ترجمات

صحيفة فزغلياد: الولايات المتحدة الأميركية تبدأ إقامة دولةٍ جديدة على الأراضي السورية

الصورة: زهرة بن سمرا/ وكالة رويترز

على الرغم من الوعود التي أطلقها رئيس الولايات المتحدة الأميركية الحالي، أثناء حملته الانتخابية، بالخروج من سورية بعد أن يتم القضاء على (تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش)، فقد حدث العكس على أرض الواقع؛ حيث إن واشنطن، بدأت في واقع الأمر ببناء شبه دولةٍ -كردستان سورية- وتقوم بتجهيز قواتٍ أمنية، قوامها 30 ألف مقاتل لحماية الحدود. وقد قام الخبراء الروس بتقييم طموح الولايات المتحدة الأميركية “بإعادة رسم الحدود” في الشرق الأوسط.

بحسب وكالة الأنباء الرسمية السورية (سانا)، فقد دانت دمشق، يوم الخميس الماضي، قرار الولايات المتحدة الأميركية، بتشكيل “قوات أمن حدود” على حدود البلاد الشرقية الشمالية.

كما وصفت وزارة الخارجية السورية نيّات واشنطن بـ “العدوان الصارخ على سيادة ووحدة سورية، وبأن ذلك يشكل خرقًا مشينًا للقانون الدولي”. ودعت سلطات البلاد المجتمع الدولي إلى وضع حد لـ “سياسة الهيمنة والتعالي التي تنتهجها إدارة الولايات المتحدة الأميركية”.

عبّرت موسكو وأنقرة عن غضبهما من قرار واشنطن تشكيل جيشٍ تابعٍ لها في سورية، من الأكراد وحلفائهم العرب. وقد ألمح ممثل التحالف الأميركي توماس فيل إلى أن البنتاغون لا ينوي البقاء في سورية، بعد القضاء على (تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش). إلا أنه لم يرغب في تفسير المستند القانوني الذي اعتمدت عليه واشنطن في إطلاقها هذه الإشارات، كإقامة شبه جيشٍ على أراضي دولةٍ أجنبية.

ونذكّر أن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية قد أعلن إقامة بنيةٍ عسكريةٍ جديدة في سورية: “قوات أمن الحدود”.

تقتطف (Defense Post) عن الممثل الأميركي في التحالف توماس فيل قوله، في مؤتمرٍ صحفي باسم التحالف: “سيعمل التحالف مع (قوات سورية الديمقراطية/ قسد) على تشكيل وتدريب قوات أمن حدودٍ سوريةٍ جديدة”. وأضاف فيل: “القاعدة التي ستعتمد عليها القوة الجديدة تتألف من 15 ألف من منتسبي (قوات سورية الديمقراطية/ قسد)، سيعاد تشكيلهم للقيام بمهمةٍ جديدة كقوات أمن حدود، لأن قتالهم ضد (تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش) قد شارف على نهايته”. وأردف: إن حوالي 230 عنصرًا قد دخلوا المرحلة الأولى، أي المستوى التدريبي الأول.

يخطط التحالف أن يكون تعداد “قوات حماية الحدود” قرابة 30 ألف شخص، مع العلم أن الخبراء يقدرون عديد مجموعة (قوات سورية الديمقراطية/ قسد) بـ 30-40 ألف مقاتل، غالبيتهم من الوحدات الكردية.

وأضاف فيل أن “قوات أمن الحدود” ستنتشر في وادي نهر الفرات، على طول الحدود الغربية لمناطق سيطرة (قوات سورية الديمقراطية/ قسد)، وكذلك على طول الحدود السورية العراقية، والحدود السورية التركية.

وكانت هذه المبادرة الأميركية قد أُعلنت، بعد أن تحدث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قبل يومٍ واحد فقط، عن نية القوات التركية البدء، في غضون أسبوع واحد، بعمليةٍ عسكرية في مناطق عفرين ومنبج الواقعة تحت سيطرة الأكراد شمال غرب سورية. من ناحيةٍ أخرى، اعترض إبراهيم كالين (السكرتير الصحفي للرئيس التركي)، قائلًا: “تقوم الولايات المتحدة الأميركية باتخاذ خطواتٍ من شأنها إضفاء الشرعية على تنظيماتٍ إرهابية، وهذا أمرٌ يبعث على القلق”.

ونقلت وكالة أنباء (نوفوستي) عن إبراهيم كالين قوله إن تركيا تحتفظ لنفسها بالحق للقيام “بأي خطوة ضرورية مواجهة الإرهاب”، سواء داخل البلاد أم خارجها. “ستتخذ تركيا كافة الإجراءات لضمان أمنها”.

يرى المحللون العسكريون أن قوات الحدود لازمة بالفعل، طالما لم يتم القضاء نهائيًا على (تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش). وفي هذا الصدد، أوضح رئيس قسم أبحاث النزاعات في الشرق الأوسط في معهد التطور الإبداعي: أنطون مارداسوف أن “إنشاء قوات أمن الحدود في سورية يتعلق بالدرجة الأولى بالحدود مع العراق”. وذكر مارداسوف، أن على الجانب الآخر من الحدود مع تركيا قد سبق أن تشكلت “مجموعات طوارئ أميركية”، التي ستظهر فور نشوب تبادل نارٍ حقيقي بين الأتراك والأكراد. فهذه المجموعات هي “ضمانة من وقوع صداماتٍ جدية في هذه المنطقة”. ويرى الخبير أن وجود حرس حدودٍ، بين العراق وسورية، أمرٌ مهم بالنسبة إلى (تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش) من وجهة نظر القدرة على الحياة. فهذه المناطق صحراوية شاسعة مليئة بالوديان والكهوف والشقوق التي يصعب السيطرة عليها. وكان تنظيم (القاعدة)، يستخدم هذه الأنفاق والكهوف كملاذٍ له في ذلك الحين. وسبق أن تعرضت القوات الأميركية لخسائر فادحة في تلك المناطق، عندما حاولت إبّان الحرب العراقية طرد مقاتلي (القاعدة) منها.

أكد الخبير أن اصطياد المقاتلين في تلك المنطقة يحتاج فعلًا إلى وجود قوات حرس حدود تعرف المنطقة جيدًا، التي لا يعرفها حتى السوريون من سكان المحافظات الأُخرى، لأنها تتمتع بتضاريس خاصة.

الأميركيون يباشرون “تقطيع الأوصال”

يوم الإثنين، ترددت ردّات فعلٍ غاضبة على قرارات واشنطن في البرلمان الروسي أيضًا. ففي موسكو، كما في أنقرة، يفترضون أن تشكيل قوات حرس الحدود سيمثل أول خطوةٍ لإقامة شبه دولةٍ كردية مستقبلية في الشمال السوري.

وفي تغريدة له على (تويتر)، حذَر رئيس لجنة المجلس الفيدرالي لشؤون السياسة الإعلامية ألكسي بوشكوف من أن قرار الولايات المتحدة تشكيل قوات حرس حدودٍ تحت إمرتها هو الطريق إلى تفتيت الجمهورية”. رسميًا، تقول الولايات المتحدة الأميركية إنها مع سورية الواحدة. ولكنها في حقيقة الأمر، مع سورية المفتتة”. كما أكد زميله في البرلمان، رئيس اللجنة الدولية كونستانتين كوجاييف، أن تصرفات كهذي من جانب الولايات المتحدة الأميركية تنتهك ميثاق الأمم المتحدة. وصرح السيناتور لوكالة أنباء (ريا/ نوفوستي) أن الحرب على (تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش) لا تحتمل تصرفاتٍ غير منسقة وأحادية الجانب. وبحسب كلامه، كان على الأميركيين أن “يقتنعوا عدة مراتٍ بهذا، ابتداء من آب/ أغسطس 2014، عندما حاولوا للمرة الأولى القيام بعمليتهم الخاصة ضد الإرهابيين”.

من جانبٍ آخر، صرح رئيس لجنة مجلس الدوما لشؤون العلاقات الدولية، ليونيد سلوتسكي بأن خطط الولايات المتحدة الأميركية تدل على رغبتهم القديمة في إسقاط بشار الأسد. ونقلت وكالة (إنترفاكس) عنه القول: “ما هو هدف التحالف من تشكيل قوات جديدة؟ ومن دون التطرق إلى أن استمرار وجود القوات الغربية على الأراضي السورية يشكل خرقًا للسيادة السورية، فإن هذا النهج يثبت أن هدف الولايات المتحدة الحقيقي هو تغيير النظام في دمشق بأي ثمن، وليس محاربة الإرهاب العالمي”.

من ناحية ثانية، قال رئيس لجنة الدفاع فلاديمير شامانوف، عضو البرلمان عن حزب روسيا الواحدة، واصفًا تصرفات الولايات المتحدة الأميركية وشركائها بـ “البغيضة”، من وجهة نظر القانون الدولي: “سلوكهم المشين في تبرير تواجدهم للدفاع عن مصالح مبهمة، قد تجاوز كل أُطر اللياقة المقبولة”. وشكا شامانوف قائلًا: بما أن سلوك الولايات المتحدة الأميركية يتعارض والمصالح الروسية؛ فإننا “سنتخذ مع شركائنا في سورية خطواتٍ ما، لإحلال الاستقرار في سورية”.

على دمشق ألا تكون متقلبة

يعتقد أنطون مارداسوف أن قرار واشنطن قد يكون مفيدًا لموسكو بشكلٍ غير مباشر، لأن المهمة الآن تصبح مصالحة دمشق مع بقية المجتمعات السورية، وسيجعل تشكيل قوات حماية الحدود بشار الأسد أكثر مرونةً في الحوار السوري-السوري. وأضاف المتحدث أن الأميركيين قد يستخدمون هذا العامل للضغط على دمشق، بحيث تجعل الأسد يتفاوض مع الأكراد، وقال مارداسوف متذمرًا: “من الضروري استمالة الأسد لحل سياسي، لأن ممثلينا في الأمم المتحدة أيضًا يلاحظون أن النظام على ضوء نجاحاته الأخيرة دخل الزجاجة، وأصبح يخرب صراحةً بعض القرارات”.

ويذهب الخبير العسكري كذلك، إلى أن تواجد الجنود الأميركيين في سورية مفيدٌ. ويعتبر أن انسحاب الأميركيين لا يفيد أحدًا. وذكر أن علاقات القبائل العربية مع دمشق كانت “علاقات معقدة تاريخيًا”. أما في ما يتعلق بقوات حماية الحدود، فيرى مارداسوف: “بالطبع، العامل الكردي مهم”، ولكن يجب ألا ننسى أن بعض القبائل العربية معهم أيضًا.

يخلص الخبير إلى أن “ليس بمقدور دمشق السيطرة على كل هذه المناطق الشرقية. ومن الخطر أن يوكل أمر السيطرة عليها إلى الميليشيات الشيعية؛ فستستخدم العناصر الراديكالية هذا الأمر لأغراضٍ دعائيةٍ لتوسيع قاعدة جمهورها. ولهذا، من الضروري وجود قوى جدية، يكون بإمكانها فعليًا مسك هذه المساحات”.

حدود رسمها “توماس فيل”

إذا أمعنا النظر؛ فإننا نجد أن الحدود التي حددها توماس فيل تتضمن الجزء الشمالي من سورية. وبهذا، يمكن توقع الخطوة التالية التي يمكن أن تكون إعلان “فيدرالية شمال سورية”، التي تقع ضمن الحدود المشار إليها. وبهذا الخصوص، قال رئيس معهد الدين والسياسة المستشرق ألكسندر إيغاتينكو لصحيفة (فزغلياد): “هذا يعني أن الولايات المتحدة الأميركية تشكل في سورية جيبًا ما. وفي الوقت الراهن يدور الحديث عن إقامة تنظيمات شبه حكومية”. وذكر المستشرق أن الأكراد أنفسهم سبق أن قاموا بالعملية نفسها في الشمال السوري، عندما أعلنوا ما يسمى “فيدرالية شمال سورية”.

لا يمكن استبعاد أن الجيب المزمع إقامته سيكون في النهاية كرديًا فقط. إلا أن الخبير يرى أن الجيب سيكون كرديًا وعربيًا. أي إنه يشمل جميع المكونات المنضوية تحت مسمى (قوات سورية الديمقراطية). وأكد إيغاتينكو أن الكرد والعرب والمسيحيين سيشاركون في إقامة وإدارة دوائر الفيدرالية، على الرغم من أن الأفضلية ستبقى إلى جانب الأكراد.

ولكن الخبير غير متأكدٍ من وصول الأمور إلى انفصال الفيدرالية عن دمشق بالكامل، لأن تقسيم سورية قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن التنبؤ بها، وقد تمتد الحرب سنوات طويلة أُخرى. وقال موضحًا: “بما أن جميع الشخصيات الفاعلة التي لها علاقة بالأزمة، يتحدثون عن وحدة وسلامة الأراضي السورية، فإن من الممكن أن تتحول سورية إلى فيدرالية أو حتى كونفيديرالية. ولا يمكن استبعاد أن يدور الحديث في عملية سوتشي المرتقبة عن هذا الأمر”.

من جانب آخر، قال وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف: إن واشنطن لا تريد الحفاظ على سورية واحدة. وأضاف: “البارحة، أُعلن عن مبادرة جديدة عن نية الولايات المتحدة الأميركية دعم (قوات سورية الديمقراطية/ قسد) لإنشاء منطقة أمنية. وبحسب الحسابات الكبرى، فإن هذا يعني عزل مناطق شاسعة من الأراضي السورية، على طول الحدود مع تركيا والعراق”.

 

اسم المقالة الأصلية США взялись строить на территории Сирии новое государство
كاتب المقالة مارينا بالتاشوفا- نيكيتا كوفالينكو
مكان وتاريخ النشر صحيفة فزغلياد. 15 كانون ثان 2018
https://vz.ru/world/2018/1/15/903495.html
المترجم سمير رمان

 

مقالات ذات صلة

إغلاق