وصفت وزارة الخارجية السورية نيةَ الولايات المتحدة الأميركية بإنشاء مجموعة ميليشياتٍ مسلحة على حدود البلاد الشمالية-الشرقية، بـ “العدوان السافر على وحدة وسلامة سورية، والخرق الفاضح للقانون الدولي”، داعيةً في الوقت نفسه المجتمع الدولي إلى وضع حد لـ “سياسةِ الهيمنة والازدراء التي تنتهجها إدارة الولايات المتحدة الأميركية”.

من الطبيعي أن تأتي ردّات الفعل على رغبة الأميركيين في إنشاء ما يسمى بـ “جيش حماية الحدود السورية” من الأكراد ومن بعض القبائل العربية، غاضبةً ومليئةً بالكراهية. وعلى الرغم من وجود شيءٍ ملموس، يتمثل بـ 250 فردًا من الأكراد قد خضعوا لـ “المرحلة الأولية من الإعداد”؛ فإن ذلك لا يؤخذ بالحسبان.

أما الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فقد توعد بالقضاء نهائيًا على هذا الجيش. فأنقرة، يغضبها بشدة كل ما هو مرتبط بـ (حزب العمال الكردستاني). وبهذا الخصوص، أوردت وكالة أنباء (haberturk)، استنادًا إلى مصادر في الدوائر العسكرية، أن الجيش قد حدد 149 هدفًا في مناطق عفرين ومنبج الكردية.

سبق للأتراك أن حاولوا عدة مراتٍ السيطرة على عفرين، ولكنهم كانوا يُلغون العمليات العسكرية المعلنة في الأراضي السورية قبل انطلاقها. وقد تبين، ببساطة، أن الجيش التركي ليس مستعدًا لمثل هذه العمليات، وبسبب ارتفاع عدد الضحايا المتوقع بين الجنود الذين سيعبرون الحدود، اضطرت الأركان التركية إلى مراجعة مقارباتها التكتيكية بالضغط على الأكراد. والآن، من المقرر أن تستغرق العملية فترةً لا تزيد عن 6 أيامٍ، كما أنها ستتم على شكل ضرباتٍ من المدفعية والطائرات من مسافاتٍ بعيدة.

في هذا السياق، كان أكثر ما أغضب الأتراك هو المعلومات التي تتحدث عن إمكانية امتلاك الأكراد صواريخ أميركية الصنع مضادة للطائرات. عادةً، ما تعتبر أنقرة مثل هذه الإشارات بمثابة الإهانة الشخصية، فالعلاقات المتبادلة التركية-الكردية، من حيث المبدأ، مأزقٌ من المآزق الحضارية، لذا فإن من العبث أن تقوم الولايات المتحدة الأميركية بزعزعة الوضع هناك. وقد تناقلت مصادر تركية أنباءً عن تحرك قوافل عسكرية تحمل آلياتٍ مدرعة باتجاه الحدود السورية عند عفرين.

فمن جهةٍ، يبدو المخطط الأميركي مشابهًا لمحاولات البنتاغون و”لانغلي” السابقة، في إيجاد حلفاء مصطنعين لهما. ولم يعد مهمًا من سيستحوذ بالتحديد على الموارد: العسكريون أم رجال الاستخبارات المركزية. وقد سبق أن رأينا، خلال السنوات الأربع الماضية، بعضًا من هذه الغيلان الفارغة أميركية الصنع، بدءًا من (داعش)، وصولًا إلى “المعارضة المعتدلة”. وإذا كان بمقدور أي بدويّ أن يخدع عناصر C.I.A، ويحصل على الأسلحة وبعض الأموال، ومن ثم يهرب بها إلى الصحراء، فلن يكون من الصعب تصور ما سيفعله، برجال الاستخبارات المركزية الأميركية، الأكراد الأكثر خبثًا ودهاءً!.

فالأكراد، يبدون للوهلة الأولى رجالًا جبليين غلاظًا، يعيشون حتى الآن في القرن السابع عشر مع بعض الميول الاشتراكية. فهم لديهم هدفٌ واضح، يسعون برويةٍ إلى تحقيقه منذ القرن السابع عشر: كردستان المستقلة. في العديد من المراحل التاريخية، حُجب هذا الهدف من قبل المسلمين، والصليبيين، والأرمن، والفرس، والأتراك، والإنكليز، ووجود وغياب النفط، أتاتورك وحزب البعث، ومن جديد الأتراك. وبالتالي يمكن، بحسب الظروف، أن يصبح أكبر عدو للأكراد اليوم حليفَهم غدًا.

من الناحية الجغرافية الصرفة، يعدّ الجزء الذي يخطط الأميركيون إقامة بؤرة كردستان سورية، منقطعًا الآن عن الجيش السوري العامل. حيث توجد حامية صغيرة في مدينة الحسكة محاطة بالشعب الكردي الشقيق، تنتظر بقلقٍ إلا ما ستؤول الأمور. في الوقت الحالي، ليس لدى القوات الحكومية وقتٌ للتعامل مع الأكراد. وفي ظل ظروف نقص القوى حتى على الجبهات الرئيسية، لن تنخرط دمشق في هذه العربدة العسكرية-السياسية المجنونة. فالأسهل -بالنسبة إلى حكومة الأسد- التفاهم مع الأكراد حول شروط التعايش السلمي، الأمر الذي يفهمه الجميع في كل مكان، باستثناء أنقرة، التي تصارع بضراوة لمنع مشاركة ممثلي الأكراد في مباحثات أستانا أو في غيرها من المنصات. وهنا يخرج “اليانكي” بمشاريع تشكيل “قوات حماية الحدود”!

في الوقت نفسه، دمشق ليست بحاجةٍ إلى من يدفعها للمشاركة في مثل هذه المفاوضات. ولهذا، تبدو غريبةً وجهات النظر التي تقول إن الانفصال الكردي الذي تشجعه واشنطن مفيدٌ، على مستوى تسريع الحوار بين السوريين، وإن الجيش الأميركي وبعض “المجموعات التي جندتها” هم الضمانة الرئيسية لوحدة وسلامة الأراضي في الشمال الشرقي السوري، لأنها تحول دون استيلاء أنقرة على هذه المنطقة. هذا مجرد هراء. فلن يستطيع أحدٌ منع أنقرة؛ إن استُفزت. وعادةً ما تكون “المجموعات الأميركية المتنقلة” موضع سخرية، فمنذٍ وقتٍ طويل، لم يعد أحدٌ يخشى إطلاق النار على الأميركيين، لمجرد كونهم أميركيين. وتجربة (مالي) خير دليلٍ على ذلك.

من الملفت، أن هذه النقطة يعتدها أولئك الخبراء الذين رفعوا من قبل شعار “على بشار الرحيل”، انطلاقًا من اعتباراتٍ ديمقراطية كما يدعون. فبرأيهم، أن الأسد طاغية دموي، وأن “المعارضة المعتدلة”، عندما تصل إلى السلطة ستجري انتخاباتٍ “حرة”، بإشراف تقدميي واشنطن، وبعدئذٍ ستحل السعادة العربية. لم يعد هذا الموقف عمليًا، ومع ذلك، يمكن تصحيحه بعض الشيء.

من خلال المواجهات الميدانية التي خاضتها المجموعات التي دربتها الولايات المتحدة الأميركية، لم تثبت أي مجموعةٍ في بلادٍ مختلفة من العالم، أنها تتمتع بمستوى جيد، ولا حتى بمستوى تدريبي متوسط. الأمر يختلفُ عندما يتعلق بالمساعدات المجانية، فإن أحدًا في الشرق الأوسط لم يرفض تلقي مساعداتٍ مجانية. الأسلحة متوفرة، ولن يضر تكرار التدريب مرةً أُخرى.

يميل الأكراد إلى تسوياتٍ مربحة ماديًا، الأمر الذي اتضح مؤخرًا في أربيل وكركوك. والآن، يحضر الأكراد أنفسهم للمفاوضات المقبلة، والأصح، لمساومة دمشق. بالفعل، بدأ الأكراد يخرجون من ساحتهم القبلية، ليصرخوا بشعاراتٍ صاخبة ويلوحون ببنادقهم أمام الكاميرات التلفزيونية. غير أن هناك حقيقةٌ لا تتغير: كلما ارتفع الصياح وازداد الرقص والتلويح بالبنادق أمام الكاميرات؛ تراجعت الرغبة في خوض القتال الفعلي.

وبالمناسبة، فإن ضم القبائل البدوية التي لم تشارك في الحرب على الإطلاق، وظلّت خمس سنواتٍ ترقب ما يجري بلا مبالاةٍ، تحاكي لامبالاة إبلِ الصحراء، يشير مرةً أُخرى إلى ضرورة ضم المناطق غير الكردية بشكلٍ ما إلى الهيكل الجديد، وإلا؛ فإن الأكراد سيفقدون عنصر المساومة الشرقي خلال المفاوضات القادمة، لأن موضوع المساومة سيكون المناطق غير الكردية ذات السكان العرب. وبقليلٍ من الرغبة، يمكن لهؤلاء الأكراد أنفسهم أن يخرجوا من مناطقهم الأميركيين الذين لن يقوموا بأي ردة فعل.

في كل الأحوال، سينتهي كل هذا بتحقيقاتٍ داخلية تقوم بها لجنةٌ برلمانية، كما حدث في قضية تمويل وتدريب وتسليح “المعارضة المعتدلة”. وفي النهاية؛ ستُلقى المسؤولية على دونالد ترامب وحده. غير أن هناك جانبًا غير مريح في كل هذا المشروع. سيكون بمقدور الأميركيين إيصال أي حربٍ محلية إلى مأزقٍ، لا تستطيع الخروج منه طيلة سنواتٍ طويلة. وفي الوقت نفسه، يلجأ الأميركيون إلى استخدام كل الوسائل والأساليب، بدعم طرفٍ من الأطراف (كما في أوكرانيا)، أو دعم الطرفين في الوقت نفسه (كما في الحرب العراقية-الإيرانية)، أو دعم متوحشين هبطوا من السماء (ليبيا)، وهناك الكثير غيرها من الأمثلة. وفي كردستان، يمكن أن تبقي واشنطن النزاع السوري الداخلي دون حل لسنواتٍ قادمة. وإذا كان التواجد الأميركي سيكون غير ممكنٍ أو محفوفًا بمخاطر كبيرة، فما الضير في خلق غولٍ جديدٍ آخر.

ولكن هذه الخدعة قد لا تصلح مع الأكراد، وخاصةً في وضع، عندما يكون العالم المحيط بكامله ضدهم. حتى إن العراق المستقر نسبيًا يجد نفسه في وضعٍ معقد، في مواجهة ولادة انفصالٍ الكردي، فكيف يكون الأمر مع الأتراك الغاضبين. وهكذا فإن نهاية هذه الحكاية لن تكون بسيطة، في أي حالٍ من الأحوال.

 

اسم المقالة الأصلية Пентагон и ЦРУ загоняют Трампа в сирийскую ловушку
كاتب المقالة يفغيني كروتيكوف
مكان وتاريخ النشر صحيفة فزغلياد. 17 كانون الثاني 2018
رابط المقالة https://vz.ru/world/2018/1/17/903809.html
المترجم سمير رمان

 

مقالات ذات صلة

إغلاق