أدب وفنون

“يحيى” رواية تاريخية راهنة بامتياز!

 

في كل زمانٍ ومكان، ثمة منظومة من القيم والأفكار والعادات والثوابت، تشكّل بمجموعها وتداخلها وتراكبها، ما يمكن أن نسمّيه “التفكير الجمعي” لتجمّع أو مجموعة بشرية أو مجتمعٍ ما، بغض النظر عن تركيبته، سواء كانت بدوية، أو ريفية، أو مدينيه. وثمة صراعات خفية، مستترة أحيانًا، ومتفجّرة أحيانًا أخرى، ناجمة عن تناقض المصالح بين الفئات أو الشرائح الاجتماعية المكوّنة لهذا التجمّع البشري، أو المجتمع حسب مستوى تطوره، ومستوى العلاقات الناظمة بين أفراده. وفي كل الأزمان تلعب السلطة بوصفها القوة المهيمنة، التي تحتكر أدوات القوة والنفوذ دورًا مركزيًا في ممارسة العنف، لتأبيد سلطتها، وفرض هيمنتها على الرعية، مستخدمةً كل الوسائل المتاحة أمامها لقمع أي صوتٍ حرٍّ معارض، يتمتّع بتفكيرٍ نقدي، ويغرّد خارج سرب الثوابت، والعلاقات التقليدية الراسخة، التي تحرص السلطة عادةً على تكريسها، وعدم الخروج عن سياقها، لأنها تعتبر ذلك تهديدًا مباشرًا لسلطتها، وزرعًا لبذور التمرّد على هيمنتها واحتكارها لتلك السلطة.

هذه المسألة هي بمثابة قانونٍ عام، تتغير أشكاله، وتتعقّد أدواته، حسب كل مرحلة من المراحل، والحقب التاريخية، لكن جوهره ثابت على مرِّ العصور والأزمان، ولعل دروس التاريخ مليئة بالأمثلة الدّالة على ما ذهبنا إليه.

لم أستطع أن أُبعد عن ذهني تلك المقاربة، وأنا أغوص في قراءة صفحات رواية (يَحيى) الملحمية للكاتبة الأردنية سميحة خريس الصادرة عن دار «ثقافة للنشر والتوزيع» في الإمارات العربية المتحدة. وعلى الرغم من أن الرواية تتناول شخصية تاريخية عاشت في أواخر القرن الخامس عشر، وأوائل السادس عشر ميلادي، وبالتالي يمكن اعتبارها رواية تاريخية، فإنها في الحقيقة رواية راهنة بامتياز، وهذا ليس مجرّد حكمِ قيمة، لأننا سنأتي على برهنة هذا الاستنتاج من داخل النص الروائي ذاته، وليس من خارجه، وبالاستناد إلى المقدمة السابقة التي بدأنا بها هذه المقاربة للنص الروائي.

لا ندري إذا كانت شخصية “يحيى الكركي”، بوصفها الشخصية المحورية في الرواية، شخصيةً مفترضة، نابعة من خيال الكاتبة، أم هي شخصية تاريخية واقعية. لكن ثمة دلالات في النص تشي بأنها مزيجٌ من هذا وذاك، بيد أن الكاتبة أخفت بمهارة عن القارئ هذا السر، الذي أعلنت عنه في الخاتمة، حينما أشارت بكل وضوح وأمانة إلى الكتب والمؤلفات والمراجع التي اتكأت عليها في بناء صرحها الروائي المتين، وهذا الأمر لا يعيب النص، ولا يقلّل من شأنه، بل على العكس تمامًا، يمنحه صدقية عالية، ويفسّر الزخم المعرفي الذي ينداح في جنباته، لا سيما أن الكاتبة اقتصرت على أخذ شذرات من هذه المؤلفات التاريخية، ولملمتها لتعينها على إضاءة هذه المرحلة المسكوت عنها في التاريخ، ثم انصرفت إلى نصها الأدبي كما تقول: “متصرفة بكل ذلك الإرث العظيم، كما يقودني خيالي وخياري، مستعيرةً لمحة أو نسمة عابرة (…) أرسلت قبسًا من نور أضاء جنبات عالمي، وأرشدت طريقي في العتمة”. (ص447)

نحن إذن أمام بعض المراجع التي استندت إليها الكاتبة، لكنها أخذت منها ربما شرارة، أو فكرة، وأدخلتها في مختبرها الإبداعي، وأعملت فكرها في بناء عالمها الروائي، كما انبعث في مخيلتها التي صنعت الشخوص والأماكن والأحداث في الارتكاز على عالم حقيقي “كان هنا قبل أربعمئة عام وما يزال” (ص 448)، ولعل في جملتها السابقة ما يشير فعلًا إلى راهنية هذا العمل بامتياز، على الرغم مما يبدو عليه، وكأنه رواية تاريخية، لأن القمع والظلم والبطش الوحشي، الذي يواجه بطل الرواية (يحيى) في محطات وأماكن مختلفة عاش فيها، والنهاية المأسوية التي انتهى إليها، وهو الشيخ الجليل الذي يرفض الذل والاستكانة والظلم، ويدافع عن الفقراء والمهمّشين. يمكن أن تواجه أي شخصية تنويرية معارضة مماثلة له، في أي زمان ومكان، إذا حاججت أصحاب الشأن، وشيوخ السلطة الذين يصدرون الفتاوى المزيفة للدفاع عن مصالحهم، وتبرير مواقف السلطة. في هذا السياق يشكّل “يحيى” نموذجًا للشخصية التنويرية المعارضة، التي لا تفصل بين الموقف الفكري أو النظري، والممارسة العملية المنسجمة معه، وتقف -قولًا وفعلًا- مع الحق وضد الطغاة، ولأنها كذلك تدفع حياتها ثمنًا لمواقفها تلك، على الرغم من امتلاكها لكل المواصفات التي تؤهلها –إذا ما أرادت انتهاز الفرص– لأن تُفتح في وجهها أبواب السلطان والمال والجاه، لكنها أمام ضميرها الحيّ، وانحيازها إلى جانب الفقراء والمظلومين والحق، تعوف ذلك، وتصمّم على مواجهة السلطان وأتباعه وشيوخه، وهناك أمثلة كثيرة لمثل هذه الشخصيات قديمًا وحاضرًا، كالسهروردي، وغيلان الدمشقي، وإخوان الصفا، وابن عربي، وفي حياتنا المعاصرة، يمكن أن نذكر محنة نصر حامد أبو زيد، واغتيال مهدي عامل، وحسين مروّة، وغيرهم من التنويريين العرب.

لا نود أن نخرج كثيرًا عن سياق النص الروائي، وفي العودة إليه، ترسم الروائية سميحة خريس لوحة غنية بالأحداث والشخوص والأمكنة، لتلك المرحلة التي تعود إلى أربعمئة سنة مضت، تبدأ من خربة جلجول، في منطقة الكرك الأردنية، وترصد الظروف الصعبة التي كانت تواجه الفلاحين الفقراء آنذاك، سواء بسبب قسوة الطبيعة والمحل والجراد، وانتشار الأوبئة التي تحصد الأرواح والأرزاق، أو بسبب فساد السلطنة العثمانية، وأتباعها المحليين الذين يمارسون كل أنواع الظلم والقهر والإذلال على الناس. وفي هذا السياق توظّف الكاتبة بمهارة لافتة الموروث الشعبي في حفلات الختان والزواج، وطقوس محاربة شر الجن، وتختار مقاطع منتقاة من الغناء والشعر الشعبي تنسجم مع الأحداث، وتعمقها، وتعطيها أبعادًا في تصعيد دراميّ أخّاذ. كذلك لا تنسى الإطلالة الجميلة على فنون وأسرار بعض الحرف اليدوية التي كانت سائدة، كالنسج على النول، والنقش على النحاس وأعمال العطارين والورّادين، والمداواة الشعبية بالأعشاب، لا سيما حينما تنفتح فضاءات الرواية على أماكن أخرى كالقاهرة ودمشق.

في إطار المناخ البائس لخربة جلجول/ الكرك، يولد الطفل “يحيى”، بعد مخاضٍ عسير، وفي ظل انتشار وباء الطاعون، الذي يحصد الأرواح، فلا يتوقع أحد له الحياة، لا سيما بعد وفاة والدته “نفل” التي كانت تفقد مواليدها الواحد تلو الآخر، باستثناء الابنة الكبرى “مريم” التي توصيها أمها بشقيقها، وهي على فراش الموت، فتتعهد الصبية الصغيرة، ابنة العشر سنوات شقيقها، وتصبح أمًا له، وتكشف الأحداث اللاحقة، القوة الداخلية الهائلة، لهذه الصبيّة التي تنهض بمسؤولياتها مبكّرًا، وتواجه كل الصعوبات والمحن بعزيمة لا تلين.

هكذا تتخلّق الشخصيات، وتتطوّر الأحداث، ونلاحظ هنا، أن الكاتبة تستخدم في سرد الحكايات ضمير الغائب، باعتبارها “الراوي العليم” الذي يتخفّى خلف الشخصيات، وينطقها بمنطوقه، لكنها تتعامل مع هذه المسألة بشفافية عالية، ودراية شديدة بالحبكة الروائية للأحداث وتطور الشخصيات، وهذا الأمر يمكن للقارئ أن يلمسه من خلال اختلاف وتمايز الخطاب بين شخصية وأخرى، حسب درجة الوعي الحسي والمعرفي لكل شخصية، فمثلًا خطاب يحيى ومنطوقه، الذي يبدي ذكاءً خارقًا منذ طفولته، ويتعلّم القراءة والكتابة، ويختم القرآن على يد المولى أمين، يختلف بطبيعة الحال عن خطاب والده عيسى الطحان، أو شقيقته “مريم”، أو صديقتها “هفوف”، التي سيكون لها نصيبٌ مهمٌ في تطوّر الأحداث لاحقًا.

حين يكبر الفتى “يحيى” صاحب الذهن المتقّد، المتعطش للمعرفة، والذي لا يقبل بالمسلّمات، يصطدم أول ما يصطدم بأبناء الشيخ “صايل”، أحد أعيان خربة جلجول، وبشكلٍ خاص بابنه “متعب” المختار، الذي يتآمر مع “الأوطة” العثماني، ويدوس على كرامة أهالي الخربة في سبيل مصالحه، فيسهّل اختطاف هفوف، صاحبة الصوت الشجيّ، صديقة مريم، وخطيبة شقيقه، ليأخذها القائم مقام العثماني جارية له إلى إسطنبول، للغناء والتسرية، وحين لا يستطيع “متعب” مواجهة “يحيى” وشقيقته “مريم” التي ترفض الزواج من شقيق المختار “متعب” ردًّا على نذالة مواقفه، ومن ثم حين يتلمّس الأخير قدرة يحيى على إقناع الفلاحين، والتفافهم حوله، يبدأ بدس الدسائس له وتحريض شيخ العلماء في عجلون، والأوطه العثماني عليه، وهنا يواجه يحيى أول محنةٍ له، فيضطر إلى الهرب من ملاحقة الجندرمة العثمانيين، وتتطوّر الأحداث بصورة مدهشة، حينما يتوجّه مع “دوّاج” إلى سيناء، حاملًا معه بحرصٍ شديد مخطوط (عيون الحكمة) لابن سينا، ومن الطبيعي أن لا نفسد على القارئ سرد الأحداث الدرامية الممتعة التي تواجهه في رحلته، التي ستكون رحلة معرفية بامتياز، حيث تنضج خبرات وتجارب هذا الفتى العاشق للمعرفة، لا سيما أن الأقدار سوف تقوده إلى قاهرة المعز لدين الله الفاطمي، ومن ثم يدخل الأزهر الشريف تلميذًا، وهناك سوف يخوض مغامرات ومناظرات فكرية وفقهية تجعل علماء الأزهر ينقلبون عليه، بعد أن يعجبوا بقدراته الذهنية المتوقّدة.. وهناك أيضًا في القاهرة سوف يتوهج قلبه بالحب، ويتذوق طعم تلك المشاعر الإنسانية العميقة لأول مرة في حياته.

تبدأ محنته الثانية بعد انقلاب علماء الأزهر عليه، ومطاردته في القاهرة، فيخرج منها في رحلة العودة إلى دياره مع موكب حجيج يخوض في صحراء سيناء، وبعد عودته إلى دياره تبدأ مرحلة جديدة من الصراعات، تأخذ منحى أكثر احتدامًا، حيث تقوده محنته الثالثة إلى دمشق هربًا من البطش، وفي دمشق، كما في القاهرة، ترسم الكاتبة لوحات أخّاذة لجماليات الأمكنة، ونبض سكانها، وصراعاتهم في خيرها وشرّها، في عنفوانها وخذلناها، وتغتني الرواية بشخصيات كثيرة أخرى، كذلك نتعرّف على وجوه جديدة لهذا الشيخ الكركي، الذي يصبح أكثر انسجامًا مع ذاته، إذ لم يعد “غارقًا في تفسير الحياة دون الانخراط فيها”، بل نراه “مثل بحر رائق على السطح يموج عنيفًا في الأعماق”.. “ولم تعد أسئلة التردد تقف مطولًا عند بابه”. (ص 267)

في دمشق، وبعد أن تنضج تجاربه، ويواجه الكثير من المحن، يتوّجها بمواجهة شيوخ الشام برباطة جأش، وقناعات عميقة راسخة، تجمع بين زهد المتصوف، وترفُّعِه عن صغائر الأشياء، ومتاع الدنيا، وفي الوقت ذاته انغماسه في قضايا الناس ومشاكلهم، والقرب منهم، وإعلائه من شأن العمل وكسب الرزق بعرق جبينه، فهو بهذا المعنى ليس متصوفًا على طريقة الدراويش، ولا قابعًا منعزلًا في صومعته للتعبّد والتفكّر فقط، بل يجمع في شخصه بين العمل والفكر والتعبّد والانغماس بعلاقةٍ مباشرة مع قضايا الناس وحقوقهم، يقول كلمة حق بشجاعة نادرة، ويربط بين القول والفعل.

هذه الصفات، بمقدار ما جمعت الأنصار والمحبّين من حوله، جرّت عليه عداوات كثيرة، ولأنه رفض المساومة في محنته الرابعة، وأصرَّ على المواجهة، لذلك كانت نهايته المأسوية محتومة في دمشق، إذ قد ينتصر الشرُّ على الخير في ظروف وملابسات غامضة، إلاّ أن الصراع بينهما لن ينتهي، بأي حالٍ من الأحوال.

مقالات ذات صلة

إغلاق