قضايا المجتمع

حديث عن تسول السوريين في الجزائر

 

بين سورية والجزائر، علاقات حميمية خاصة، تعود إلى قرون قديمة، حين كانت “بلاد الشام” الحضن الدافئ والجاذب للجزائريين الهاربين من وحشية وقمع المستعمر الاستيطاني الفرنسي، ويعود الأمر إلى ما قبل ثورة الأمير عبد القادر الجزائري، بعد نفيه واختياره دمشق التي فتحت له صدرها وأبوابها، حيث كانت هناك مجموعة هجرات متتالية تحطّ الرحال في بلاد الشام.. حتى لعديد قوافل الحجيج، ثم الهجرات التي أعقبت ثورة المقراني، وصولًا إلى سنوات حرب التحرير الجزائرية، فمرحلة الاستقلال.

الأمير عبد القادر وأسرته ولفيف كبير من الجزائريين عاشوا واستقروا وأخذوا الجنسية، وبرز الأمير شخصية عامة يسهم في الأحداث السياسية، ويؤدي دورًا مهما في أثناء الاقتتال المسلم-المسيحي 1860، وكانت له اليد الطولى في إيقافه. وعلى منواله سار أبناؤه وأحفاده، وحين جرت إعدامات الثائرين العرب من قبل جمال باشا الملقب بـ “السفاح”، كان من بين الشهداء عدد من عائلة الأمير. إلى جانب عائلة الأمير، برزت شخصيات مهمة كان لها دورها المهم في بلدان عربية مختلفة من اليمن إلى الجزيرة العربية، إلى بلاد الشام؛ وكان البشير الإبراهيمي -وهو أحد أكبر رموز (جمعية العلماء المسلمين) التي أسسها عبد الحميد بن باديس، فرئيسها بعد وفاته- واحدًا من هؤلاء الرجال العروبيين العظام، وقد عاش ردحًا كبيرًا من حياته في سورية يدرس في معاهدها، قبل أن يستقر به المقام في الجزائر، وهناك لفيف كبير من المشاهير الذين تركوا بصمتهم في الثورة الجزائرية، ومرحلة الاستقلال، فضلًا عن وجود جالية كبيرة من الجزائريين في دمشق، في حيّ يُعرف بـ “حي المغاربة”.

إبّان سنوات الثورة الجزائرية كانت سورية في مقدمة البلدان العربية التي ناصرتها -شعبًا وحكومات- وتطوع عدد من السوريين في جيش التحرير، من أبرزهم مجموعة الأطباء الذين التحقوا بجيش التحرير، برئاسة الراحل الدكتور نور الدين أتاسي، رئيس الدولة السورية المغتال من قبل الطاغية الأسد.

في مرحلة التعريب بعد الاستقلال، أسهم السوريون بجهد كبير في شتى مراحل التعليم، وتركوا بصماتهم الخاصة، وهناك أعداد كبيرة استقرت واختلطت وتزاوجت بواقع حب الجزائريين لكل السوريين، وتمييزهم عن غيرهم في السمعة والتعامل. وفي سنوات ما يعرف بـ “العشرية الحمراء” أو “السوداء”، استقبلت سورية مئات آلاف الجزائريين الهاربين من ويلات القتل والدمار، واستقرّ أيضًا قسم منهم فيها.

مع قيام الثورة السورية وحرب الدمار والإبادة التي مارسها النظام، وحركات النزوح والهجرة؛ اتجهت أعين السوريين نحو الجزائر ملجأً، وخصوصًا أنه لم تكن هناك (فيزا) بين البلدين، وهم يتصورون أن تكون الجزائر الحضن الواسع لاستقبالهم، لكن الحكومة، لأسباب مختلطة، ألغت الفيزا، ووضعت شروطًا ثقيلة لطالبي الزيارة، ثم خففت منها قليلًا دون أن تلغيها تمامًا؛ ما أدى إلى محدودية عدد الوافدين، والقسم الأكبر منهم كان ممن يملك قدرة مالية للاستثمار والعمل، أو خبرات مهنية كبيرة، وقليل من الفقراء، ومن راكبي أمواج استغلال الفرص.

الحق أن الجزائريين -الشعب- تعاطفوا بقوة مع اللاجئين السوريين، واستقبلوهم بترحاب، وهناك من فتح لهم بيوته، وقدّم مساعدات شتى، ثم برزت حركة تسوّل باسم السوريين، كانت تستغل المساجد وخروج المصلين، حتى باتت حديث الشارع الجزائري في زمن قصير.

لقد قامت اللجنة السورية في الجزائر لدعم الثورة، وآخرين من المهتمين بدراسة هذه الظاهرة من داخلها، والبحث في حجم هؤلاء وأصولهم وجنسياتهم، وتبين بالدليل أن بعضهم من جماعة (النَوَر) الذين يحملون وثائق سورية، وبعضهم مزيف يدّعي أنه سوري، وهو غير ذلك، إلى جانب فئة قليلة من السوريين الفقراء، أو من العصابات التي تمتهن التسول.

ولا بدّ من التذكير هنا أن عدد اللاجئين السوريين في الجزائر لم يتجاوز 12 ألف لاجئ، وهو رقم صغير وهزيل، وأغلب هؤلاء لا يعيشون كلاجئين بل يستثمرون أموالهم، ويفتحون معامل ومحالّ مختلفة، ويقيمون في بيوت يستأجرونها، ولا تتكفل الدولة سوى بنزر يسير من أعباء مَن يعدّ لاجئًا.

قبل أيام، قدّمت طالبتَا ماجستير أطروحةً بعنوان (ظاهرة تسول النساء السوريات في الجزائر) تناولت حالة السوريات، عبر عيّنات عشوائية بسيطة -يقول منتقدوها إنها لم تبلغ العشرات- للاستناد إليها وإطلاق أحكام جائرة ومعيبة بحق السوريات والسوريين. وأثارت هذه القضية حنقَ العديد، وفي مقدمهم بعض الجزائريين، حيث ردّ هؤلاء على هذه الأطروحة التي عدّوها معيبة وكاذبة ومشينة، بحق السوريين والجزائريين، وكتب الدكتور تاج الدين الطيبي -وهو أستاذ جامعي- ردًا طويلًا نقتطف منه هذه الفقرات:

(لمدة يومين، وأنا أكاد أذوب خجلًا. ولولا الأعزاء في هذا الفضاء؛ لأغلقت هذه الصفحة، واختفيت هربًا من ذلك الوخز الكبير، والألم الممض. كنتُ أظنها مزحة، ولكن ذاب الثلج وبان المرج، وظهر أن التعفن في الجامعة الجزائرية جاوز المعقول واللامعقول، وبات من الممكن أن يكون موضوع مذكرة “ماجستير” في الجامعة مهينًا وعديم أدب ومسيئًا إلى درجة الرذيلة، فتُعَنون طالبتان مذكرة (ماستر) بـ “ظاهرة تسول المرأة السورية في المجتمع الجزائري”، وتُشرف “دكتورة” بلهاء حمقاء على الموضوع، وهي من فصيلة من قال عن الجامعة: “ودخلتُ فيها جاهلًا متواضعًا … وخرجت منها جاهلًا دكتورا”. وتقبل جامعة ومجلسها العلمي هذا العنوان، من دون خجل أو مراجعة.

لم أجد ما يبلل غصتي، أو يخرج الشظايا المتلظية من حلقي، وها أنا أحس بالعار، لأنني أنتمي إلى دولةٍ نزل فيه المستوى إلى هذا الحضيض، وأحس بالخزي لأنني أنتمي إلى الجامعة الجزائرية التي باتت تؤوي كل منخنقة وموقوذة ومتردية ونطيحة وما أكل السبع.

طبعًا.. ليس المجتمع الجزائري مسؤولًا عن هذا الانحدار الرهيب، والشعب الجزائري غير ما يشير إليه ذلك العنوان الخسيس، ولكن هذه طبيعة الزمن، تطفو فيه الشوائب، وترسب في قاعه القيَم، فلا تبدو إلا لمن يبحث.

ها أنا أقل شأنًا من أن أعتذر للماجدات السوريات، وأقول لهن: إن نعل الماجدة منكن أشرف من وجهَي الطالبتين ووجه مشرفتهما وكل الوجوه التي رضيت بهذا العار، وصولًا إلى أعلى وجه.

أنا أعلم أنّ من يتسولن في الشارع لسنَ بسوريات، وأن اختطاف اللهجة السورية والتسول بها من أسهل ما يكون، وهو ممكن لكل غجري بل لكل لص يحمل الهوية الجزائرية، وما زلت أقول إنني -بحكم معرفتي بالسوريين- لا أستوعب ولا أصدق مطلقًا أن يمد سوري يده للتسول، وأعرف حالات قريبة حاولنا فيها مساعدة الإخوة فما قبلوا منا، على أن تفاعل الإخوة السوريين مع الحادثة يدل دلالة عميقة على أنهم لا يحسون بحجم المأساة في بلدنا: المأساة الأخلاقية، الحضارية، الثقافية، الأخلاقية، ولا يدرون أنهم يعيشون الدمار المادي، ونحن نعيش الدمار المعنوي، بكل تشظياته).

الأكيد أن هذا الاتجاه لا يمثل سوى فئة قليلة من الشعب الجزائري، بواقع غياب أو ضعف إعلام الثورة، ووجود عناصر موتورة ضد السوريين، في حين أن الأغلبية من الشعب الجزائري ما زالت تتعاطف بقوة مع المأساة السورية، وهناك من قدّم الكثير من المعونات والإغاثة التي تجاوزت الجزائر إلى بلدان اللجوء السوري.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق