تحقيقات وتقارير سياسية

هل انتهت صلاحية مدير “مسلخ” صيدنايا!

 

ما زالت خفايا مقتل العميد محمود أحمد معتوق، مدير سجن صيدنايا العسكري -أو “المسلخ البشري”، كما تمت تسميته في تقرير لمنظمة العفو الدولية العام الماضي- تتفاعل في أوساط السوريين، بين من يشير إلى دور للنظام في مقتله، ومن يقول إنه توفي نتيجة “ذبحة قلبية”، وربما التعبير الأوضح حتى الآن، ضمن تلك الملابسات، أنه “توفي في ظروف غامضة”.

نعاه جامع قرية (فديو) التي ينحدر منها، والواقعة في ريف محافظة اللاذقية الجنوبي، يوم الجمعة الماضي، بقوله: إنه “استشهد، وهو يقوم بواجبه الوطني”. فيما رجحت بعض الشخصيات المعارضة أن النظام يعمل على التخلص من الشهود الذين عايشوا ومارسوا جزءًا من جرائمه.

تجدد، مع وفاة معتوق، الحديث بقوة عن أسرار سجن صيدنايا العسكري، وهول الجرائم المرتكبة فيه بحق المعتقلين، حيث استلم معتوق إدارة السجن في 2013، بعد مقتل مديره السابق اللواء طلعت محفوض، في كمين للجيش الحر، في أواسط عام 2013، على الطريق الواصل إلى السجن.

في هذا الموضوع، قال القاضي حسين حمادة –المستشار السابق في محكمة النقض السورية-‏ لــ (جيرون): إننا “أمام نظام أمني بامتياز، وهو دائمًا يستغل الحلول الأمنية لغايات سياسية، وإن التغطية على أسباب وفاة شخصيةٍ -كمعتوق- خدمت النظام بقوة نتيجة منصبه الأمني، يعطي دلالة بأن مقتله يرتبط بآلية عمل النظام الدائمة في التخلص من الشهود الذين يمكن أن يساعدوا في إدانته أمام المحاكم الدولية أو المشتركة أو غيرها”.

من جهة ثانية، اعتبر القاضي إبراهيم الحسين -مدير المركز السوري للحريات الصحفية- أن “الشخصيات التي كان لها دور في الملف القذر داخل أجهزة النظام، يتم النظر إلى ملابساتها، من خلال معرفة مسبقة بسلوك النظام نفسه، إذ إن وفاة أي ضابط بظروف غامضة، ترتبط بدوره المشبوه، وبخاصة شخصية كان لها هذا الدور الواضح بممارسة الجريمة. ولدينا سابقًا قرائن أخرى عن كيفية تخلص النظام، من شخصيات لها علاقة بالملف اللبناني والاغتيالات التي رافقته”.

أكد الحسين أنه ينظر بالقانون إلى المتهم “على أنه بريء حتى تظهر إدانته، لكن بالنسبة إلى النظام السوري، هو متهم حتى تثبت براءته”، وأضاف الحسين أن “القرائن والدلائل والأسبقيات، استنادًا إلى الثقافة القانونية، تزيد الشك في أن النظام تخلص من معتوق”.

كتب العميد أحمد رحال، يوم أمس الأحد، منشورًا على صفحته في (فيسبوك)، معلقًا على الحادثة: “كما تمّت تصفية كل المشاركين بجريمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري، يتابع بشار الأسد اغتيال كل الشهود على جرائمه، قَتَل العميد الركن محمود أحمد معتوق مدير سجن صيدنايا، وهو المسؤول عن كل الانتهاكات والتصفيات التي حصلت بسجن صيدنايا”، ووصفت عدة صفحات لمعارضين سوريين، ومنها صفحة (بدنا المعتقلين) على (فيسبوك)، “معتوق” بأنه، “حارس الجحيم ومدير محرقة صيدنايا الذي افترس زهرة الشباب”.

القاضي حمادة رجّح بدوره أن ما حصل هو “عملية اغتيال متعمد، ترتبط بتقارير لجنة التحقيق الدولية وتقرير منظمة العفو الدولية، حول الانتهاكات في المعتقلات”، وأوضح أن التقرير الدولي المتعلق بالجرائم التي وقعت بسجن صيدنايا كان تقريرًا احترافيًا من حيث الوقائع، والأدلة، ومرتكبو الجرائم، ومن ضمنهم معتوق”، وطالب المعارضة السورية بالتركيز على جرائم النظام في المحافل الدولية، وعلى “كيفية فرض مرتكبي جرائم ضد الإنسانية على طاولة التفاوض، ويرى أن مدخل الحلول في سورية هو قانوني، نتيجة لحجم الجرائم التي ارتكبها النظام، ومنها ما تم توثيقه في التقارير عن سجن صيدنايا”.

حذر المحامي أنور البني، مدير (المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية)، بقية الذين ارتكبوا جرائم حرب في سورية من هذا المصير الذي لاقاه معتوق، وكتب يوم أمس الأحد، على صفحته في (فيسبوك): “ما زال الوقت متاحًا أمام المجرمين في سورية؛ ليعترفوا بما ارتكبوه وينسبوه إلى الأوامر التي تلقوها من زعيم المجرمين الإرهابيين بشار الأسد، قبل أن يقوم زعيمهم بتصفيتهم واحدًا تلو الآخر، لينفي عن نفسه المسؤولية، كما حصل مع كثيرين، وحصل مؤخرًا مع مدير سجن صيدنايا محمود معتوق”.

أضاف البني أن “الدعاوى تحركت في ألمانيا، ونسعى لتحريكها ببلدان أخرى، ومهما حاول من قطع الخيوط التي تربطه بهذه الجرائم؛ فلن ينجح، لأننا نستهدفه كمجرم شخصيًا، وليس بصفته رئيسًا، أعتقد أن هناك وقتًا متاحًا لتخفيف مسؤوليتهم، إن بادروا بسرعة للنجاة من موت محقق، على يده، والإدلاء باعترافاتهم أمام القضاء، فربما يحفظ الحُكم بالسجن بقيةَ حياتهم”.

يشار إلى أن تقرير منظمة العفو الذي حمل اسم (المسلخ البشري) عن سجن صيدنايا، صدر في شباط/ فبراير 2017، واتهم نظام الأسد بإعدام نحو “13 ألف معتقل”، بطرق مختلفة وسرية، ومنها إعدامات جماعية بحق المعارضين المعتقلين، ويتم شنق المعتقلين ليلًا، بعد اقتيادهم من زنازينهم كمجموعات، بشكل أسبوعي، يصل عدد كل مجموعة إلى “50 معتقلًا”، غالبيتهم مدنيون، ووفق التقرير، يبقى “السجناء معصوبي الأعين، لا يعرفون متى أو أين سيموتون، حتى يُلف الحبل حول أعناقهم”.

كتب المعتقل السابق سامر سابي منشورًا على صفحته، يقول فيه: “هذا المجرم مدير معتقل صيدنايا الشهير، طوال 3 سنوات قضيتها هناك في (المبنى الأحمر)، كان هو المسؤول الأول عن كل عمليات التعذيب والتجويع الممنهج التي كنا نتعرض لها”. وأضاف: “توفي في فترة إدارته أكثر من 11 ألف معتقل، من كافة أبناء الشعب السوري”، وتابع: “والله، لست فرحًا بموته من دون عقاب، والله، كم تمنيت أن يموت جوعًا ثم فعسًا بأقدام أمهات المعتقلين الذين قتلهم جوعًا وتعذيبًا..”.

يقع سجن صيدنايا العسكري الذي تمّ بناؤه عام 1987، على بعد نحو 30 كيلومترًا إلى الشمال من العاصمة دمشق، وهو من أكثر السجون تحصينًا، ويوصف بأنه “الجحيم”، نظرًا إلى قسوة المعاملة التي يتلقاها المساجين فيه، ويضم السجن المكون من 3 طوابق، ثلاثة أقسام، قسمان هما الأهم: (المبنى الحمر) وفيه يوضع المعتقلون السياسيون المدنيون، و(المبنى الأبيض)، ويودع فيه العسكريون الذين اتهموا بمخالفة الأوامر والقوانين العسكرية. ووفق منظمة العفو الدولية، يتبع السجن إلى وزارة الدفاع السورية، وتديره الشرطة العسكرية، ويستوعب نحو “30 ألف سجين”.

وأكدت المنظمة أنه “ليس هناك استجواب في سجن صيدنايا، فلا يُستخدم التعذيب من أجل انتزاع معلومات من السجناء، ولكن كما يبدو من أجل الحط من الكرامة الإنسانية، وإنزال العقاب، والإهانة، ولا يتمكن السجناء من الاتصال بمحام، ولفتت إلى أن كثيرًا من المحتجزين “قُتلوا بعد تعذيبهم المتكرر، وحرمانهم الممنهج من الغذاء والماء والدواء والرعاية الصحية”، من دون أن يتم إبلاغ “أسرهم بمصيرهم”.

وكان ستيوارت جونز القائم بأعمال مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى، قد أوضح، في أيار/ مايو 2017، أن لدى الولايات المتحدة أدلة على أن “نظام الرئيس السوري بشار الأسد أقام محرقة للجثث قرب سجن صيدنايا”، وأضاف، في لقاء صحفي، أن “المحرقة يمكن أن تُستخدم في التخلص من الجثث، قرب سجنٍ احتجز فيه عشرات الآلاف من الأشخاص، خلال الحرب المستمرة منذ نحو ست سنوات في سورية”.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق