هموم ثقافية

التسوّل آفة المجتمع والدولة

 

يحضرني سؤال، في خضم هذا الخراب العارم الذي طال ما طال من البشر والحجر: لماذا نعيش، لماذا نتزوج، وننجب أطفالًا، ونحن لا نعرف ما هي الطفولة، وما قيمتها وحقوقها؛ ندور بها في الشوارع، لنحصل على ثمن علبة من الحليب أو قطعة ملابس.

السؤال يحمل خطورته في ذاته، كما يحمل جوابه، ذلك لأن من حق كل إنسان أن يعيش كما يرغب ويشتهي أن يكون هو؛ وليس كما ترغب الدولة التي تنقصها العدالة الاجتماعية، ويجب أن تضمن حق الأفراد في المواطنة المتساوية، وبالتالي العيش بحريةٍ وكرامةٍ إنسانية، تمكّنهم من الانطلاق في الحياة.

ظاهرة التسوّل ليست جديدة على المجتمعات، وليست مقتصرة على مجتمع بعينه أو أمة بعينها، إنما هي ظاهرة عالمية؛ وللمجتمعات المتقدمة، لها منها نصيب، فمن المنافي للقيم الأخلاقية التي يجب أن تتحلى بها المجتمعات والدول، أن يكون جزء من أفرادها يجوب الشوارع والأماكن العامة بحثًا عن المأكل أو المسكن. وقد أصبحت هذه الظاهرة من السلوكيات الروتينية التي اعتاد على رؤيتها المجتمع، واعتاد على ممارستها الأفراد الذين يدورون في حلقة مفرغة من أجل البقاء فقط، غير آبهين لدورة الحياة وتطورها.

فمن المسؤول الأول عن تفاقم هذه الظاهرة، خصوصًا في الآونة الأخيرة من هذا العصر؟

الأسباب الرئيسية لمثل هذه الظاهرة ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالعلاقات المتفاوتة بين الأفراد على صعيد المواطنة غير المتساوية في الدولة؛ التي هي الحياة الأخلاقية للشعب، حسب تعبير ماركس، والتي تحفظ حقه في العيش الحر والكريم، بتأمين مقومات الحياة وتأمين العمل لكل فرد من أفراد المجتمع، يكون قادرًا على العمل والإنتاج، وإلا؛ فسيصبح المجتمع مستَغلًا ومستغِلًا في آن واحد، فظاهرة التسول من أشد أنواع استغلال الإنسان للإنسان، ويظهر هذا الاستغلال جليًّا في إنشاء شركات استثمارية، تقوم على تشغيل النساء والأطفال في التسول، وتصنع لهم العاهات المثيرة للشفقة والابتزاز العاطفي، وقد تفشت هذه الشركات في غير مكان، وهي تستثمر الإنسانية وتستغل الحاجة.

منذ عصر النهضة، قضية التسول مطروحة في الوسط الثقافي العربي، أسبابها وطرق معالجتها، ولا تزال الظاهرة على حالها، لا بل تفاقمت في الآونة الأخيرة، بسبب ما تعانيه المجتمعات المتخلفة من أزمات اقتصادية واستبداد سياسي، والعنف الناتج عن الحرب في سورية وفي غير مكان. فإذا أردنا صورة عن قرب؛ فليس علينا إلاّ أن نفتح عدساتنا على الشوارع السورية التي تعج بالأفراد المهدورين، والمقهورين، ومسلوبي الإرادة، نساءً وأطفالًا وشيوخًا وشبابًا، عاجزين عن إدارة الحياة الطبيعية التي تعطيهم الحق في أن يكونوا فاعلين فيها ومتفاعلين معها.

عندما تنعدم خيارات الأفراد؛ يزداد منسوب القهر والاغتراب والاستلاب، فينتج عن هذا القهر والاغتراب هدر لكرامة الإنسان وحريته وحقه في العيش الكريم، وهذا ما يسميه مصطفى حجازي بالهدر الإنساني أو المعنوي: “هو التنكر لإنسانية الإنسان، أو تجاهلها، أو التلاعب بها، أو الحرب عليها”. فإذا كان الفرد هو المحور الأساس في تنمية المجتمعات ونموها وازدهارها، وتقدمها نحو الحداثة؛ فكيف لمجتمع أن يخطو خطوة واحدة إلى الأمام ونسبة كبيرة من خلايا جسده مريضة، حافية عارية وجائعة؛ لا بل ميتة ميتةً مهينة؟ هؤلاء الأفراد لا يعانون من فقدان المساواة، إنما هم متساوون في فقدان القيمة الاجتماعية، ومتساوون في حرمانهم من حقوقهم الإنسانية والإنتاج الذي يصون كرامتهم.

المسؤول الأول عن تفاقم هذه الظاهرة هو الدولة، إذ تتحدد مسؤوليتها في البحث عن أفضل أساليب الإدارة لحماية الأفراد وتحقيق العدالة والمساواة بينهم، ضمن مؤسسات الحماية الاجتماعية التي فقدت وجودها على الأرض، منذ بداية الأزمة السورية، بعد أن كان وجودها ضئيلًا من قبل، وتوسيع نطاق منظمات المجتمع المدني التي ترصد حاجات المجتمع ميدانيًا، فكل فرد من أفراد المجتمع هو عضو فيها، إن شاءت الدولة أم لم تشأ، وله الحق في أن يكون عضوًا فعالًا؛ لا عالة على غيره من الأفراد، فظاهرة التسول المتزايدة يومًا بعد يوم، هي مسألة هدر إنسانية؛ ومسألة هدر إنتاجية، للطاقات الحيوية الفاعلة في المجتمع والدولة، وهي ضرب من الانحطاط الاجتماعي، في عدم تمكين الأفراد من بناء شخصيات إنسانية إحدى مقوماتها القدرة على صناعة المصير.

إن كل تطور يطرأ على المجتمع المدني سينعكس بالضرورة على الدولة واستراتيجيتها، فكلما كان المجتمع متوازنًا؛ كانت الدولة أكثر اتزانًا وأكثر نجاحًا في التنمية التي تعتمد على الأفراد الفاعلين فيها. لذلك يكون الضمان الاجتماعي الشامل، الذي يوفر التعليم والرعاية الصحية وتأمين الشيخوخة، وحماية الأمومة والطفولة وتأمين الملاجئ أثناء الحروب، ورعاية ذوي الاحتياجات الخاصة؛ وتأهيلهم، من ثم التعويض عن البطالة -التي هي السبب الرئيس لانتشار ظاهرة التسول وتفاقمها- هو السبيل الأمثل لتوازن المجتمع وتحسين شروط الحياة الإنسانية. فلا تنمية إنسانية ولا حياة إنسانية دون حماية اجتماعية وضمان اجتماعي، وهما من مسؤولية الدولة أولًا.

اعتاد المجتمع السوري على رؤية الأفراد من نظرائه في الشوارع، واعتياد السلطة السياسية على هذا المشهد اليومي من دون أن يرف لها جفن، فلا تتخذ الإجراءات اللازمة حيال هذا الموضوع. والذي يثير الدهشة أكثر هو تصريح وزير المالية أمام أعضاء مجلس الشعب: أن الشعب السوري لا يعاني من الفقر ولا يعاني من الجوع، الشعب السوري لديه حصانة ضد الفقر والجوع. لكن السيد الوزير لم يوضح لنا من أين أتت تلك الحصانة، هل هي من الدولة أم من الشعب الذي يجوب نصفه في الشوارع بحثًا عما يأكله ليبقى على قيد الحياة؟

مقالات ذات صلة

إغلاق