تحقيقات وتقارير سياسية

هل ستنجح بلغاريا برئاسة الاتحاد الأوروبي؟

 

للمرة الأولى منذ انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي قبل عشرة أعوام، تسلمت جمهورية بلغاريا رسميًا من أستونيا الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، يوم الثاني عشر من كانون الثاني/ يناير 2018، ضمن حفل أُقيم في القصر الوطني للثقافة بالعاصمة صوفيا، حضره عدد كبير من المسؤولين الأوروبيين، ومفوضي الاتحاد الأوروبي، بينهم رئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك، ورئيس البرلمان الأوروبي أنطونيو تاجاني.

تتولى بلغاريا الرئاسة لمدة ستة أشهر في مرحلة حرجة، تفرضها تبعات انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتحديات أزمة الهجرة واللجوء إلى أوروبا، واستحقاقات عدم التكافؤ في فرص التنمية والرفاه، بين شرق القارة العجوز وغربها، إضافة إلى الإشكالات الداخلية التي تعاني منها الجمهورية البلغارية، بوصفها واحدة من أفقر دول الاتحاد، ينتشر فيها الفساد من السلطة حتى القاعدة الشعبية، وفقًا لمنظمة الشفافية الدولية، كما أن عاصمتها (صوفيا) من أكثر العواصم الأوروبية تلوثًا للهواء، بسبب استخدام الخشب والفحم للتدفئة في الشتاء، والاعتماد الواسع على السيارات القديمة نظرًا إلى تدني مستوى الدخل.

جاء في بيان الحكومة البلغارية، أن اهتمامها سينصب على أربعة ملفات ساخنة، خلال فترة رئاستها هي: المساءلة والشفافية، والعمل من أجل ضمان مستقبل أفضل للأجيال الصاعدة، والتوصل إلى التوافق والتفاهم، بين مختلف الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وجعل دول غرب البلقان في قلب اهتمامه.

يتضح من بيان الحكومة البلغارية، أنها تضع استراتيجيتها لفترة الرئاسة، بناء على الشعار الذي ترفعه: “في الاتحاد قوة”، وبوصفها جزءًا من الاتحاد الأوروبي منذ عام 2007، يسعى للانضمام إلى فضاء الشنغن، وانطلاقًا مما يمليه عليها موقعها الجغرافي من مسؤوليات والتزامات، كإحدى دول شبه جزيرة البلقان، حيث تشرف على البحر الأسود من الناحية الشرقية، وتشترك مع دول يوغسلافيا السابقة من الغرب، وتحدها رومانيا من الشمال، وتركيا واليونان من الجنوب، ما يجعل حدودها من أكبر معابر تدفق اللاجئين إلى أوروبا الغربية.

على المستوى الأوروبي، ستتولى بلغاريا الإشراف على المرحلة الجديدة من المفاوضات، بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة التي قررت مغادرته في آذار/ مارس 2019، وستتمحور المفاوضات حول الفترة الانتقالية لما بعد (بريكست)، والعلاقات التجارية المستقبلية بين الطرفين.

كذلك وعدت بلغاريا أن تضع ضمن أولوياتها حماية حدود الاتحاد الأوروبي، وضمان أمن مواطنيه واستقرارهم، وأن تعمل ما بوسعها على إصلاح نظاميّ الهجرة واللجوء إلى أوروبا، ووضع آليات فعالة لتعزيز الرقابة على شريطها الحدودي منعًا لعمليات التسلل اللاشرعي. وفي هذا السياق، ستلتزم باتفاقية الهجرة الموقعة بين أنقرة والاتحاد الأوروبي، في آذار/ مارس 2016، كما أنها ستلتزم باتفاقية (دبلن)، وتهتم باللاجئين الذين يصلون إلى أراضيها أولا، وتعمل على تحسين علاقاتها مع جارتها تركيا.

على المستوى الإقليمي، سيكون مستقبل منطقة غرب البلقان إحدى أولويات الرئاسة البلغارية للاتحاد، وتشمل المنطقة البلدان المطلة على البحر الأدرياتيكي: ألبانيا والدول المنبثقة عن يوغوسلافيا السابقة (البوسنة والهرسك وكرواتيا والجبل الأسود وصربيا) التي لا يزال انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي محل تفاوض وجدل، بسبب عدم استيفائها لشروط الانضمام، وسوف تعمل بلغاريا على رفع احتمالات قبولها، من خلال دعم الإصلاحات السياسية والاقتصادية، وتحسين البنى التحتية وطرق الربط وشبكات الاتصال الرقمية والمؤسسات التعليمية في غرب البلقان. وكما يرى رئيس الوزراء البلغاري بويكو بوريسوف، فإن “إضفاء الطابع الأوروبي على دول البلقان ضروري للحيلولة دون بلقنة أوروبا”. وفي هذا السياق، سيجتمع زعماء الاتحاد الأوروبي مع نظرائهم من خارج الاتحاد، خلال قمة ستُعقد يوم 17 أيار/مايو في صوفيا، ومن المتوقع أن يتم قبول صربيا والجبل الأسود.

على المستوى الداخلي، تسعى بلغاريا إلى تبني اتجاه “الأوربة” بالكامل والتخلص من الهيمنة الروسية، وتولي أهمية قصوى لقضيتي التلوث البيئي والفساد. وقد صرحت السيدة فانيا نوشيفا، مديرة الفرع البلغاري لمنظمة الشفافية الدولية: حققت الحكومة البلغارية بعض التقدم في مكافحة فساد أجهزة شرطة المرور، وصغار البيروقراطيين، لكن الفساد لا يزال مستشريًا على مستوى كبار المسؤولين، ما يستدعي المضي في إصلاح جوهري داخل الإدارة العامة، وفي نظام القضاء.

هل ستتمكن الحكومة البلغارية من القيام بكافة الأعباء التي وضعتها على جدول أعمالها، خصوصًا ما يتعلق منها بالوضع الداخلي ونظام اللجوء إلى أوروبا؟ لعل الوقت لا يزال مبكرًا للإجابة عن هذا السؤال، لكن بكل الأحوال، فإن رئاسة الاتحاد الأوروبي هي تجربة فريدة، وفرصة ذهبية أمام البلغار لتبني إصلاحات حقيقية، تقطع مع عثرات الماضي، وتتطلع نحو آفاق جديدة، تسهم في فضائها عودة العقول والكفاءات البلغارية المهاجرة إلى جميع أصقاع الأرض.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق