هموم ثقافية

شعراء أقنعة

كان كل شعره يكتب عن الألم، ويغني للحرية، ويمجد صليب الدموع والآلام، إلى درجة نازع فيها المسيح على صليبه، فكتب مستنكرًا محتجًا صارخًا هازًا عرش الله: إن هذا دم… ليس ماء لكي تغسلي قدميك. وعندما تقول الأرض أو البلاد مبررة: ولكنني لوثتني العناكب.

هنا يثور ثورة المحتج الساخط ومعلم المدرسة، مؤنبًا ورادعًا ومحتجًا (كما يليق بالشاعر الحر صاحب الرؤيا والموقف) يكففففففففي! ويعيد على مسمعها، كما يليق بأب كاهن ومسيح صغير: إن هذا دم…………….

يصرخ مقلدًا الشاعر الفرنسي الحر شاعر الحرية: بول إيلوار، فيطبع قصيدة مطولة عن الحرية: كم من البلاد، أيتها الحرية.

مواقف:

أذكر موقفًا لي مع هذا الشاعر الذي أسقطت ثورة الحرية قناعه وعرّته مع من عرّت. لا أدري كيف أعطيته وعدًا بأن أرافقه في رحلة لصيد العصافير، لأشهد براعته في صيدها، وهو المشهور بمقالة شعرية له بعنوان (قلاية العصافير) يعرض فيها كيف يتلذذ الجلاد بقلي ضحاياه، وهو يقلبهم ويشاهد -بسادية- أعمارهم وأحلامهم ومشاعرهم تحترق وتتلوع بالزيت، وكيف يتصاعد هو بأحلامه ونشوته وساديته أمام العصافير الضحية.

كان الوعد بيني وبينه أن أصحبه في صباح اليوم التالي إلى الغوطة، في رحلة الصيد تلك. وكان يسكن في كراج أحد الأبنية في منطقة شارع القصور قريبًا من فرع المخابرات في الروضة. وفكرت ليلًا منتبهًا إلى مفارقة الظلم الواقع على العصافير الجميلة، وهي تغرد مجملة الشجر والحقول والحياة. قلت كيف يستطيع شاعر أن يقوم بذلك، وهو الذي يمجد الحرية ويتباكى على غيابها / كم من البلاد أيتها الحرية/

كنت أظنه مازحًا، قلت: كيف أشارك أنا من أعتبر الطيور والعصافير أطفال هذا الوجود الجميل وأزهار فتنته، كيف أشارك في قتلها، وحريتها ووجودها جزء أساس من رموزي وشعري؟ وبعد تقليب الأمر، وتيقني من صدق ما يريد، قررت أن أخلف معه الوعد، وليكن ما يكون، رغم تمسكي بالوعد واعتبار الخلف فيه أشبه بالكفر والخيانة.

لم أحضر في الصباح الباكر، وذهبت إليه حوالي الساعة الحادية عشرة ظهرًا، فلم أجد أحدًا في بيته، فتركت له ورقة اعتذار أمازحه فيها بطريقة أدبية، مع الحرفين الأولين من اسمي. وما أفظع ما فعله معي بعد أيام!

استقبلني بوجوم، وسألني عن الموعد، فقلت له انشغلت جدًا ولم أستطع، وتركت لك ورقة اعتذار على الباب، سألني عن محتوى الورقة، وانفجر بوجهي معلنًا سخف ما فعلت، وأنه سلّم الورقة للشرطة على أنها من أعداء يهددونه بها، وعليهم حل رموزها ولغزها للوصول إلى المجرمين الذين يترصدونه (هكذا)، وأن الورقة أصبحت بيد القضاء. أخذت الأمر على حالة المزاح، وأخذه هو بمنتهى الجدية، ولما أبديت اعتراضي على تناقض شاعر يتحدث عن الحرية ويقتل العصافير؛ ازداد في هياجه إلى درجة خفت معها عليه من حالة الشقيقة التي تلازمه، ويستدر بها عطف أصدقائه وجلسائه.

وكان في جلساته يسخر من الجنرالات والعسكر والحرس، واحتلالهم للشوارع والأرصفة، ولأنه مسكين ومضطهد ومصاب بالعصاب من التسلط والسلطة، رغم يساريته وماركسيته الفاقعة، فقد أشفقوا عليه ووظفوه في وزارة الثقافة رقيبًا على مخطوطات الشعر والأدب. ولطى بها زمنًا وكانت قصائده تغنى من قبل مغني الالتزام والحرية، وتردد من قبل عشاق الحياة والحب والتمرد، الشباب السوريين والفلسطينيين المتطلعين إلى ثورة وحرية.

وكاد أن يصبح تيمة ورمزًا.

وما إن جاءت الثورة التي انتفض شعبٌ بكامله فيها على الآلام والظلم والاستبداد.. ثورة عودة الروح لشعب أبي وعظيم، قمعه نظام همجي عسفي إجرامي.. وهنا انقلب هذا المسيح الرمز وحامل صليب المواجع والآلام والحرية، وأظهر حقيقة كانت باطنة وخفية وأعلن انتماءه إلى القاتل والظالم ضد شعبه وإرادة الكرامة فيه، وراح يشيد بالدكتاتور المقبور وبـ ستالين وروسيا وبوتين الإجرامي.. وقد انقلب الحمل فيه ذئبًا، والمسيح فيه أثنيًا وعراب كهنوت وعداوات، ليتهم شعبه بالداعشية والظلامية.. تمامًا مرددًا مقولات النظام القاتل بمؤامرة عالمية وكونية، وهنا هنا أكد تمامًا حقيقته، وانتماءه إلى عسكر الإبادة والقتل والتعفيش، وصار نزيه الأدونيسي أبو عفش! وقد أصيب بصمم الخراعة والخرف والعماء عن حقيقة لا تخفى إلا على يهوذا الذي باع المسيح:

إن هذا دم

وطوفان دم يطرش في الكون.

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق