أدب وفنون

“راب” بين كاليفورنيا وإسطنبول

 

يعيد راب “سوري قديم” تشكيل الظلال مجددًا. لا يمل من استنطاقها حيث توقفت، فهو بذلك يتلكأ في تصديق ثورة الناس، كأنما يلقي بها خارج ملاذ المعنى وحججه، ويستبدلها باستنتاجات لغوية ترثي حال السوريين، وتدين تبعات انتفاضتهم، شأنهُ في ذلك شأنُ باقي المنتجات الفنية التي استمالها عقل النظام، وألبسها مقولاته في التشكيك بصحوة الذات الجمعية، والإلقاء بلائمة خراب البلاد عليها.

لم يكن مستغربًا أن تقدم قناة (mbc)، منذ مدة قصيرة، “ريبورتاجًا” مقتضبًا يشيد بالأغنية، على الرغم من أن القناة تمثل وجهة نظر النظام السعودي بالنظام السوري، غير أنها لم تجد ضيرًا في التودد إلى صاحب فكرة الراب، باعتباره أحد الممثلين المدللين لديها، منذ أن أوكلت إليه بطولة عملها الضخم سرايا عابدين (من إنتاج عام 2014). وراب “سوري قديم” هو أحد التجليات الحديثة لأفكار قصي خولي، حين قرر الغناء فجأة، مستسهلًا فن الراب إلى هذا الحد، عاونه في إنجاز العمل صديقه إسماعيل تمر (مغني راب سوري).

تم تصوير الأغنية في ولاية كاليفورنيا الأميركية حيث يتواجد خولي، وفي مدينة إسطنبول حيث يقيم صديقه “تمر” منذ سنوات، ولحل مشكلة المسافة الفاصلة بينهما، جرى الاستعانة بقالب درامي تقليدي، يبدأ بمحادثة على (واتس أب)، يدعو فيها الأخ المقيم خارج سورية (قصي خولي) شقيقه (إسماعيل تمر) الذي يعيش في دمشق إلى إلغاء فكرة سفره، والبقاء في سورية، ثم يتعثران في التواصل عبر (سكايب) وعبر غيره، وهذا استهلك 2:52 دقيقة من مدة العمل البالغة نحو سبع دقائق، ثم يشرع تمر بعد ذلك بغناء مقطع الراب الأول: (متمني أمسك الوريد، وأقطع شريان الشوق، حتى بطل حن، اشتاق لناس صارت فوق. عايش جوا الوطن بالاسم، لكن أنا متغرب، عم حاول أتأقلم عل الموت، كل يوم عم جرب. بتضلك أحسن مني، ما عم بتشوف إلي بشوفه، بتمد إيدك للصلح، كلوا بمد سيوفه. ما عم أقدر أسمع إلا صيحات أيتام، ما عم أقدر شم إلا ريحة الدم بالشام، ريحة الياسمين تغيرت، ميات الشام تعكرت، النفوس تعترت، الإنسانية تقتلت. الناس عنا بتضحك، لكن من جوا متاكلة، والحزن جوا دمنا صار كله عهل الشاكلة. بتتذكر يا أخي لما قلتلي ما منتفرق. الشام عم تشتقلك، حتى ياسمينها المعتق، حيطان البيت حنتلك، عليها الصور تتلزق، كل يوم بيمرق بغيابك، غصة قلب بتشردق). وهذا المقطع ظل مستمرًا حتى الدقيقة 3:41، أي مدته 50 ثانية تقريبًا.

كلمات الأغنية التي كتبها إسماعيل تمر تظهر كنُوَاحٍ خفيف يلطم وجه الواقع الممتقع، ولا يفسر سبب لونه الكالح، يظهر النظام السوري فيه كضحية، كحَمَلٍ ودود يعيش وسط ذئابٍ جهنمية، حين غنى: (بتمد إيدك للصلح، كلوا بمد سيوفه)، ولم تكن التغيرات اللازمة في طبقات الأداء الصوتي محسوسةً كفاية، لكن يمكن الانتباه لها على نحوٍ طفيف بعد جملة: (بتتذكر يا أخي، لما قلتلي ما منتفرق)، بحيث يمكن الجزم بأن تغير الإلقاء لم يكن متجسدًا كما ينبغي لهُ أن يتجسد في أغاني الراب.

ثم تنقسم الشاشة إلى كادرين، ليظهر كل أخٍ داخل كادرٍ منفصل، وتتلاشى الألوان على الفور لتصير الشاشة بالأبيض والأسود، في محاكاةٍ نمطية مكررة تعكس مرارة اللحظة القائمة بكل مقتنياتها الحسية، وتثبتها في كينونةٍ افتراضيةٍ عميقة، وهذا شائعُ الاستخدام في الأعمال الدرامية.

وفي الدقيقة 3:55 تعود الألوان، يبكي قصي خولي، ويردد كلمات أول مقطع راب له، في الأغنية: (حاسس فيك، يا أخي صبور، بكرا الشام راح تتعافى. شايفي ولادها عم تموت، حاملي الحزن على كتافها. يا أخي دير بالك تنسى، الشام مانا خرسا. الشام حنونة، لكن نحنا علمناها تقسا. متغرب لكن اسم الوطن عم يمشي بدمي، مشتاق لتراب بلادي، مشتاق لريحة أمي. لا تلومني متغرب عن بلادي حتى عينك، ارجع من الغربة أقوى، ارسم الفرحة على جبينك. سوري قديم ببقى ما راح تغيرني شدة، من محمد ويسوع عنا القوة مستمدة. قرآن مع أنجيل هيك سوريا علمتنا، مهما اختلفنا، وافترقنا راح ترجع وحدتنا. لو كل الناس اتجمعت، قتل الناس شرعت، قالوا سوريا اتقسمت، لما الأطفال تيتمت. لا تتغير مهما تغيروا الناس، سوري قديم بالأصل هوي الأساس). وكأن الكلام هنا هو خلاصةُ ألسنة الموالين، ورؤيتهم البراغماتية الزائغة لنتائج الصراع بين السلطة القائمة والناس، وموقعهم من هذا الصراع. يرحلون عن سورية إذًا لتحسين ظرفهم المعيشي، لا لأنهم يريدون النجاة من تساقط الموت والدمار الممنهج فوق مناطقهم، وهذا يغنيه خولي: (لا تلومني متغرب عن بلادي حتى عينك، ارجع من الغربة أقوى، ارسم الفرحة على جبينك)، كما أن كلمات المقطع تستهتر بالاختلاف السياسي حول السلطة ومركباتها، وتعيد تكرار مقولة الوحدة الدينية، وكأنها المشكلة، لا سواها. يغني خولي: (سوري قديم ببقى ما راح تغيرني شدة، من محمد ويسوع عنا القوة مستمدة. قرآن مع أنجيل هيك سوريا علمتنا، مهما اختلفنا، وافترقنا راح ترجع وحدتنا)، ثم يستحوذ التمثيل على قصي خولي، نراهُ يمثل أكثر من أننا نراهُ يغني، يظل يرددُ كلمات المقطع بإيقاعٍ صوتي رتيبٍ متماثل، يستمر على هذا النحو حتى ينتهي المقطع عند الدقيقة 4:40، لتنقسم الشاشة مجددًا إلى كادرين، بحيث يعود كل أخٍ ويظهر في كادر، وتطيرُ الألوان من على الشاشة، تصبح كما السابق بالأبيض والأسود، ثم يغني إسماعيل تمر مقطعه الثاني في الدقيقة 5:00 : (يا أخي ذكريات الماضي، عم تاكلي روحي، كل ما أصفن بإلي صار فينا، عم بتزيد جروحي. قلوب الناس صارت سودا، نظرات عيونهم تكويني، سفرني على أي دولة، على جرح الوطن ما فيني، الروح بجسمي عم تصرخ، الحجار حست فيني، حيطان البيت خنقتني، ما في قوة بتهديني، يا أخي ماني طالب، إلا من جرح الوطن أتعافى، أرجع شوف سوريا أقوى، مهما قطعوا أطرافها)، ينتهي المقطع عند الدقيقة 5:25، فلا يحمل سوى مزيدٍ من ركاكة المعنى واللغة، ودوران الفكرة بأناقةٍ حول محور الرؤية الضحل، وهذا يتبدى حين يغني قصي خولي مقطعه الأخير: (وحياة عيونك سوريا بدها ترجع، الطيبة اللي فينا بتتغلب على صوت المدفع، اسمع، ما بدي شوف الحزن فيك، لو اتغربت على الوطن، الغربة ما بتنسيك. ما راح تلاقي تراب متل تراب الوطن يدفيك، لما تبرد ما في غير تراب الوطن بيحميك. خليك، متل ما أنت خليك، سوري قديم، والأصل يتمسك فيك)، ينتهي المقطع عند الدقيقة 5:51، وخولي يواصل تمثيله، متناسيًا أنه مطالبٌ بالغناء، لا بالتمثيل، فتنقبضُ ملامحُ وجهه، وتنبسط. تلحق بالكلمات التي يغنيها، ثم تسبقها.

لكن الرابَ غناء، وليس تمثيل، وهو أحد فروع ثقافة “الهيب هوب”، يقوم على التحدث، وترديد كلمات الأغنية وفق قافيةٍ محددة. انتشر في الولايات المتحدة الأميركية مع مطلع السبعينيات داخل حي “برونكس” في مدينة نيويورك بواسطة الأميركيين من أصلٍ أفريقي، ثم انتشر عالميًا منذ بداية التسعينيات، وكلمة “راب” هي اختصار الأحرف الأولى من جملة “الشعر الأفريقي المقفى”، ويعتمد على التزامن بين أطوال الأسطر في كلمات الأغنية مع الإيقاع، بحيث يتساوى عدد مقاطع السطر الواحد مع مقاطع السطر الذي يليه، ومع سرعة الإيقاع. ويعتمد أيضًا على الأداء الصوتي، حين يمزج نبرة الصوت والتناغم الصوتي مع اللحن، ولا بد لمغني الراب أن يُظهر العاطفة الملائمة أثناء ترديد كلمات السطر الواحد، كأن يخفض صوته تعبيرًا عن الحزن، أو يرفعه حين الغضب. وغالبًا ما تستخدم أغنية الراب كلماتٍ لها معانٍ متعددة، وهذا -أيضًا- ما افتقر لهُ راب “سوري قديم”، ليظل هائمًا على وجهه، مستغرقًا في خلاصاتٍ تنظيرية زائفة، امتدت بين كاليفورنيا، وإسطنبول.

مقالات ذات صلة

إغلاق