قضايا المجتمع

عودة العرائس الجهادية و”أشبال الخلافة”: المداولات في باريس

 

منذ “تحرير” مدينة الرقة، التي كانت تسيطر عليها (داعش)، في تشرين الأول/ أكتوبر 2017، احتجزت القوات الكردية العشرات من نساء (داعش) السابقات وأطفالهن في “روجافا”، أو ما يسمى بـ “كردستان سورية”. ووفقًا لمسؤولي تطبيق القانون الفرنسي، هناك حوالي 690 مواطنًا فرنسيًا موجودين حاليًا في سورية، 43 في المئة منهم نساء، يعشن معظمهن مع عدة أطفال. وفي الآونة الأخيرة، طلبت امرأتان فرنسيتان إعادتهما إلى فرنسا، بمن في ذلك إميلي كونيغ، المجندة الشهيرة في تنظيم (داعش)، التي انتقلت إلى سورية في 2012 والتي وضِع اسمها في القائمة السوداء للإرهاب من قِبل الأمم المتحدة والولايات المتحدة.

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، ذكر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أنّه سيتم دراسة حكم المقاتلين السابقين وأسرهم وإعادتهم إلى أوطانهم، على أساس فردي، وأنّ كل حالة تتطلب تقييمًا فرديًا. من ناحية أخرى، أوضح ممثل “روجافا” في فرنسا مؤخرًا، أنّ القوات الكردية السورية ستحترم خيار باريس في ما يتعلق بأعضاء (داعش) السابقين، إذ يمكن محاكمتهم إمّا في سورية أو إعادتهم إلى السلطات الفرنسية. بيد أنّ مصطفى بالى، المتحدث باسم (قوات سورية الديموقراطية/ قسد)، حثّ الحكومات الأوروبية على إعادة جميع النساء والأطفال، مع ترك القرار النهائي بشأن هذه الحالات المعقدة إلى باريس. ومع ذلك، يبدو أنّ الحكومة الفرنسية لم تولي اهتمامًا يُذكر للمحتجزين الفرنسيين في “روجافا”. ووفقًا لما ذكره محتجز سابق في “روجافا”، لم يحظ سجين فرنسي واحد بزيارة ممثل للحكومة الفرنسية، إذ يحق لجميع المحتجزين في الدول الأجنبية الحصول على حق مراجعة حكومتهم، وفقًا للقانون الفرنسي.

ومع ذلك، في بداية كانون الثاني/ يناير، كتبت بعض سيدات (داعش) السابقات شخصيًا إلى إيمانويل ماكرون طالباتٍ إعادتهن إلى الوطن، موضحات أنّهن مستعدات لمواجهة عواقب أفعالهن. ومن بين هؤلاء النساء إيميلي كونيغ، والتي أنجبت ثلاثة أطفال في سورية في أثناء خدمتها في التنظيم، وهي محتجزة حاليًا في مخيم بالقرب من مدينة الحسكة على الحدود التركية السورية. ومع ذلك، فإنّ السلطات الفرنسية نفت موثوقية هذه المعلومات، ربّما في محاولة لكسب مزيد من الوقت، بغية إيجاد حلّ بشأن هذه المسألة المثيرة للجدل والمعقّدة للغاية.

تعدُّ حالة كونيغ صعبة للغاية، بالنسبة إلى الحكومة الفرنسية، لكون كونيغ تُعدّ، وعلى نطاق واسع، واحدة من أخطر المقاتلات، بحسب الأمم المتحدة. في واقع الأمر، كانت السيدة كونيغ واحدة من المجندين الرئيسيين لـ (داعش) في فرنسا، حيث إنّها شاركت في عمليات الترويج والدعاية للتنظيم في وسائل التواصل الاجتماعية، منذ عام 2012. ومع ذلك، وفقًا لوالدتها، طلبت كونيغ الغفران من عائلتها وأصدقائها وبلدها. كما يحتجز أطفال كونيغ الثلاثة في السجون الكردية، في موقفٍ يُعدّ خرقًا بالغًا من حيث حقوق الإنسان وحماية حقوق الطفولة. وعلى الرغم من أنّ أطفال (داعش) لم يختاروا عمدًا أن يكونوا جزءًا من الجماعة الإرهابية، فإنّهم لا يزالون يعانون من عواقب خيارات الحياة السيئة لأبويهم، إذ ينبغي إعطاء الأطفال فرصة لحياة طبيعية في بلدهم الأصلي. ومع ذلك، فإنّ إعادة الأطفال دون أمهم إلى وطنهم ستكون أيضًا قاسية وغير إنسانية، ما يضاعف من تعقيد الحالة.

وبحسب محامي كونيغ، فإنّ فرنسا تتحمل مسؤولية جلبها إلى المحاكمة، لأنّها خرقت القوانين الفرنسية بمغادرة البلاد، وسافرت إلى سورية للانضمام إلى جماعة إرهابية. وعلاوةً على ذلك، أشار إيمانويل ماكرون، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، إلى أنّه إذا كان من المقرر الحكم على المحتجزين خارج فرنسا، فعليها (المحاكمة) أن تكون في بلد يمكن فيه ضمان المحاكمة العادلة، وفقًا لمعايير حقوق الإنسان. غير أنّ محامي كونيغ يقول إنّ سورية ليست بالتأكيد الدولة التي يُمكن ضمان محاكمة عادلة فيها، وإضافة إلى ذلك، فإنّ عقوبة الإعدام لا تزال سارية في سورية. ومع ذلك، فقد جودل في وضع هؤلاء النسوة اللواتي اتخذن خيار الذهاب والعيش والقتال في سورية أو العراق، وبالتالي، يجب عليهن أن تقبلن عواقب خيارهن، في كسر القوانين واللجوء إلى هذه البلدان.

إنّ المثال السابق يدلّ على الصعوبات التي تواجهها البلدان الأوروبية، التي تواجه طلبات الإعادة إلى الوطن من قبل أعضاء (داعش) السابقين مع أطفالهن. تمرُّ فرنسا في موقف صعب للغاية، حيث أفادت الاستخبارات الفرنسية أنّ ما يقرب من ثلث المواطنين الفرنسيين، الذين انتقلوا إلى سورية للانضمام إلى (داعش)، هم من النساء. قضية إميلي كونيغ ليست سوى مثال واحد للعديد من النساء وأطفالهن الذين ما زالوا محتجزين في سورية أو العراق. وعلى الرغم من كونهم مجرمين، فإنّ هؤلاء النسوة يحق لهن التمتع بالحق الدولي في محاكمة عادلة. وعلاوةً على ذلك، لا يمكن ترك حقوق الأطفال دون حماية، ولا يمكن ترك “أشبال الخلافة” منسيين في السجون الأجنبية. وينبغي على فرنسا، بوصفها مروجة لحقوق الإنسان، أن تعطي الأولوية لهذه القضايا وأن تجد سبيلًا لحل هذه المعضلة، ولا سيما لحماية أطفال (داعش)، الذين استُخدموا في أعمال عنف، والذين يسجنون الآن بسبب أفعال وخيارات آبائهم.

 

اسم المقالة الأصلي The Repatriation of Jihadi Brides and the Cubs of the Caliphate: Deliberations in Paris
الكاتب إيما كابرول / Emma Cabrol
المصدر مركز حرمون للدراسات المعاصرة، برنامج الباحثين الزائرين الدوليين
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق